أعلن الجيش الموريتاني، عن إغلاق منطقة لبريكة الواقعة في الشمال الشرقي للبلاد، بمحاذاة الحدود مع الجزائر وبالقرب من مخيمات تندوف، وذلك في إطار تعزيز الإجراءات الأمنية ومراقبة التحركات في نقطة حدودية توصف بالحساسة.
وأوضح بيان الجيش الموريتاني، أن المنطقة صُنفت “موقعًا مغلقًا” يُمنع فيه تواجد المدنيين أو ممارسة أي نشاط تجاري، وذلك “تفاديًا للانفلاتات الأمنية الناتجة عن استغلال هذه النقطة في أنشطة غير قانونية، تختلط فيها التجارة المعاشية بالتهريب المنظم”، بحسب تعبير المؤسسة العسكرية.
ويأتي هذا الإجراء في سياق إقليمي معقد، تشهد فيه المناطق الحدودية تحركات مختلفة ترتبط بالتحديات الأمنية والاقتصادية، ما يدفع دول الجوار إلى اتخاذ تدابير احترازية لضبط الحدود وضمان الاستقرار.
♦واقع يكرس التحول في المنطقة
أكد عباس الوردي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الخطوة التي أقدمت عليها السلطات الموريتانية بإفراغ إغلاق منطقة لبريكة الاستراتيجية الواقعة شمال شرق البلاد بالقرب من مخيمات تندوف، والواقعة قرب الحدود مع الصحراء المغربية، من الميليشيات الانفصالية بدعم من الجيش الموريتاني، تندرج في سياق تحوّل إقليمي ودولي متصاعد يدفع في اتجاه تجفيف منابع الفوضى ومظاهر التمرد على الشرعية الدولية، خاصة فيما يتعلق بالوحدة الترابية للدول.
وأوضح الوردي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا القرار السيادي من موريتانيا يعكس أولًا تمسكها بمبدأ وحدة التراب الوطني، كما يوجه رسالة سياسية واضحة مفادها أن دعم الكيانات الانفصالية أو التساهل مع وجودها في مناطق التماس لم يعد خيارًا مطروحًا في ظل تنامي الوعي الدولي بمخاطر التمرد المسلح والانفصال على أمن واستقرار الدول.
وأضاف المتحدث أن هذه الخطوة تُعد مؤشرًا قويًا على متانة العلاقات المغربية الموريتانية، التي باتت تشهد منذ سنوات طفرة نوعية على المستويين السياسي والأمني، كما أنها تكرّس بداية تحول عميق في موقف دول الجوار من الكيانات الانفصالية التي تشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.
وشدد الوردي على أن إفراغ منطقة لبريكة ليس فقط إجراءً أمنيًا، بل يمثل لحظة فارقة في موازين القوة المغاربية، حيث يسجل المغرب نقطة جيوسياسية استراتيجية تؤكد عزل خصومه إقليميًا ودوليًا، وعلى رأسهم النظام الجزائري الذي يواصل التشبث بخطاب متجاوز يقوم على دعم ميليشيات مسلحة ويتنكر للشرعية الدولية.
♦ تحوّل في خطاب الشرعية الدولية
يرى الوردي أن المجتمع الدولي أصبح أكثر وعيًا بخطورة الحركات الانفصالية والميليشيات المسلحة، خاصة بعد أن باتت مناطق النزاع حاضنة للإرهاب والجريمة المنظمة. موضحا أن التحولات الجيوسياسية العالمية اليوم تؤشر على تشكّل إجماع دولي ضمني يدعو إلى تصفية بؤر التوتر ومنع تحويلها إلى أراضٍ خارجة عن سيادة الدول.
وأشار إلى أن المنابر الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، باتت تشهد تصاعدًا في الأصوات الداعية إلى تجفيف منابع التمرد المسلح والميليشيات، بوصفها أحد أبرز عوامل زعزعة الأمن الإقليمي. وهو ما يجعل إفراغ بريقة انعكاسًا محليًا لهذا التوجه الأممي، وانتصارًا لمقاربة المغرب القائمة على الدفاع عن سيادته كاملة تحت سقف الشرعية الدولية.
وانتقد الوردي بشدة استمرار النظام الجزائري في تبني خطاب متناقض، يزعم دعم “حق تقرير المصير” بينما هو في الواقع يساند ميليشيا مسلحة تعيش على هامش القانون الدولي، داخل ما سماه “مخيمات العار في تندوف”، وهي مخيمات قال إنها تحولت إلى بؤر للاحتجاز والتجنيد والاستغلال السياسي.
وسجل الأستاذ الجامعي أن هذا الخطاب الجزائري بات مفضوحًا على المستوى الدولي، ولم يعد يحظى بنفس الزخم الدبلوماسي الذي كان عليه في السابق، مضيفًا أن منطق المظلومية الذي يستغله النظام في المحافل الدولية يفقد يومًا بعد آخر صدقيته، في ظل تزايد الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب كحل واقعي وذي مصداقية.
وأشار الوردي إلى أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في فرض مقاربته الجيوسياسية والأمنية، مستفيدًا من انفتاحه الاستراتيجي على دول غرب إفريقيا والعمق الأطلسي، وهو ما قلّص من هامش المناورة لدى النظام الجزائري وأظهر محدودية تأثيره الإقليمي.
♦ ميليشيات بلا حاضنة ولا شرعية
قال الوردي إن الزمن السياسي الذي كان يسمح ببقاء كيانات انفصالية تحت حماية أنظمة مارقة أو متواطئة قد ولى، مضيفًا أن التحولات في الخطاب الدولي، ومعطيات الميدان، تجعل من ميليشيا البوليساريو كيانًا مهددًا بالزوال، بعدما انكشفت ممارساته وارتباطاته المشبوهة بجماعات الجريمة والإرهاب في الساحل والصحراء.
وأضاف أن ما تبقى من هذه الميليشيات لم يعد يحظى بأي شرعية سياسية أو أخلاقية، حتى في أوساط اللاجئين الذين تحتجزهم داخل مخيمات تندوف، والذين يعانون من التفقير والتجييش والاستغلال الإنساني، بعيدًا عن أنظار الإعلام والمنظمات المستقلة.
وأوضح الوردي أن ما يحصل اليوم يعزز المكاسب السياسية للمغرب، سواء على مستوى علاقاته الثنائية مع دول المنطقة، أو فيما يخص ترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية، مع ما يعنيه ذلك من انحسار في دائرة التأثير الجزائري، التي قال إنها صارت تنكشف يومًا بعد يوم، بعدما كانت تحاول تسويق نفسها كـ”مدافع عن صوت الشعوب”، في حين أنها في الواقع تمارس تدخلاً مفضوحًا في شؤون الدول الأخرى.
وأكد أن المغرب بات يمتلك موقعًا قويًا داخل الفضاء المغاربي، عنوانه الواقعية السياسية، والدبلوماسية النشيطة، والانفتاح على شراكات متوازنة تقوم على احترام السيادة وتكريس التنمية المشتركة، بدل منطق العسكرة والابتزاز الذي ظل النظام الجزائري يعتمده لعقود.
وخلص الوردي على أن المرحلة الحالية تفتح الباب أمام صيغة جديدة من التعاون الإقليمي، تقوم على تجاوز ترهات الماضي وأكاذيب الميليشيات، والانخراط في دينامية بناء تقوم على الثقة والتكامل. مضيفًا أن على الدول المغاربية أن تدرك أن التحديات الأمنية والاقتصادية لا يمكن مواجهتها إلا بتجفيف منابع التوتر، وعلى رأسها النزعات الانفصالية التي صارت تُستخدم كأدوات لتفكيك الدول من الداخل.
ودعا في الأخير إلى ضرورة استثمار هذا التحول الإقليمي في بلورة تصور مغاربي جديد، ينهي القطيعة، ويعتمد الواقعية السياسية بديلاً عن الشعارات الجوفاء، مؤكداً أن الأمن الإقليمي والقاري والدولي لن يتحقق إلا بتفكيك روافد التطرف والفوضى، التي كانت دائمًا تجد في الحركات الانفصالية والأنظمة الراعية لها تربة خصبة للانتشار.
♦تأمين موريتانيا الشمالي
وفي السياق ذاته، أكد عبد الفتاح سالم، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن الخطوة التي اتخذتها موريتانيا بتأمين مناطقها الشمالية وترسيخ سيادتها على كامل ترابها الإقليمي تأتي في إطار احترام التزاماتها الدولية، وتهدف أساسًا إلى مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المناطق الحدودية مع المغرب، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود الجبهة الانفصالية جنوب غرب الجزائر، وأنشطة التهريب والجرائم المنظمة المرتبطة بجماعات مسلحة نشطة في منطقة الساحل.
وأوضح رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان في تصريح لجريدة “شفاف” أن هذه الخطوة ستعزز الموقف السيادي لموريتانيا، التي لطالما واجهت محاولات استغلال ملفات الأمن في المناطق الحدودية من قبل خصوم المملكة، بغرض اختراق القرار السيادي الموريتاني والتأثير على موقفها إزاء النزاع المتعلق بالصحراء المغربية. مضيفا أن هذه المناطق الحدودية ترتبط أيضًا بمناطق توتر في بلدان الساحل المجاورة، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني.
وأشار المتحدث إلى أن انتشار عناصر الجبهة الانفصالية في هذه المناطق يرافقه استغلال واسع لأنشطة غير قانونية، مثل تهريب المحروقات والمساعدات الإنسانية، والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والمخدرات، والتي تمثل مصادر تمويل أساسية لأنشطة هذه الجبهة السياسية والعسكرية والدعائية. مؤكدا أن الخطوة الأخيرة لموريتانيا ستؤثر بشكل مباشر على أحد أهم خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الجبهة الانفصالية والجماعات المتطرفة المرتبطة بها.
♦التعاون والتنمية الاقتصادية
وفي جانب آخر، رأى عبد الفتاح أن تأمين موريتانيا لشمالها يعزز نجاح المبادرة الملكية الخاصة بفك العزلة عن بلدان الساحل وتمكينها من الوصول إلى الواجهة الأطلسية عبر الأقاليم الجنوبية المغربية، لا سيما وأن هذه المناطق تمثل جسرًا حيويًا لبلدان مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو للوصول إلى الأطلسي عبر المغرب.
وأبرز أن الخطوة تتزامن مع تحضيرات لافتتاح معبر حدودي جديد بين المغرب وموريتانيا يربط مدينتي السمارة وبئر مغرين، ليضاف إلى معبر الكركرات، مما سيعزز التبادل التجاري بين البلدين، ويكرس التعاون والشراكة الاستراتيجية القائمة، ويدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الحدودية، خصوصًا في شمال موريتانيا.
وشدد على أن تأمين موريتانيا لمناطقها الشمالية يرسخ موقفًا واضحًا ضد محاولات الجبهة الانفصالية لاستغلال التراب الموريتاني لشن هجمات عدائية على المغرب، مشيرًا إلى محاولات إرهابية سابقة استهدفت مناطق في الأقاليم الجنوبية، مثل السمارة والمحبس. ومؤكدا أن هذا الموقف الحازم يعزز من انحصار وتراجع نشاط الجبهة الانفصالية داخل المناطق العازلة المغربية، التي تمثل جزءًا لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي.
وأردف أن هذه الخطوة تأتي في سياق تحرك إقليمي أوسع، حيث أعلنت مالي والنيجر وبوركينا فاسو انخراطها في المبادرة الملكية لدعم ولوج بلدان الساحل للواجهة الأطلسية، وهو توجه يعكس تعاطيًا إيجابيًا مع السيادة المغربية على الصحراء ويعزز التعاون والتكامل الاقتصادي الإقليمي بقيادة المغرب.
ولفت إلى أن المغرب يلعب دورًا استراتيجيًا رائدًا في الانفتاح على محيطه الإقليمي وعمقه القاري، مستفيدًا من موقعه الجغرافي لتعزيز التكامل والشراكات التنموية، بما في ذلك مجالات الطاقة ومشاريع الغاز مع نيجيريا والاستثمارات الكبرى داخل موريتانيا.
وخلص عبد الفتاح سالم بأن الخطوة الأخيرة لموريتانيا تؤسس لموقف أوضح وأقوى في دعم السيادة المغربية على الصحراء، وهو موقف سبقته عدة خطوات عملية منها تنسيق افتتاح معبر الكركرات، وتعزيز الوجود العسكري في الشمال الموريتاني، ورفض استغلال التراب الوطني الموريتاني لأغراض عدائية ضد المغرب. مبينا أن هذه الخطوة تساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري والشراكات الاستراتيجية بين البلدين، بما يخدم مصالحهما التنموية والأمنية المشتركة.

