مع حلول فصل الشتاء وتزايد حالات الزكام، يبرز موضوع التغذية كأحد المحاور المرتبطة بالوقاية الصحية في هذه الفترة.
وتزداد أهمية النظام الغذائي المتوازن في ظل البرودة وتراجع النشاط البدني، حيث يتحول الغذاء إلى عامل داعم لقدرة الجسم على مواجهة الاضطرابات الموسمية.
وفي هذا السياق، يثار نقاش متجدد حول دور الخضر الموسمية وحدود تأثيرها في تعزيز المناعة، ومدى ارتباط الاختيارات الغذائية اليومية بالحفاظ على الصحة خلال فصل الشتاء.
♦التغذية ودعم المناعة الشتوية
تؤكد إلهام الجاوي، الأخصائية في التغذية، أن التغذية المتوازنة خلال فصل الشتاء تشكّل ركيزة أساسية لدعم المناعة والحد من تكرار نزلات الزكام، مشددة على أن الوقاية لا ترتبط بنوع غذاء واحد بقدر ما تتعلق بنمط غذائي متكامل يراعي حاجيات الجسم في فترة تتسم بانخفاض درجات الحرارة وارتفاع معدلات العدوى الموسمية.
ووضح إلهام الجاوي في تصريح لجريدة “شفاف” أن فصل الشتاء يفرض على الجسم مجموعة من التحديات الفيزيولوجية، أبرزها التغير في درجة الحرارة، قلة التعرض لأشعة الشمس، وزيادة الاحتكاك في الفضاءات المغلقة، وهي عوامل مجتمعة تساهم في إضعاف الاستجابة المناعية وارتفاع احتمال الإصابة بنزلات الزكام. وفي هذا السياق، يصبح الغذاء أحد المحددات الأساسية لقدرة الجسم على التكيف والمقاومة.
وتشير الجاوي إلى أن الجهاز المناعي يحتاج خلال فصل الشتاء إلى إمدادات منتظمة من الفيتامينات والمعادن، وعلى رأسها فيتامين C، فيتامين A، الزنك، والحديد، وهي عناصر تلعب دوراً محورياً في دعم الخلايا المناعية وتحسين قدرتها على التصدي للفيروسات.
وتشدد أن نقص هذه العناصر لا يؤدي بالضرورة إلى المرض بشكل مباشر، لكنه يضعف خط الدفاع الأول للجسم ويجعل التعافي أبطأ.
وتضيف أن التغذية الشتوية يجب ألا تُبنى على منطق “العلاج بعد الإصابة”، بل على منطق الوقاية المسبقة، عبر اعتماد نظام غذائي متوازن ومتنوّع، يدمج بين الخضر، الفواكه، البروتينات، والحبوب الكاملة، مع الحرص على الترطيب الكافي رغم الإحساس الأقل بالعطش في الطقس البارد.
وترفض الجاوي الفكرة الشائعة التي تختزل الوقاية من الزكام في تناول بعض الأغذية بعينها أو وصفات شعبية محددة، معتبرة أن هذا التصور يفتقر إلى الأساس العلمي، لأن المناعة لا تُبنى في يوم أو يومين، بل هي نتيجة تراكم عادات غذائية صحية على المدى المتوسط والطويل.
♦الخضر الموسمية وقيمتها الغذائية
تؤكد الأخصائية في التغذية أن الخضر الموسمية تحتل مكانة مهمة في النظام الغذائي الشتوي، ليس فقط لكونها متوفرة بكثرة، بل لأنها تكون في ذروة قيمتها الغذائية خلال موسمها الطبيعي. وتوضح أن الخضر التي تنمو وفق إيقاع الفصل المناخي تكون أكثر غنى بالعناصر الدقيقة مقارنة بالخضر المزروعة خارج موسمها.
وتشير الجاوي إلى أن الخضر الشتوية، مثل الجزر، اللفت، السبانخ، الكرنب، البروكلي، والقرع، تحتوي على نسب مهمة من مضادات الأكسدة، والألياف الغذائية، والفيتامينات الضرورية لدعم المناعة.
وأبرزت أن الجزر والقرع، على سبيل المثال، غنيان بالبيتاكاروتين، الذي يتحول في الجسم إلى فيتامين A، وهو عنصر أساسي لصحة الأغشية المخاطية التي تشكل خط الدفاع الأول ضد الفيروسات.
وبينت أن الخضر الورقية، مثل السبانخ والكرنب، تساهم في تزويد الجسم بالحديد والمغنيسيوم وحمض الفوليك، وهي عناصر تساعد على تقوية الوظائف الحيوية وتقليل الإحساس بالتعب الذي يرافق غالباً فترات البرد.
وتزيد أن الألياف الموجودة في هذه الخضر تلعب دوراً غير مباشر في دعم المناعة من خلال تحسين صحة الجهاز الهضمي، الذي يُعد جزءاً مهماً من المنظومة المناعية.
وتنبه الجاوي إلى أن طريقة تحضير الخضر لا تقل أهمية عن نوعها، مشددة على أن الطهي المفرط قد يؤدي إلى فقدان جزء كبير من الفيتامينات الحساسة للحرارة، خاصة فيتامين C، موصية بضرورة باعتماد طرق طهي معتدلة، مثل التبخير أو الطهي السريع، أو حتى استهلاك بعض الخضر نيئة عندما يكون ذلك ممكناً.
وترى أن إدماج الخضر الموسمية في الوجبات اليومية لا ينبغي أن يكون بدافع الوقاية فقط، بل باعتبارها جزءا من توازن غذائي شامل، يساعد على ضبط الوزن، تحسين الهضم، والحفاظ على مستويات طاقة مستقرة خلال فصل غالباً ما يتسم بالخمول وقلة النشاط البدني.
♦مفاهيم خاطئة ونصائح عملية
تحذر إلهام الجاوي من انتشار عدد من المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالتغذية في فصل الشتاء، من بينها الاعتقاد بأن الإكثار من الأطعمة الدسمة أو السكرية يساعد على “تدفئة الجسم” أو تقوية المناعة. وتوضح أن هذه السلوكيات قد تعطي شعورا مؤقتا بالراحة، لكنها على المدى المتوسط تضعف الجهاز المناعي وتزيد من الالتهابات.
كما تشير إلى خطأ شائع آخر يتمثل في الاعتماد المفرط على المكملات الغذائية دون استشارة مختص، معتبرة أن المكملات لا تعوض النظام الغذائي المتوازن، ولا ينبغي استخدامها إلا في حالات النقص المثبت أو بناء على توصية طبية، مؤكدة أن الإفراط في بعض الفيتامينات قد تكون له آثار عكسية على الصحة.
وتشدد الجاوي على أهمية الحفاظ على نمط حياة متكامل خلال فصل الشتاء، يجمع بين التغذية السليمة، النوم الكافي، والنشاط البدني المعتدل، موضحة أن المناعة تتأثر بعوامل متعددة، ولا يمكن عزل الغذاء عن باقي السلوكيات اليومية.
وتوصي في هذا الإطار بتقسيم الوجبات بشكل منتظم، والحرص على تناول وجبات دافئة ومتوازنة، مثل الحساء الغني بالخضر والبقوليات، لما يوفره من عناصر غذائية وسوائل في آن واحد. كما تدعو إلى تقليل استهلاك الأطعمة المصنعة والمشروبات المحلاة، التي تفتقر إلى القيمة الغذائية وتثقل كاهل الجهاز المناعي.
وخلصت الجاوي إلى أن التغذية خلال فصل الشتاء يجب أن تُفهم باعتبارها استثمارا في الصحة، وليس مجرد استجابة ظرفية للخوف من الزكام، مشددة على أن بناء مناعة قوية يبدأ من المطبخ، لكنه لا يكتمل إلا بتبنّي أسلوب حياة صحي ومتوازن على مدار السنة.

