فشلت المساعي الجزائرية في إقناع غانا بالتراجع عن موقفها الداعم لمغربية الصحراء، في مشهد يعكس تراجع النفوذ الجزائري داخل القارة الأفريقية، مقابل تنامي الدعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وفي محاولة يائسة لدفع غانا لتغير بوصلتها من جديد صوت البوليساريو زار إبراهيم بوغالي، رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري، غانا بمناسبة انعقاد الدورة الثالثة من حوارات أفريقيا حول الازدهار 2025، حيث التقى رئيس البرلمان الغاني، ألبان سومانا كينغسفورد باغبين حيث استغل المناسبة لمحاولة استعطاف المسؤولين الغانيين للتراجع عن موقفهم من الجبهة الانفصالية .
ورغم المحاولات الجزائرية البائسة ، فإن بوغالي لم يجد في الأخير سوى التعبير عن “أسفه لتغيير موقف غانا بشأن نزاع الصحراء”، في إشارة واضحة إلى عجز وفشل الجزائر عن إقناع الدول الأفريقية بمواصلة دعم جبهة البوليساريو.
♦صراع النفوذ
يرى المحلل السياسي والأستاذ الجامعي بلال التليدي، أن سعي الجزائر إلى تغيير موقف غانا بخصوص جبهة “البوليساريو” إلى اعتبارات استراتيجية تتعلق بتراجع نفوذها في منطقة الساحل جنوب الصحراء، حيث تعتبر أن استمالة عواصم إفريقية مثل أكرا يمكن أن يعزز موقعها الإقليمي في مواجهة الرباط.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، أوضح التليدي أن تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية يدفع الجزائر للبحث عن كسب تأييد دول أفريقية مؤثرة لموازنة الزخم المتصاعد لصالح المغرب.
وأضاف المتحدث، أن الجزائر تدرك أن الوقت ليس في صالحها، خاصة مع النجاحات الدبلوماسية المغربية المتتالية، وهو ما يدفعها إلى تجنيد دعم دولي لتعزيز موقفها في نزاع الصحراء.
وأكد التليدي أن الجزائر تواجه تحديات في محيطها الإقليمي، نتيجة فقدانها لكثير من نفوذها التقليدي؛ خاصة في منطقة جنوب الصحراء، مبرزا على أن قصر المُرادية يعتقد أن تعزيز علاقاته مع دول مثل غانا قد يخفف من عزلته المتزايدة.
ولفت إلى أن قصر المُرادية يدرك أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى حسم النزاع لصالح المغرب، لذلك يسعى جاهدا إلى تغيير مواقف بعض الدول الأفريقية الوازنة لدعم جبهة “البوليساريو” وإعادة التوازن في المنطقة.
♦محاولات الجزائر تدخل في نطاق إعادة التوازن في المنطقة
وفي السياق ذاته، اعتبر التليدي أن محاولات الجزائر لتغيير موقف غانا تأتي ضمن استراتيجيتها لتعزيز نفوذها، خاصة بعد تراجع تأثيرها في المنطقة، ما يجعلها تلجأ إلى استمالة دول أفريقية مؤثرة لمساندتها في نزاع الصحراء.
وأبرز المحلل السياسي، أن هذا التحرك يعكس رغبة الجزائر في مواجهة النجاحات الدبلوماسية المغربية المتزايدة، خصوصًا مع تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.
وأكد على أن الأمر الذي قامت به الجزائر لا يعتبر تدخلاً بالمعنى التقليدي، لأن المغرب نفسه قام بخطوات مماثلة مع فرنسا ونجح في إقناعها بموقفه، وهو ما يعني أن التحركات الدبلوماسية ليست بالأمر المستغرب في العلاقات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يلفت التليدي إلى أن تدخل الجزائر في قرارات غانا محاولة لإعادة التوازن في المنطقة، وإن كان يُنظر إليه من قبل البعض كخطوة تتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية.
وأبرز أن التغير في مواقف الدول الإفريقية، ومنها غانا، يعكس تحولًا استراتيجيًا في المنطقة، حيث لم تعد هذه الدول تريد أن تحرم من مزايا التحولات الجيوسياسية الكبرى، سواءً عبر المبادرة الأطلسية أو مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري الذي يعزز التكامل الإقليمي.
وأوضح أن غانا أدركت أن الجزائر باتت معزولة إقليميًا، خاصة في منطقة جنوب الصحراء، كما فقدت دورها القيادي في المنطقة، مبينا على أن الزخم الاستراتيجي والمكاسب الاقتصادية الكبيرة التي تحققها المملكة المغربية في إطار التكامل الإقليمي تصب كلها في صالح الرباط، وهو ما دفع العديد من الدول إلى مراجعة مواقفها بشأن قضية الصحراء.
وشدد على أن قضية الصحراء لم تعد مجرد مسألة سياسية، بل تحولت إلى ملف تتعامل معه الدول وفق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، حيث تحاول معه البحث عن موقعها ضمن التحولات الجيوسياسية الجديدة، وتسعى للاندماج في محيطها الإقليمي لتحقيق مكاسب اقتصادية كبرى.
♦إغراءات جزائرية غير كافية
وأضاف أن التمدد المغربي الإقليمي الواضح عمّق من معاناة الجزائر، التي أصبحت تعاني من تقلص نفوذها، مما دفعها إلى محاولات استمالة بعض الدول الإفريقية، رغم أنها لا تملك عروضًا اقتصادية مغرية يمكن أن تقنع بها هذه الدول.
ولفت المحلل السياسي إلى أن فشل مشروع أنبوب الغاز الجزائري جاء بسبب المخاطر الأمنية الكبيرة التي تهدد المنطقة، ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن خيارات أكثر استقرارًا، مثل المشروع المغربي النيجيري.
كما اعتبر أن الإغراءات الاقتصادية التي تقدمها الجزائر غير كافية، كونها ببساطة لا تملك عرضًا حقيقيًا يمكن أن يجذب الدول التي تعترف بالبوليساريو، في حين يقدم المغرب مشاريع تنموية كبرى تحقق مصالح مشتركة.
وأكد التليدي على أن موقف غانا قد يحتاج إلى وقت لترسيخ موقفها النهائي، لكنها ليست الدولة الوحيدة التي غيرت موقفها، حيث تشهد القارة الإفريقية دينامية متصاعدة في دعم الوحدة الترابية للمغرب.
وأردف أن الدعم المتزايد للوحدة الترابية للمغرب داخل الاتحاد الإفريقي يجعل الجزائر في موقف صعب، حيث إنها تفقد تدريجيًا الدعم الذي كانت تعتمد عليه في عرقلة تحركات الرباط داخل المنظمة القارية.
ونبه المتحدث إلى أن المغرب يسير في طريق استراتيجي ودبلوماسي واضح، ونجح في تغيير مواقف العديد من الدول التي باتت تدرك أن الحل الواقعي والوحيد هو مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب.
وأوضح أن المسار السياسي لهذا النزاع له بعدان، الأول يتعلق بالأمم المتحدة التي أصدرت قرارات تصب جميعها في صالح المغرب وتدين الجزائر والبوليساريو، مما يعكس أن مقترح الحكم الذاتي بات الحل الوحيد المطروح، مبينا أنه رغم هذه الإنجازات إلا أن هذا الملف سيعمر طويلا في الأمم المتحدة، وبالتالي فالحل الذي يبقى للمغرب هو فرض الأمر الواقع وسحب الملف والسيطرة على المناطق العازلة.
واستطرد أن البعد الثاني يتعلق بالدينامية الدبلوماسية التي سجلت نجاحا كبيرا، إذ على إثرها سحبت العديد من الدول الإفريقية والأوروبية اعترافها بالبوليساريو، الأمر الذي عمّق من عزلة الجزائر.

