في ظل الأجواء المشحونة التي تسبق انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي المقررة في 30 أكتوبر الجاري، والتي يُنتظر أن تُجدد التأكيد على مقترح الحكم الذاتي المغربي كخيار وحيد وواقعي لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء؛ أعلنت الجزائر مجددًا نيتها الانسحاب من هذه الجلسة، في خطوة أعادت إلى الواجهة مشهد المقاطعة نفسها العام الماضي، وما حملته من مؤشرات على ارتباك دبلوماسي واضح وفقدان متزايد للعزلة داخل أروقة الأمم المتحدة، وهذا التصعيد الجزائري المتكرر يثير أسئلة حول خلفياته السياسية والدبلوماسية، ومدى ارتباطه بالتحولات العميقة التي يشهدها الموقف الدولي تجاه مقترح الحكم الذاتي المغربي، في ظل اتساع دائرة الاعترافات والدعم من القوى الكبرى؛ على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.
وانطلاقًا من أهمية هذا المستجد، أجرت جريدة “شفاف” هذا الحوار مع أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية، في محاولة لفهم دلالات التلويح الجزائري بالانسحاب للمرة الثانية، وقراءة موازين القوى داخل مجلس الأمن في ضوء التحولات الراهنة، إضافة إلى استشراف آفاق الحل السياسي في ضوء المؤشرات المتزايدة التي توحي باقتراب المجتمع الدولي من حسم النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وذلك إلى جانب تسليط الضوء على موقع المغرب داخل هذه الدينامية الجديدة، والكيفية التي يمكن له من خلاله توظيف هذا الزخم الدولي لترسيخ سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية، وتعزيز حضوره كفاعل إقليمي مؤثر وشريك استراتيجي موثوق في معادلات الأمن والاستقرار بالمنطقة.

❖ كيف تقرؤون تلويح الجزائر مجددًا بالانسحاب من جلسة مجلس الأمن؟
هذا فرار وإعلان للهزيمة وليس مقاطعة للتصويت، لأنه لا أحد يقف على جانبها، وأذكركم بمقولة سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، الذي وصف الجزائر بأنها “دولة لا وزن لها ولا مواقف”، في معرض رده عن سبب قبول عضوية دول في البريكس مثل السعودية والإمارات، ورفض عضوية الجزائر.
وهذه المقولة التي خرجت للعلن بشكل واضح من فم هذا الدبلوماسي الروسي، سيخلدها التاريخ لأنها جاءت من وزير خارجية دولة عظمى، والتي تُعتبر حليفًا منذ عقود طويلة للجزائر وأول مزود لهذه الأخيرة بالسلاح.
وبمعنى آخر الجزائر حضرت أو هربت من جلسة التصويت بمجلس الأمن الدولي؛ فالأمر سيان لأنه لا قيمة لصوتها، وأصبحت معزولة تقف لوحدها.
❖ ما الرسائل التي تسعى الجزائر لتوجيهها للمجتمع الدولي؟
هو مشهد تكرر في التصويت السنة الماضية في مجلس الأمن، حيث لم تصوت أي دولة ضد القرار حول الصحراء؛ بما في ذلك دولة الموزمبيق التي تعترف بالكيان الوهمي، وهذا لوحده له دلالة كبيرة مفادها أن الجزائر فاتها القطار وبقيت لوحدها على رصيف المحطة.
وستندم الجزائر على اليد الممدودة لملك المغرب الذي كان يريد حفظ ماء وجهها، ولكن غباء من يتحكمون في القرار الحقيقي للجزائر، جعلهم يرفضون مخرجا مشرفًا.
وستتحسر الجزائر على الفرصة الذهبية التي قدمها لها المغرب منذ اتفاقية الاتحاد المغاربي سنة 1989؛ لكي تخرج من الباب الواسع بشرف، ولكن حكام وجنرالات الجزائر أبوا إلا أن يخرجوا من الباب الخلفي صاغرين خزايا وبغير شرف، وغير مأسوف عليهم.
❖ في ظل المؤشرات الراهنة، هل بات مقترح الحكم الذاتي أقرب إلى أن يعتمد كخيار أممي رسمي؟
في الحقيقة كان المقترح المغربي دائمًا هو الحل الأممي في كل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ 2007، لأن تلك القرارات بلا استثناء ظلت تُردد لازمة “الحل السياسي الواقعي والمتوافق بشأنه والمقبول من الأطراف”.
وهذه الكلمات تعني في لغة القانون الدولي والقاموس الدبلوماسي؛ أولا الواقعية معناها أن من يملك الأرض هو صاحب الكلمة العليا.
وثانيًا، أن الحل السياسي معناه أن مجلس الأمن ضد خيار الجزائر والجبهة الانفصالية اللتين أعلنتا التحلل من مسلسل التسوية والعودة إلى حمل السلاح في نونبر 2020 بشكل صريح في بيانات جزائرية رسمية، وقبل ذلك التاريخ من خلال كل الخروقات شرق الجدار.
وثالثًا، فالحل المتوافق بشأنه والمقبول من جميع الأطراف، يعني بشكل واضح أنه لن يكون هناك حل لا يقبل المغرب صاحب الأرض.
وما كان ينقص تلك القرارات هو الإرادة الدولية لحل النزاع، والآن بعد الاعتراف الأمريكي خصوصًا، والذي تبعه الإسباني سنة 2022، ثم الاعتراف الفرنسي 2024، وانتهت اللعبة، وتوالت الاعترافات من كل الدول.
وآخر العنقود تصريح وزير خارجية روسيا في ندوة صحافية مشتركة مع نظيره المغربي بوريطة في موسكو، قال فيها إن “الحكم الذاتي” شكل من أشكال تقرير المصير، وهذا شيء معروف في القانون الدولي.
ولكن حين تصرح به الدبلوماسية الروسية؛ فهذا موقف سياسي جديد وتحول بارز في السياسة من آخر حلفاء الجزائر، وهو مؤشر على إجماع دولي على ضرورة الطي النهائي للنزاع.
❖ إلى أي مدى يمكن للمغرب أن يستثمر هذا التحول لصالحه دبلوماسيًا واستراتيجيًا؟
كما قلت في جوابي على سؤالكم السابق، كل المؤشرات تشير إلى أن الذكرى الخمسين لتحرير المغرب لأقاليمه الجنوبية من الاحتلال الإسباني، ستكون منعطفًا حاسما في إنهاء النزاع.
ويمكن أن نضيف مؤشرات أخرى منها تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس الذي أكد لإحدى القنوات الفضائية الموقف الأمريكي المعترف بسيادة المغرب على صحرائه، ووصفها بالصحراء المغربية.
وأكد بولس أيضًا أن واشنطن ستفتح قنصلية بالداخلة، وهناك تصريح لستيف ويتكوف، مستشار الرئيس الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط، الذي ذهب أبعد من ذلك حين صرح بأن هناك مصالحة بين المغرب والجزائر خلال أجل شهرين.
وحين يحدد الأجل في ستين يومًا؛ فمعنى ذلك أن هناك مفاوضات متقدمة بين الطرفين تحت إشراف فريق من البيت الأبيض يضم مسعد بولس وستيف ويتكوف بالإضافة إلى صديق المغرب وصهر دونالد ترامب، المستشار الأمريكي السابق جاريد كوشنر.
ولا ننسى أن تسريبات قرار مجلس الأمن الذي سيصدر نهاية أكتوبر الجاري؛ فيه أيضًا إشارتان قويتين؛ الأولى تجديد ولاية “المينورسو” لمدة ثلاثة أشهر فقط وليس سنة.
فيما ترتبط الثانية؛ بإمكانية إنهاء مهام “المينورسو”، إذا لم تتوصل الأطراف إلى حل، ولكم أن تربطوا بين أجل الشهرين التي تحدث عنها مستشار الرئيس الأمريكي، وأجل ثلاثة أشهر في مسودة القرار مجلس الأمن لتستخلصوا ما يجب استخلاصه.

