أكد تقرير حديث صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن القطاع الفلاحي بالمملكة يسير في اتجاه تعافٍ تدريجي، مدعوما بتحسن الموارد المائية والتساقطات المطرية الأخيرة، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالتقلبات المناخية وارتفاع الأسعار الغذائية.
وأوضح التقرير أن الظروف المناخية المسجلة في بداية الموسم الزراعي الحالي تُبشّر بآفاق مواتية لمحاصيل الحبوب، مع توقع استمرار المغرب في استيراد الحبوب لتغطية الاحتياجات الاستهلاكية وضمان استقرار الأسواق.
ويستحضر التقرير هشاشة المنظومة الفلاحية المغربية أمام تقلبات المناخ وضرورة مواصلة الإصلاحات المرتبطة بتدبير الموارد المائية وتعزيز مرونة القطاع لضمان استدامة التعافي على المدى الطويل.
♦تعافي القطاع الزراعي المغربي
أكد الخبير البيئي محمد بنعطا أن التحسن الملحوظ في مؤشرات الموارد المائية والتساقطات الأخيرة يشكل مؤشرا أوليا لتعافي تدريجي للقطاع الزراعي بالمغرب بعد موسم صعب على خلفية الجفاف الحاد الذي ميز سنة 2025.
وأوضح محمد بنعطا في تصريح لجريدة “شفاف”, أن الأمطار الأخيرة ساعدت في تحسين رطوبة التربة ورفع مستويات السدود المخصصة للري، ما ساهم في خلق ظروف مواتية لانطلاق زراعة الحبوب الشتوية، واستقرار نموها في مراحلها المبكرة، مما يعزز فرص إنتاجية أفضل مقارنة بالعام الماضي.
وأشار بنعطا إلى أن الدراسات الميدانية والأقمار الصناعية أظهرت مؤشرات إيجابية لصحة الغطاء النباتي في معظم المناطق الزراعية، وهو ما يعكس قدرة المحاصيل على الصمود وتحقيق مردودية مقبولة، حتى مع استمرار بعض الاختلالات الجهوية بسبب تفاوت الأمطار.
وأضاف أن هذا التحسن الموسمي يمنح الفلاحين فرصة لتأمين مدخولهم وتحسين جودة المحاصيل، مع إمكانية رفع مساهمة الإنتاج المحلي في السوق الوطنية.
وشدد الخبير أن التحسن الحالي لا يوازي التعافي الكامل بعد سنوات من الخسائر الناتجة عن الجفاف، ولكنه يشكل بداية مشجعة لتحسن مستدام.
وحث المتحدث على أن استمرار التساقطات ضمن المعدلات الطبيعية خلال الأسابيع المقبلة سيكون عاملاً حاسما في تحديد مدى قدرة القطاع على البناء على هذا التعافي الأولي، إضافة إلى أهمية ربطه بالإصلاحات الهيكلية في تدبير الموارد المائية لضمان استدامة النتائج.
♦تحديات الأمن الغذائي المستمر
لفت محمد بنعطا الانتباه إلى أن تحسن الإنتاج الزراعي المحلي، رغم أهميته، لا يعني زوال المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي في المغرب.
وأظهر أن المملكة لا تزال تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب لتغطية حاجياتها الاستهلاكية، نظرا للفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب الوطني، وهو ما يجعل أي تحسن في الإنتاج الموسمي مجرد خطوة أولى، وليس ضمانة لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
بركة يبرئ مخطط المغرب الأخضر من تهمة “ندرة المياه”.. فأين الحقيقة؟
ولفت الخبير البيئي إلى أن هذا الاعتماد على الاستيراد يعكس هشاشة المنظومة الغذائية الوطنية ويبرز الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي من خلال استثمارات مستمرة، وتبني سياسات شاملة لضمان استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وأفاد أن تحسين الإنتاج وحده لن يكون كافيا لمواجهة تقلبات السوق الدولية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الحبوب عالميا وعدم استقرار المناخ، ما يجعل من الضروري وجود خطط دعم واستراتيجيات احترازية لضمان تزويد السوق المحلية.
ورأى بنعطا أن الحفاظ على توازن بين الإنتاج المحلي وتأمين الواردات يمثل تحدياً استراتيجياً، حيث يتطلب تعزيز القدرة على التخزين، وتنويع مصادر التموين، ومراقبة توزيع الموارد المائية لضمان وصولها إلى المناطق الأكثر حاجة، مع تقليل الفوارق الجهوية في الإنتاج.
وأورد أن دمج السياسات الزراعية مع خطط الاستدامة البيئية يمثل مدخلاً أساسياً للحد من المخاطر المحتملة على الأمن الغذائي وضمان استقرار العرض والطلب.
♦إصلاح الموارد المائية المستعجل
دعا محمد بنعطا إلى تسريع إصلاح منظومة تدبير الموارد المائية باعتبارها شرطا أساسيا لضمان استمرار التعافي الزراعي، موضحا أن تحسين شبكات السدود وتوسيع مشاريع الري المقتصد، بالإضافة إلى تطوير تقنيات تحلية مياه البحر، يعد ضروريا لتلبية احتياجات الزراعة في مواجهة تقلبات المناخ المتزايدة والضغوط المتواصلة على الموارد.
وذهب الخبير إلى أن تعزيز مرونة القطاع الفلاحي يتطلب دعم البحث الزراعي، وتطوير أصناف بذور مقاومة للجفاف، وتشجيع التحول نحو الزراعات الأقل استهلاكا للمياه، إلى جانب اعتماد أنظمة مراقبة دقيقة للري وتوزيع الموارد حسب الأولويات الإنتاجية.
وأكد أن هذه الإجراءات ستسهم في الحد من المخاطر البيئية، وتحسين قدرة الفلاحين على مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية المستقبلية، مع تعزيز الاستدامة على المدى الطويل.
ونوه بنعطا بأن الربط بين تحسين الموارد المائية وتنمية القطاع الزراعي يشكل أولوية استراتيجية للبلاد، إذ إن أي تعافي مستدام لن يتحقق إلا من خلال حكامة فعالة تجمع بين الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية، ودعم السياسات الزراعية المتكاملة، واستثمارات مستمرة في تكنولوجيا الزراعة الحديثة، لضمان قدرة المغرب على الصمود أمام التحديات المناخية والاقتصادية المتصاعدة.
وخلص إلى أن استمرارية التعافي الزراعي رهينة بتضافر كل هذه الجهود، مع ضرورة الاستعداد الدائم لأي تقلبات مستقبلية قد تؤثر على الإنتاج الوطني والأمن الغذائي.
مع اقتراب فصل الصيف .. هل تجنب الإجراءات الحكومية المغاربة شبح العطش؟

