تقدم مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الأخيرة، منصة لرصد تفاعل المغاربة مع موجة التضامن التي أعقبت فيضانات مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة.
وأظهرت التفاعلات الرقمية دعما واسع النطاق للمتضررين، ودعوات لتنسيق الجهود بين الفاعلين المدنيين والمؤسساتيين لضمان إيصال المساعدات بشكل منظم وفعّال.
ويعكس هذا التفاعل روح التلاحم الوطني وقدرة المجتمع على التعبير عن قيم التضامن، كما يسلط الضوء على أهمية استثمار هذا الزخم في دعم جهود إعادة التأهيل وتعزيز آليات الوقاية لمواجهة الكوارث الطبيعية مستقبلا
♦تعبئة المجتمع أمام الأزمات
أفاد فؤاد يعقوبي، المختص في علم النفس الاجتماعي في السياق المغربي، أن مدينة القصر الكبير شهدت في الأيام الأخيرة تفاعلا واسعا ومباشرا من جانب المواطنين، تجسد في مبادرات ميدانية ومساهمات متنوعة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأكد المختص في علم النفس الاجتماعي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه الظاهرة تعكس قدرة المجتمع المغربي على التعبئة السريعة والاستجابة للأحداث الطارئة، وتشير إلى مستوى متقدم من المرونة الاجتماعية.
وأوضح يعقوبي أن لحظات الخطر تدفع الأفراد إلى تجاوز منطق الفردانية، لتظهر قيم الانتماء والمسؤولية الجماعية، معتبرا أن المجتمع في هذه الحالات يتحول إلى شبكة دعم نفسي واجتماعي متكاملة، توفر إحساسا بالأمان وتخفف من تأثيرات الأزمة على الفئات الهشة التي تعاني من ضعف الموارد أو الهلع النفسي.
وأشار إلى أن الشعور بأن “الآخرين موجودون معنا” يسهم مباشرة في تقليل الضغط النفسي ويزيد من قدرة المجتمع على الصمود والتكيف.
وأضاف المختص أن هذا التضامن يتجاوز تقديم المساعدات المادية، ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية، حيث يشكل احتواء القلق والخوف جزءا أساسيا من عملية الدعم الجماعي.
وأبان أن المجتمع المغربي يمتلك قدرة فطرية على خلق شبكة تواصل قوية بين أفراده، ما يعزز التعاون والتنسيق ويجعل التعامل مع الأزمات أكثر فعالية وأقل تأثيرًا على الحالة النفسية للمواطنين.
♦دور المنصات الرقمية الإيجابية
يرى يعقوبي أن منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورا محوريا في تنظيم الجهود وتعزيز التضامن، من خلال نشر المعلومات الصحيحة ومقاومة الشائعات التي قد تزيد من حالة الذعر الجماعي.
وأظهر المتحدث أن التفاعل الرقمي المسؤول يسهم في توجيه الدعم إلى الأماكن الأكثر حاجة، ويتيح للأفراد المشاركة بطرق متنوعة، سواء من خلال التبرعات، أو نشر التوعية، أو الكلمات التشجيعية التي تعزز الثقة والتماسك الاجتماعي.
وشدد يعقوبي أن المشاركة المنظمة على الإنترنت تسهل التنسيق بين الجمعيات، المبادرات المدنية، والفاعلين المحليين، مما يزيد من كفاءة التدخلات الميدانية ويحد من الفوضى المحتملة.
ولفت إلى أن التواصل الرقمي، إذا استُخدم بوعي ومسؤولية، يحول الأفراد إلى نقاط قوة داخل شبكة الدعم الاجتماعي، حيث يصبح كل شخص جزءًا من منظومة متكاملة تعزز الصمود الجماعي.
وتابع المختص أن التفاعل على المنصات الاجتماعية ليس مجرد نقل معلومات أو شعور بالواجب الاجتماعي، بل وسيلة لبناء مجتمع أكثر مرونة وصلابة.
واعتبر أن التعبير عن التضامن عبر هذه القنوات يساهم في تهدئة المخاوف العامة، ويشجع التعاون المباشر بين المواطنين، ويخلق مساحة لتبادل الموارد والخبرات، بما يدعم الاستجابة السريعة للأزمات.
♦صمود المجتمع المغربي المستدام
بين يعقوبي أن التجربة الأخيرة في القصر الكبير أو في زلزال الحوز تثبت أن القدرة على الصمود الاجتماعي والنفسي ليست شعارا فارغا، بل ممارسة حقيقية تتجلى في لحظات الأزمات.
وذهب إلى أن الجمع بين الدعم المادي، الاحتواء النفسي الجماعي، والخطاب الإيجابي الذي يزرع الأمل بين المواطنين يشكل قاعدة قوية لتعزيز الثقة المتبادلة والصمود المجتمعي.
وأظهر المختص أن التفكير في مواجهة الأزمات يجب أن يكون شاملا، بحيث لا يقتصر على تقديم المعونات العاجلة، بل يشمل استراتيجيات للتكيف النفسي والاجتماعي المستدام.
واعتبر أن الأفراد الذين يشعرون بأنهم جزء من شبكة دعم واسعة يزداد احتمال مشاركتهم الفاعلة ويقل شعورهم بالعجز أمام الأحداث الطارئة، ما يعكس قوة التماسك الاجتماعي في المغرب وقدرة المجتمعات المحلية على تجاوز الأزمات بثقة وأمل.
وأورد يعقوبي أن المجتمعات القوية هي تلك التي تظهر مرونتها وقدرتها على التحرك في الظروف الصعبة، وتبرز فيها القيم التضامنية بشكل ملموس من خلال المبادرات الميدانية، التواصل الرقمي المسؤول، والدعم النفسي الجماعي.
وأكد أن هذا المزيج يشكل أساسًا متينًا لبناء مجتمع أكثر صلابة، قادر على التكيف والتعافي بسرعة، وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتعزيز الوحدة والتعاون بين المواطنين.
وخلص إلى أن التجارب الواقعية مثل ما حدث في القصر الكبير تؤكد أن التضامن الاجتماعي والمرونة الجماعية ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل ممارسات حية يختبرها المجتمع في لحظات الشدة، وتساهم بشكل مباشر في تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وضمان تجاوز الأزمات بأقل الخسائر وأعلى قدرة على الصمود.

