في إطار سعيه لتحديث قدراته العسكرية ومواكبة التطورات التكنولوجية في مجال الدفاع، يُظهر المغرب اهتمامًا متزايدًا بالطائرة الهجومية الخفيفة الصينية من طراز “L-15 Falcon”، المصنوعة من طرف شركة “Hongdu Aviation Industry Corporation”، والتي تدمج بين السرعة الفائقة والتقنيات المتقدمة، والتي تأتي كبديل محتمل لطائرات “Alpha Jet”، -المطورة بشكل مشترك بين شركتي “Dassault Aviation” الفرنسية و”Dornier Flugzeugwerke ” الألمانية-، التي خدمت المملكة لعقود؛ لكنها أصبحت غير ملائمة لمتطلبات العمليات العسكرية الحديثة.
♦ دواعي الاهتمام المغربي
اعتبر هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن الطائرة “L-15 Falcon” تمثل خيارًا متميزًا للمغرب، نظرًا لدمجها بين التكنولوجيا المتقدمة والتكلفة الاقتصادية المعقولة، مقارنة بنظيراتها الغربية مثل الطائرات الأمريكية أو الأوروبية.
وأردف معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الطائرة مجهزة بأنظمة إلكترونية ورادارات حديثة، ما يجعلها قادرة على أداء مهام هجومية ودفاعية بكفاءة عالية، بالإضافة إلى كونها متعددة المهام، مما يعزز مرونتها التشغيلية.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن تصميمها المتقدم يسمح باستخدامها كطائرة تدريب متطور وأداة هجومية خفيفة في الوقت نفسه، وهو ما يجعلها بديلًا مثاليًا لطائرات “Alpha Jet” المستخدمة اليوم؛ والتي أصبحت قديمة.
في السياق ذاته، أبرز محمد الطيار، الخبير والباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن اهتمام المغرب المحتمل بطائرات “L-15” يدخل في إطار حرصه على تنويع ترسانته الدفاعية وتطويرها، وذلك ارتباطا بعلاقاته المتنوعة والواسعة مع مختلف الشركاء الدوليين في مجال التصنيع العسكري.
وقال الطيار في تصريح لـ”شفاف”، إن سعي الرباط للحصول على هذا النوع من الطائرات التي أثبتت أهميتها، يأتي بعد حصولها سابقا على أنظمة دفاعية صينية؛ من قبيل نظام الدفاع الجوي بعيد المدى “FD-2000B”، وقاذفات الصواريخ المتعددة “AR2″، وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات “HJ-9A”، وكذلك الطائرات بدون طيار من نوع “Wing Loong 2”.
وأضاف أن امتلاك المغرب المحتمل لـ”L-15″ يعد خطوة كغيرها تدخل في إطار تطوير ترسانته العسكرية وتنويعها بأسلحة دقيقة، مبرزا أنه سبق وأن برهنت على فعاليتها، مما سيجعله يفرض نفسه كقوة إقليمية في التوازنات الإقليمية والدولية.
وأوضح الخبير والباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية؛ أنه إذا ما اختارت القوات الجوية الملكية المغربية طائرة فالكون من فئة “L-15″، فذلك يعني أنها ستحل محل طائرة “ألفا” النفاثة، التي اقتناها المغرب منذ عقود طويلة.
♦ الاستراتيجية العسكرية للمغرب
يشير محمد الطيار، إلى أن الاستراتيجية التي يعتمدها المغرب في علاقاته العسكرية، يمارس فيها سيادته واستقلاليته الكاملة، حيث لا يعتمد فقط على مصدر ومورد واحد، وذلك ما من شأنه أن يضمن له التفوق العسكري على المستوى الإقليمي.
وأبرز أن الصين تعتبر شريكا عسكريا مهما بالنسبة للمملكة المغربية، لافتا إلى أنه في حالة إتمام هذه الصفقة فلن تكون الأولى من نوعها، بعدما شهدت السنوات الأخيرة توقيع عديد صفقات التسلح المهمة، وذلك في إطار تعزيز العلاقات بين الرباط وبكين في المجال العسكري.
ولفت إلى أن عدم تنويع الشركاء يخلق أزمات كبيرة، موضحة أن الدولة التي تعتمد في هذا الجانب عن مصدر واحد تعاني في كثير من الأحيان بسبب التقلبات والتغيرات المستمرة التي يشهدها العالم، معطيا مثلا بالجزائر التي ظلت لعقود تعتمد على السلاح الروسي، لكن مع دخول موسكو في حرب مع كييف، باتت روسيا غير قادرة اليوم على تلبية حاجيات الجزائر من السلاح.
على المنوال ذاته، يبرز هشام معتضد أن تنويع الشراكات العسكرية المغربية يعكس تحولًا في الديناميكيات الإقليمية، حيث يسعى المغرب لتعزيز قدراته الدفاعية من خلال التعاون مع قوى جديدة مثل الصين، موضحا أن هذا التوجه يعزز مكانة الرباط كفاعل إقليمي مستقل قادر على تحقيق توازن عسكري مع جيرانه، خصوصًا في ظل المنافسة الجيوسياسية مع الجزائر، التي تعتمد بشكل كبير على الأسلحة الروسية.
وأوضح أن توفير الدعم الفني وقطع الغيار بسهولة وسرعة من جانب الشركة المصنعة يعتبر عاملًا حاسمًا، حيث يتيح للمغرب الاستفادة من شراكة طويلة المدى مع الصين، لافتا إلى أن هذا الخيار يلبي متطلبات القوات الجوية الملكية من حيث الأداء والاقتصاد، ويجعل “L-15” منافسًا قويًا أمام الطائرات الأخرى في السوق الدولي.
وتابع أن دخول الصين كلاعب جديد في معادلة التسليح في المنطقة يخلق تحديات وفرصًا جديدة، حيث إنه من جهة؛ يعزز ذلك من قدرة المغرب على الوصول إلى تقنيات حديثة بأسعار تنافسية، ومن جانب ثاني؛ قد يثير قلق القوى التقليدية في المنطقة التي ترى في تعزيز الحضور الصيني تهديدًا لتوازن القوى الإقليمي، مبينا أن هذا التنويع يمنح المغرب مرونة أكبر في صياغة سياساته الدفاعية دون الاعتماد الكلي على حلفائه التقليديين.
♦ مستقبل التعاون مع الصين
يرى هشام معتضد أن اقتناء طائرات “L-15 Falcon” وغيرها من المعدات الصينية يعكس توجهًا واضحًا لتعزيز استقلالية القرار العسكري المغربي؛ فبدلاً من الاعتماد على الشركاء التقليديين مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، يتيح هذا التوجه للمغرب تنويع مصادر التسلح وتقليل الاعتماد على طرف واحد، مما يمنحه حرية أكبر في اتخاذ القرارات دون ضغط خارجي.
وأبرز معتضد أن التعاون مع الصين يوفر فرصًا للتطوير المحلي للصناعات العسكرية، مما يعزز من قدرة المغرب على تحقيق اكتفاء ذاتي جزئي في بعض المجالات الدفاعية، موضحا أن هذا التوجه يعكس استراتيجية طويلة المدى لتعزيز السيادة العسكرية، وجعل الرباط أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات الأمنية دون الحاجة إلى الاعتماد على المساعدات أو الإمدادات الخارجية.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
وأردف أن توجه المغرب نحو التعاون العسكري مع الصين يمكن اعتباره جزءًا من تحول استراتيجي طويل المدى نحو تنويع الشركاء الدوليين، مبرزا أن الصين بصفتها قوة صاعدة في مجال التكنولوجيا العسكرية، تقدم فرصًا جذابة للدول النامية التي تسعى للحصول على معدات متطورة بتكلفة تنافسية.
واستطرد الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن هذا التوجه لا يعني تخلي المغرب عن حلفائه التقليديين كأمريكا وفرنسا وغيرهما من الدول، بل يشير إلى إدراكه لأهمية توازن العلاقات بين الشرق والغرب لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
وأضاف أن هذا التحول يبقى محكومًا باعتبارات جيوسياسية واقتصادية، مبرزا أنه بينما تعزز الشراكة مع الصين استقلالية القرار العسكري، يسعى المغرب إلى الحفاظ على علاقاته المتينة مع الولايات المتحدة وأوروبا لضمان تنوع مصادره وتعزيز موقعه الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن التعاون العسكري المغربي مع الصين قد يثير تساؤلات لدى الشركاء التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة بشأن إعادة توجيه الأولويات الاستراتيجية للمغرب، مضيفا أنه قد تعتبر هذه الدول الصفقة مؤشرًا على رغبة المغرب في تقليل الاعتماد عليها، مما قد يدفعها لتقديم مزيد من العروض المغرية للحفاظ على شراكتها مع المملكة.
وشدد على أن المغرب يتمتع بعلاقات قوية ومتعددة الأبعاد مع حلفائه التقليديين، وهو ما قد يحد من تأثير هذه الخطوة، مبرزا أنه على العكس، يمكن أن تُعتبر الصفقة وسيلة لتحفيز الدول الغربية على تعزيز تعاونها العسكري مع المغرب، بما في ذلك نقل التكنولوجيا وتقديم عروض تنافسية لضمان استمرار الشراكة الاستراتيجية.
وأوضح أن توسيع التعاون العسكري بين المغرب والصين ليشمل مجالات أخرى مثل الطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية يمثل خطوة منطقية في سياق تعزيز هذه الشراكة، مبرزا أن بكين تعد من الدول الرائدة عالميًا في تصنيع الطائرات بدون طيار، والرباط يمكنها الاستفادة من هذه الخبرة لتطوير قدراتها في هذا المجال الحيوي، سواء من خلال الاستيراد أو نقل التكنولوجيا.
خبير عسكري يبرز رهانات الجيش المغربي من صفقات التسلح الجديدة التي أبرمتها المملكة
ولفت إلى أنه على مستوى توطين الصناعة العسكرية، فإن الصين تُظهر اهتمامًا متزايدًا بتوسيع وجودها في إفريقيا من خلال الاستثمار في البنية التحتية والصناعات المحلية، موضحا أن المغرب باعتباره بوابة إلى القارة الإفريقية، فهو يمثل شريكًا مثاليًا لبكين في هذا السياق.
واعتبر الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن توطين الصناعة العسكرية الصينية بالرباط؛ قد يفتح آفاقًا جديدة ومهمة لتطوير القدرات الوطنية الخاصة بالصناعة العسكرية، ويعزز من مكانة المغرب كقوة إقليمية تعتمد على نفسها في مجال الدفاع.

