في خطوة غير مسبوقة منذ استقلالها سنة 1962، صادق مجلس الوزراء الجزائري، برئاسة عبد المجيد تبون، على مشروع قانون جديد يخص التعبئة العامة، فاتحًا الباب أمام تأويلات متعددة بشأن خلفياته وتوقيته، فالقانون الذي يُفترض أن يحدد الإطار القانوني والتنظيمي لحالة التعبئة، يتجاوز في مضامينه الجوانب العسكرية ليشمل القطاعات المدنية والمهنية، ضمن تصور شامل لمواجهة التهديدات الكبرى التي قد تطال أمن البلاد القومي، حيث إن هذا المستجد يأتي وسط مناخ إقليمي مضطرب، حيث تتقاطع التحديات الأمنية عند حدود الجزائر الجنوبية والغربية، وتتصاعد التوترات مع دول الساحل، خصوصًا مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وفيما لم تعلن الجزائر رسميًا حالة التعبئة العامة، فإن إقرار هذا النص القانوني في الظرف الراهن يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن طبيعة التهديدات التي تستشعرها الدولة الجارة، ومآلات هذا التصعيد المؤسساتي غير المسبوق، فلا يعرف إن كان يشكّل القانون استباقًا لتحولات إقليمية أكبر قد تشهدها المنطقة، ويعكس رغبة في إعادة ترتيب البيت الداخلي ضمن منطق الطوارئ، ومآلات انعكاس ذلك على علاقة الجزائر بجيرانها، خصوصًا المغرب، الذي تربطه شراكات متقدمة مع دول الساحل الثلاث، في وقت تتزايد فيه محاولات إعادة تشكيل خارطة النفوذ في منطقة الساحل والصحراء.
♦ عزلة إقليمية خانقة
يشير الدكتور محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، والخبير في الشؤون الأمنية، إلى أن خطوة النظام الجزائري للمصادقة على قانون التعبئة العامة تأتي في سياق إقليمي بالغ التعقيد، يُطبعه تآكل التحالفات التقليدية للجزائر وتدهور علاقاتها مع جيرانها الجنوبيين.
وقال لعروسي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن أخطر ما يواجه الجزائر اليوم لا يتمثل في تهديدات خارجية محددة، بقدر ما يتمثل في عزلتها الدبلوماسية وانقطاع جسور الثقة بينها وبين محيطها المباشر، خاصة النيجر ومالي وتشاد، حيث العلاقات في أدنى مستوياتها من ناحية المصداقية والتعاون.
وأضاف أن هذه التعبئة تعبّر عن انكشاف النظام الجزائري في محيطه، وافتقاده لرؤية استراتيجية إقليمية تتيح له تنسيق جهود الأمن الجماعي، أو حتى نسج تحالفات قائمة على الاحترام المتبادل.
وأبرز المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية، أن منطق التصعيد، هو آخر ما تلجأ إليه الأنظمة حين تنهار ركائزها الدبلوماسية، وتفقد أدوات التأثير الإيجابي في محيطها.
♦ تصدير الأزمة للخارج
في البعد الداخلي، يربط لعروسي قانون التعبئة العامة بتعثر النظام في مواجهة الاحتقان الاجتماعي، وانسداد أفق الإصلاحات السياسية، لافتا إلى أن النظام يحاول تصدير أزماته المتراكمة إلى الخارج، عبر خلق حالة طوارئ مصطنعة توظف خطاب “العدو الخارجي”، في محاولة لخلق اصطفاف داخلي وهمي.
وأردف أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن هذا السلوك يكشف عجز النظام عن امتصاص الغضب الشعبي، وعن تقديم بدائل ملموسة لمطالب العدالة الاجتماعية والحكامة الجيدة.
ولفت إلى استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي والمدني بالجزائر، في غياب أي توازن مؤسساتي أو تعاقد مدني-عسكري واضح، مبرزا أن هذا الأمر هو ما ينعكس في هشاشة منظومة الحكم، وإصرارها على إدارة التوتر بدل تجاوزه.
♦ تصعيد مزدوج
يرى لعروسي أن هذا القانون يعكس أيضًا رغبة النظام الجزائري في استثمار التوترات الخارجية ضمن صراعه الداخلي على الشرعية، مشيرا إلى أن التصعيد مع المغرب، واستمرار اعتباره “العدو الأول”، ليس سوى امتداد لهذه الرؤية الانعزالية.
وأبرز المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية، أنه يُطلب من الشعب الجزائري أن يتجنّد لصراع وجودي لا أساس له من الواقع، فيما تتجاهل السلطة الأولويات الاجتماعية والاقتصادية الملحة.
واستحضر في هذا الإطار، توتر العلاقات الجزائرية الفرنسية مؤخرًا، وطرد متبادل للدبلوماسيين، مما يُكرّس انغلاق النظام على نفسه، ومُضيّه نحو نهج تصادمي مع شركاء الأمس.
وأكد أن الجزائر لا تملك حاليًا أي مقاربة متماسكة لتجاوز أزماتها، بل تعتمد على مناورات سياسية وميدانية لا تسهم سوى في مفاقمة العزلة وإضعاف الثقة الدولية في توجهاتها.
♦ غياب الرؤية
ينتقد لعروسي بشدة غياب الرؤية الاستراتيجية لدى النظام الجزائري، مؤكدًا أن هذا القانون لا يمكن أن يغير التوازنات الإقليمية، لأن العوامل البنيوية في إفريقيا الغربية تميل لصالح المغرب، الذي نجح في ترسيخ حضوره الدبلوماسي والاقتصادي، عبر مشاريع تنموية، وعلاقات ناعمة، وتنسيق أمني فعال.
ويلفت الخبير في الشؤون الأمنية، إلى أن المغرب، بخلاف الجزائر، يتعامل مع محيطه وفق مقاربة بنّاءة، قوامها التعاون متعدد الأطراف، والابتعاد عن منطق التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
واستطرد أن التراكم الإيجابي للدبلوماسية المغربية جعل من المملكة شريكًا موثوقًا في القارة، ومفتاحًا لاستقرارها، في مقابل انسحاب الجزائر من مناطق نفوذها السابقة، خاصة الساحل الإفريقي.
♦ رهانات خاسرة
يشدد لعروسي على أن قانون التعبئة العامة هو تعبير عن مأزق داخلي أكثر مما هو رد فعل لخطر خارجي، مشككا في قدرة هذا القانون على تجنيد الشعب الجزائري ضمن خطاب العسكرة والتعبئة.
وزاد أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات؛ قائلا إن الثقة بين الحاكمين والمحكومين في الجزائر مفقودة، موضحا أن طبيعة التحديات تتطلب حلولًا سياسية ومؤسساتية، لا قوانين طارئة تسهم في عسكرة الحياة العامة.
وحذر من تبعات المقاربة الجزائرية الحالية، التي تعكس انهيار الدبلوماسية التقليدية، واستعاضتها بخيارات تصادمية، كتجاهل مناورات الأسد الإفريقي، ورفض الانخراط في آليات التعاون الأمني الإقليمي.
واعتبر المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية، أن هذه السياسات لن تؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، وستمنح المغرب فرصًا أوسع لتعزيز موقعه الجيوسياسي في القارة الإفريقية.

