تتصاعد المؤشرات داخل الأوساط السياسية بالأقاليم الجنوبية حول توجه مرتقب لتفعيل الأحزاب الجهوية، في سياق حركية إصلاحية واسعة تستبق مرحلة تنزيل مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، حيث يأتي تداول هذه المعطيات في وقت تشهد فيه المؤسسات الدستورية ونخب الجهة نقاشًا متزايدًا حول مراجعة آليات التمثيل السياسي وتجويد الإطار القانوني المنظم للأحزاب، بما ينسجم مع رؤية الدولة في تعزيز القرب الترابي وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، تماشيًا مع التوجيهات الملكية والخيار الديمقراطي الجهوي.
ورغم غياب أي إعلان رسمي، فإن تزامن هذه الأنباء مع الدينامية المرتبطة بتحيين وثيقة الحكم الذاتي المزمع إيداعها لدى الأمم المتحدة، يفتح الباب أمام تساؤلات ضمنية حول شكل التحولات المقبلة داخل النظام الحزبي الوطني، ومدى اتساع نطاق الجهوية السياسية في أفق بناء نموذج جديد للتمثيل الترابي، كما يطرح هذا السياق أسئلة غير مباشرة حول حدود المقارنة مع تجارب دول اعتمدت أحزابًا جهوية ضمن أنظمة حكم ذاتي مثل الجارة إسبانيا، وآثار هذه الخيارات على توازن العلاقة بين المركز والجهات، وعلى مستقبل النموذج المغربي في إعادة تنظيم الحقل المؤسساتي.
❖ المسار التاريخي
يبرز بلال التليدي، الباحث والمحلل السياسي، أن المغرب شهد منذ مطلع الألفية الثالثة، تراكمات مؤسساتية وسياسية مهمة في اتجاه ترسيخ الجهوية المتقدمة، لافتًا إلى أنه رغم أن الخطاب الملكي لسنة 2010 شكّل اللحظة الرسمية لإعلان هذا الخيار، فإن بذور التفكير فيه تعود إلى تقارير استراتيجية سابقة، أبرزها تقرير الخمسينية الصادر سنة 2005، الذي نبه إلى ضرورة إعادة هيكلة الدولة الترابية وتعزيز اللامركزية كمدخل للتنمية والاندماج المجتمعي.
وأشار التليدي في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن الدولة تعاملت مع هذا الورش بقدر كبير من الحِكمة الاستراتيجية، إذ لم يُطرح بشكل رسمي إلا بعد تقديم مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية سنة 2007، وهو ما يعني أن مسار الجهوية كان مرتبطًا في عمقه بتصور الدولة لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، من خلال بناء نموذج وطني قابل للتفاوض ويعبر عن إرادة المغاربة في تنظيم ترابهم بطريقة أكثر فعالية.
وأضاف أنه بعد سنة 2010، تم تعيين اللجنة الاستشارية للجهوية التي أعدت تصورًا شاملًا للجهوية المتقدمة، أعقبه إصلاح معمق شمل القوانين التنظيمية للجهات، والتقسيم الترابي، وتحديد اختصاصات الجماعات الترابية.
وأردف أن تواصل تقييم هذا المسار من طرف عدة مؤسسات، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الأعلى للحسابات، إضافة إلى إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري الذي شكّل حلقة أساسية في تنزيل الاختصاصات على المستوى الترابي.
❖ حدود التنزيل
يرى التليدي أنه رغم ما تحقق من إصلاحات، ظل التقييم المؤسساتي والسياسي يشير إلى فجوة واضحة بين النص والممارسة، موضحًا أن التقارير التشخيصية؛ سواءً للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أو المجلس الأعلى للحسابات، أكدت أن الجهوية المتقدمة لم تصل بعد إلى مستوى النجاعة المنتظرة، وأن جزءًا من اللامركزية ما يزال شكليًا بفعل بطء تفويض الصلاحيات، وضعف الموارد، وتردد بعض القطاعات الحكومية في نقل الاختصاصات نحو الجهات.
من “المسيرة الخضراء” إلى “عيد الوحدة”.. أي تحول في رمزية السيادة المغربية؟
وأبرز أن هذا البطء ليس معزولاً عن سياق استراتيجي أعمق، فالدولة وفق تقديره فضلت في مرحلة معينة التريث وعدم بلوغ سقف عالٍ من الجهوية، حتى لا يتحول نموذج الداخل إلى مرجع أعلى من النموذج المعروض للتفاوض مع الأطراف الأخرى.
ولفت الباحث والمحلل السياسي، إلى أن التفاوض حول الحكم الذاتي يخضع لمنطق “الحد الأدنى والحد الأقصى”، معتبرًا أنه إذا قدم المغرب نموذجًا متقدمًا جدًا، طالبت الأطراف الأخرى بما يفوقه؛ وإذا قدم نموذجًا أقل تطورًا، أمكن الوصول إلى صيغة وسطية متوازنة.
وأوضح أن هذا الاعتبار يفسر سبب وجود انتقادات داخلية ترى أن الجهوية الحالية ما تزال محدودة، مشيرًا إلى أن هذه الانتقادات رغم مشروعيتها تصب في مصلحة المغرب التفاوضية، لأنها تُظهر أن ما هو مطروح قابل للتطوير، وليس صيغة نهائية متصلبة.
❖ البعد التفاوضي
يعتبر التليدي أن المغرب يتعامل مع ورش الجهوية باعتباره جزءًا من المسار التفاوضي الدولي حول الصحراء، مبرزًا أن التفاوض حول الحكم الذاتي يقوم على مستويين؛ أولهما الاتفاق على الأطر العامة، وهو مسار يمكن أن يُحسَم في أقل من سنة.
وأردف الباحث والمحلل السياسي، أن ثانيها يرتبط بالتفاوض حول التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالهندسة المؤسساتية والاختصاصات والعلاقة مع المركز، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو مسار قد يمتد إلى سنتين أو ثلاث.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأكد على أن السيناريو الأقرب للتحقق هو انخراط الأطراف الأخرى في التفاوض حول نموذج للحكم الذاتي، وليس تعطيل المسار أو نسفه من الداخل، مضيفًا أن المجتمع الدولي، وخصوصًا الأمم المتحدة، يضغط من أجل الالتزام بالقرار 2654 وما يليه، والذي يضع الحكم الذاتي كحل واقعي، جدي وذي مصداقية.
❖ أحزاب جهوية؟
حول إن كانت ستقود الجهوية الموسعة إلى ظهور أحزاب جهوية، يشير التليدي إلى أن المطلوب أولًا هو التفاوض حول النموذج النهائي للجهوية، وتحديد ما إذا كان سيأخذ شكلًا قريبًا من الفيدرالية، وما إذا كانت الجهات ستتوفر على حكومات جهوية منتخبة، أم سيظل النظام قريبًا من النموذج اللامركزي المعزز.
تحيين المغرب لمبادرة الحكم الذاتي بمشاركة الأحزاب السياسية.. مقاربة تشاركية أم تحول استراتيجي؟
وشدد الباحث والمحلل السياسي، على أنه في حالة تبني نظام حكومات جهوية مثلما هو الشأن في إسبانيا وبلدان أخرى، قد يصبح تأسيس أحزاب جهوية خيارًا طبيعيًا ومنسجمًا مع الهندسة المؤسساتية الجديدة.
ولفت إلى أن هذا المسار يحتاج وقتًا، وأن تنزيل الجهوية الموسعة لن يتم بين ليلة وضحاها، مبرزًا أن المغرب مقبل على مرحلة انتقالية قد تمتد لسنوات، قبل الوصول إلى الصورة النهائية للنظام الجهوي الجديد.
❖ الهندسة الترابية الجديدة
يشير التليدي إلى أن حل نزاع الصحراء لن يتم عبر صيغة خاصة تطبق على جهة واحدة، بل من خلال إعادة تنظيم شامل للتراب الوطني؛ إداريًا وسياسيًا ومؤسساتيًا، موضحًا أن المغرب يتجه نحو نموذج وطني موحد للجهوية، يحقق التوازن بين الجهات، ويمنع أي إحساس بالتمييز الترابي أو الامتياز السياسي.
المنصات الجهوية للمخزون والإغاثة.. رؤية ملكية متكاملة لتعزيز الصمود الترابي وتدبير الكوارث بالمملكة
وأردف أن فكرة “التوازن بين الطلب الداخلي والطلب التفاوضي”، تبرز رؤية عميقة مفادها أن النموذج المعتمد في الأقاليم الجنوبية سيكون جزءًا من نموذج وطني شامل، وليس حالة استثنائية.
واعتبر الباحث والمحلل السياسي، أن هذا الخيار يحول دون فتح الباب أمام مطالب جهوية موازية في جهات أخرى، ويحافظ على وحدة الدولة وتماسكها المؤسساتي.
❖ المرحلة الانتقالية
يتوقع التليدي أن المغرب سيدخل خلال الفترة القادمة في مرحلة انتقالية تمتد في الغالب ما بين سنتين وثلاث سنوات بعد الاتفاق على الأطر العامة للحكم الذاتي.
ثورة تنموية مسنودة بانتقال ديمقراطي ونجاح دبلوماسي.. حصيلة 25 عاما من عهد الملك محمد السادس
وأبرز أن هذه المرحلة ستشهد مفاوضات تقنية معمقة، وصياغة بنود تفصيلية، ونقاشات دقيقة حول توزيع الاختصاصات، وتمويل الجهوية الموسعة، وضمانات التنسيق بين المركز والجهات.
وأشار إلى أن النقاش حول الأحزاب الجهوية قد يكون جزءًا من هذا المسار، لكنه يأتي بحسبه في مرحلة متأخرة، لأنه مرتبط بمدى عمق الإصلاح المؤسساتي الذي سيتبلور في النهاية.

