تُعدّ التساقطات الثلجية التي تشهدها المناطق الجبلية خلال فصل الشتاء من الظواهر الطبيعية ذات الانعكاسات المتعددة على الحياة اليومية للساكنة، حيث تتجاوز أبعادها المناخية لتطرح إشكالات مرتبطة بالعزلة المجالية وضعف البنيات التحتية.
فتراكم الثلوج يؤدي إلى انقطاع الطرق والمسالك الجبلية، ويُعقّد حركة التنقل نحو المراكز الحضرية، مما يحدّ من الولوج إلى الخدمات الأساسية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم.
كما تنعكس هذه الظروف على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر، في ظل اعتماد عدد منها على أنشطة فلاحية ورعوية تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات المناخية، إلى جانب الخسائر التي تطال بعض التجهيزات والبنيات الهشة.
ويُعيد هذا الوضع النقاش حول ضرورة اعتماد مقاربات استباقية ومستدامة، قادرة على الحد من آثار العزلة الموسمية، وتعزيز صمود المناطق الجبلية أمام التحديات المناخية المتكررة.

♦العزلة المجالية المتجددة شتاء
وفي السياق ذاته، قال محمد القاطن بدوار بويدمومة، التابع لجماعة أغبالة بإقليم بني ملال، إن التساقطات الثلجية التي تعرفها المناطق الجبلية خلال فصل الشتاء لا يمكن التعامل معها فقط باعتبارها ظاهرة طبيعية موسمية، بل باعتبارها اختبارا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية الموجهة لهذه المجالات، ولقدرة البنيات التحتية والخدمات الأساسية على الصمود وضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم للساكنة، خاصة في ظل ما يتكرر سنوياً من عزلة وصعوبات مركبة.
وأوضح محمد في تصريح لجريدة “شفاف” أن تراكم الثلوج، رغم ما يحمله من أهمية بيئية ومائية على المدى المتوسط، يتحول بالنسبة لساكنة الدواوير الجبلية إلى عامل ضغط يومي يعمّق الإحساس بالعزلة ويجعل التواصل مع العالم الخارجي أمرا بالغ الصعوبة، خصوصا حين تنقطع الطرق والمسالك الجبلية لساعات أو أيام متواصلة.
وأضاف المتحدث أن هذه العزلة لا تقتصر على تعذر التنقل، بل تمتد إلى تعطيل مختلف مناحي الحياة، حيث يصبح الوصول إلى المراكز الحضرية أو الجماعات المجاورة مغامرة محفوفة بالمخاطر، سواء بالنسبة للتلاميذ أو المرضى أو النساء الحوامل أو كبار السن.
وأشار محمد إلى أن ضعف الشبكة الطرقية، وغياب الصيانة الدورية، يجعل أي تساقط كثيف للثلوج كفيلا بشل الحركة بشكل شبه كامل، وهو ما يبرز هشاشة الربط الطرقي في عدد من المناطق الجبلية، رغم الوعود المتكررة بفك العزلة.
واعتبر أن استمرار هذا الوضع يكرس نوعا من التفاوت المجالي، حيث تبقى ساكنة الجبال رهينة الظروف المناخية، في وقت يفترض أن تكون البنيات الأساسية مؤهلة للتعامل مع هذه الخصوصيات الطبيعية بشكل استباقي ومنظم.
وأكد محمد أن العزلة التي تفرضها الثلوج لا تكون مؤقتة فقط، بل تترك آثارا نفسية واجتماعية عميقة لدى الساكنة، خاصة حين يتكرر الإحساس بالتهميش وغياب الحلول الجذرية، وهو ما يستدعي، بحسبه، مقاربة شمولية تتجاوز التدخلات الظرفية التي غالبا ما ترتبط بحالات الطوارئ أو التغطية الإعلامية العابرة.

♦تأثير مباشر على المعيشة
سجل محمد أن الانعكاسات اليومية للتساقطات الثلجية تظهر بوضوح في صعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، حيث يؤدي انقطاع الطرق إلى تعذر وصول المرضى إلى المستشفيات أو المراكز الصحية، وتأخر التدخل في الحالات الاستعجالية، وهو ما قد تكون له نتائج وخيمة في بعض الأحيان.
ولفت المتحدث إلى أن التلاميذ، خصوصا في المستويات الابتدائية والإعدادية، يضطرون إلى التغيب عن الدراسة بسبب الظروف المناخية القاسية، ما يؤثر سلبا على استمرارية تحصيلهم الدراسي ويزيد من معدلات الهدر المدرسي في المناطق الجبلية.
وأضاف محمد أن التزود بالمواد الغذائية والغاز ووسائل التدفئة يشكل بدوره تحديا كبيرا خلال فترات تساقط الثلوج، حيث ترتفع كلفة النقل، وتتعرض بعض المواد للنقص، ما يثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود.
وأبرز المتضرر أن هذه الصعوبات تتضاعف في ظل هشاشة البنية الاقتصادية المحلية، واعتماد عدد كبير من الأسر على أنشطة فلاحية ورعوية مرتبطة بشكل مباشر بالتقلبات المناخية.
وفي هذا السياق، نبه محمد إلى أن الثلوج تؤثر على المراعي، وعلى تنقل قطعان الماشية، وعلى إمكانية توفير الأعلاف، ما ينعكس على مداخيل الأسر ويزيد من هشاشتها الاقتصادية.
كما لفت إلى أن بعض التجهيزات والبنيات التحتية، كقنوات الماء والمسالك القروية، تتعرض للتلف بسبب البرد القارس والانجرافات، دون أن تتم معالجتها بالسرعة المطلوبة، ما يراكم الإشكالات بدل حلها.
وشدد المتحدث على أن هذه الأوضاع لا يجب أن تُفهم بمعزل عن السياق العام للتنمية القروية، معتبرا أن استمرار المعاناة الموسمية يعكس اختلالات بنيوية تتطلب معالجة عميقة، لا تقتصر على توفير المساعدات الظرفية، بل تشمل الاستثمار في الإنسان والمجال على حد سواء.

♦الحاجة إلى حلول مستدامة
أكد محمد أن مواجهة آثار التساقطات الثلجية تستلزم اعتماد رؤية استباقية واضحة، تقوم على تأهيل الشبكة الطرقية الجبلية، وضمان صيانتها بشكل منتظم، وتجهيزها بوسائل التدخل السريع خلال فترات البرد القارس.
ودعا المتحدث إلى تعزيز حضور المرافق الصحية المتنقلة، وتوفير آليات خاصة للتكفل بالحالات الاستعجالية في المناطق المعزولة، بما يضمن حق الساكنة في العلاج دون مخاطرة.
وأبان أن الحلول المستدامة تقتضي أيضا دعم الأنشطة الفلاحية والرعوية ببرامج تراعي خصوصية المجال الجبلي، وتساعد الأسر على الصمود أمام التقلبات المناخية، سواء عبر توفير الأعلاف، أو دعم البنيات التحتية المرتبطة بالتخزين والتسويق، مشددا على أهمية إدماج ساكنة المناطق الجبلية في بلورة الحلول، والاستماع إلى انتظاراتهم ومقترحاتهم، بدل الاقتصار على مقاربات فوقية لا تراعي الواقع الميداني.
وخلص محمد إلى أن كرامة ساكنة الجبال لا ينبغي أن تبقى رهينة الفصول والظروف المناخية، معتبرا أن تحقيق تنمية مجالية عادلة يمر عبر جعل هذه المناطق في صلب السياسات العمومية، وليس في هامشها.
وطالب في الأخير بتحويل التحديات التي تفرضها التساقطات الثلجية إلى فرصة لإعادة التفكير في نماذج التدخل، بما يضمن الاستقرار الاجتماعي، ويعزز الثقة بين الساكنة والمؤسسات، ويضع حداً لمعاناة تتجدد مع كل شتاء.


