تزامنا مع اليوم العالمي لمكافحة السيدا، تتزايد الدعوات في المغرب لإدماج التربية الجنسية ضمن المناهج التعليمية، كوسيلة لتزويد الشباب بالمعرفة اللازمة حول الصحة الجنسية والوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية.
وعليه، هل التربية الجنسية المندمجة في المدارس وحدها كفيلة بوقف ارتفاع حالات الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا، أم أن الأمر يتطلب سياسات صحية واجتماعية أوسع تشمل الأسرة والمجتمع والدولة؟
♦خصوصية المجتمع المغربي
تؤكد بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن النقاش الدائر حول إدماج التربية الجنسية في المناهج التعليمية يجب أن يبنى انطلاقا من خصوصية سياق المجتمع المغربي، باعتبار السياق مفهوم أساسي في التدخل أو في مقاربة التربية الحنسية في علم النفس.
وشددت الأخصائية النفسية في تصريح لجريدة “شفاف” على أن أي نقاش حول هذا الموضوع لا يمكن أن ينفصل عن السياق الاجتماعي، وعن المنظومة القيمية، وعن طبيعة البنية العائلية المغربية التي تظل—رغم التحولات—مرجعية أساسية في حماية الناشئة.
وأضافت الباحثة أن السياق المغربي مختلف جذريا، وتبعات الحمل خارج الزواج ليست مجرد معطى رقمي، بل هي مأساة اجتماعية لها تكلفة باهظة على النساء والأطفال والمجتمع والدولة، مشيرة إلى أن عشرات الأطفال يُتركون سنويا نتيجة هشاشة الأوضاع الاجتماعية والنفسية للأمهات العازبات.
وتابعت أن بعض هؤلاء الأمهات يضحين بمكانتهن الأسرية والاجتماعية وبمشارعهن الذاتية وأهدافهن المستقبل من أجل الحفاظ على أطفالهن، بينما تضطر أخريات، تحت ضغوط اجتماعية كبيرة، إلى تسليم أبنائهن لمراكز الرعاية.
ولفتت المرابطي الانتباه إلى أن التحديات لا تنتهي عند هذا الحد، إذ يخرج كثير من هؤلاء الأطفال من مراكز الرعاية عند بلوغهم 18 عاما دون حصولهم على شهادة تعليمية أو اكتساب مهنة، أو تأسيس شبكة دعم، ما يجعلهم عرضة سريعا للفقر والتشرد والانحراف.
وانتقدت المرابطي غياب سياسات عمومية قوية تواكب هذا الملف الحساس، معتبرة أن الفئات الأكثر هشاشة ـ الأطفال المتخلى عنهم والأمهات العازبات ـ لا تحضر في صلب النقاش البرلماني، وأن القوانين المرتبطة برعايتهم لا تحظى بالاهتمام الكافي رغم طابعها الاستعجالي، إذ ترى أن هذا الواقع يجعل أي نقاش حول “التربية الجنسية” نقاشا غير متكامل ما لم يؤسس أولا لحماية حقيقية.
♦إدماج التربية الجنسية المدرسية
دعت المرابطي إلى إدراج التربية الجنسية في المؤسسات التعليمية بشكل أساسي ضمن المواد الحاملة التي يمكنها تأطير الموضوع بفاعلية، مثل علوم الحياة والأرض، التربية الإسلامية، الفلسفة، الرياضة والاجتماعيات، بالإضافة إلى أنشطة الحياة المدرسية.
وذهبت المتحدثة إلى أن البرنامج يجب أن يركز على التوعية بمخاطر الأمراض المنقولة جنسيا، ويعزز التسامي لتحويل الطاقة الجنسية إلى أنشطة بناءة.
وأوضحت الباحثة أن تقليل الضغط التعليمي يمنح التلميذ مساحة لممارسة الهوايات وتنمية المهارات الحياتية، وهو ما يمثل جوهر الاختلاف بين المغرب والدول الأوروبية ودول شمال أمريكا التي تختلف سياقاتها الثقافية والدينية عن المملكة.
ونوهت بأن التربية الجنسية يجب أن تراعي الخصوصية المغربية لضمان توافقها مع القيم الاجتماعية والدينية، مع الاستفادة من الآليات العلمية والنفسية الحديثة.
ونصحت المرابطي بتقييم المقررات التعليمية بانتظام لضمان فعاليتها، مشيرة إلى أن مواد مثل التربية الإسلامية وعلوم الحياة والأرض تعتبر مواد حاملة والأكثر ملائمة لتقديم الرسائل التوعوية، فيما يمكن دمج مواد أخرى وأنشطة مدرسية متنوعة لدعم التأثير الإيجابي على الشباب والمراهقين، مؤكدة على ضرورة تعميم تنظيم حملات مناهضة السيدا داخل المؤسسات التعليمية لضمان وعي صحي وجنسي مستمر بين التلاميذ.
ترى أن التربية الجنسية الأكثر نجاعة ترتكز على مفهوم التسامي كما هو في علم النفس الذي يعمل على تحويل الدوافع والرغبات، ومنها الرغبة الجنسية الغير مقبولة اجتماعيا سواء بشكل مؤقت أو تام إلى سلوكيات إيحابية من خلال تحويل طاقة الليبيدو إلى نشاطات بناءة مثل الفن والرياضة والأنشطة الثقافية والفكرية وتعلم المهرات الحياتية لتخفيف القلق والتوتر الذي يعانيه المراهق إزاء ضغط الغريزة، مع تقديكم الدعم النفسي للتلاميذ لتجنيبهم كل أنواع المخاطر السلوكية ومساعدتهم على تجاوز الضغوطات ومنها الغريزة الجنسية.
وشددت المرابطي على أن هذه البرامج يمكن أن تحقق أثرا وقائيا ملموسا إذا أدرجت بجدية ضمن المقررات والأشطة المدرسية
♦التربية والتأطير القيمي
أوضحت بشرى المرابطي أن المقاربة التربوية الملائمة للمغرب ليست تلك التي تركز على كيفية ممارسة الجنس بشكل “محمي” عبر العزل الطبي كما يروج لها، بل المقاربة التي تربي على تأجيل النشاط الجنسي إلى مرحلة تأسيس الأسرة.
واعتبرت أن هذه الفكرة ليست “محافظة”، بل هي ــ من منظور علم النفس ــ آلية أساسية في النمو السليم للمراهق، تساعده على التحكم في اندفاعاته وبناء وعي واقعي بالنتائج المترتبة عن خياراته.
وشرحت أن أغلب المغاربة، رجالا ونساء، عبر أجيال متعاقبة، اختاروا تأجيل الممارسة الجنسية حتى توفر ظروف النضج والقدرة والاستقرار، ولم يحدث هذا التأجيل أي اضطراب نفسي كما يروج البعض، بل ساعد على استقرارهم العاطفي والاجتماعي، مشيرة إلى أن هذا الواقع يعد جزءا من التوازن النفسي للمجتمع، لا عائقا أمام التقدم أو الحداثة.
ودعت الأخصائية النفسية إلى مقاربة وطنية واقعية، تُدخل التربية الجنسية ضمن منظومة شمولية تركز على تنمية الوعي بالقيم الأسرية، وفهم التبعات الاجتماعية للحمل خارج الزواج، وتدريب المراهق على ضبط الغرائز، وبناء حس المسؤولية، ووتأهيله لاتخاذ قرارات ناضجة في الوقت المناسب.
وشددت على أن التربية الجنسية ليست مجرد معلومات تقنية حول الجسد أو الوقاية، بل هي تربية على النضج وعلى إدارة الرغبات، وعلى إدراك أن الحرية ليست غيابا للحدود، بل قدرة على استعمالها بشكل متوازن.
♦سياسات مختلفة وسياقات متباينة
وفسرت المرابطي سبب اعتماد بعض البلدان مثل كندا والولايات المتحدة وإسبانيا مقاربات مختلفة جذريا عن المقاربة المغربية، حيث هذه الدول تخفض سن الزواج وتوسع هامش الحرية الجنسية للمراهقين لأنها تعيش أزمة شيخوخة ديمغرافية، وتبحث عن تشجيع الإنجاب، مضيفة أنها تمتلك منظومات حماية اجتماعية قادرة على التكفل بأطفال العلاقات غير الزوجية فورا، مبرزة أن المراهق في هذه المجتمعات محاط بشبكة حماية تؤمن له حدًّا أدنى من الاستقرار.
وأوضحت أن نقل هذه السياسات إلى المغرب هو خطأ منهجي، لأن السياق مختلف من الجذور، إذ المجتمع المغربي ما يزال مبنيا على بنية أسرية مترابطة، وعلى منظومة قيم تجعل من الزواج الإطار القانوني والاجتماعي للنشاط الجنسي، مضيفة أن الدولة لا توفر خدمات الرعاية بالشكل الذي يجعل من “الحرية الجنسية” خيارا بلا تبعات، بل على العكس، التبعات هنا دامغة وقاسية ودائمة.
واستنكرت المرابطي الفهم السطحي الذي يدفع البعض إلى مقارنة المغرب بدول غربية في مسائل التربية الجنسية، دون اعتبار لاختلاف البنى الاجتماعية ولا لطبيعة النظام الأسري ولا للقدرات المؤسساتية، معتبرة أن حماية الطفل والمراهق ينبغي أن تكون البوصلة، وأن أي مقاربة دولية لا تراعي هذا المبدأ لا يمكن استنساخها في السياق المغربي.
وذهبت إلى أن المغرب بحاجة إلى رؤية شاملة، تتكامل فيها التربية الأسرية والمدرسية، والسياسات الاجتماعية، والحماية القانونية، لتكوين جيل واعٍ ومسؤول، مؤكدة أن إدماج التربية الجنسية، إذا أُريد له أن يكون فعلا إصلاحيا، يجب أن ينطلق من معطيات المجتمع كما هي، لا كما نريد أن نراها، وأن يضع مصلحة الأطفال والشباب في قلب النقاش، بعيداً عن المزايدات الإيديولوجية أو الاستنساخ الأعمى لتجارب الآخرين.
♦الإعلام والتوعية المجتمعية
ترى المرابطي أن الإعلام العمومي يجب أن يلعب دورا مهما في نشر الوعي الصحي والجنساني، مشيرة إلى ضرورة أن تتضمن البرامج التلفزيونية التوعوية أفلاما ومسلسلات وستكومات، لتعزيز الرسائل الوقائية بطريقة مؤثرة على الشباب والمراهقين.
وكشفت أن الإعلام الحديث، بما يشمل المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، يعد قناة رئيسية للوصول إلى الفئات العمرية المستهدفة، نظرا لانفتاح الشباب على هذه الوسائط أكثر من الإعلام التقليدي.
ولفتت إلى دور وزارة الاتصال والمركز السينمائي في إلزام شركات الإنتاج الفني بإدراج محتوى توعوي ضمن دفاتر التحملات، سواء في الأعمال الكوميدية أو الدرامية أو الغنائية.
وذكرت أن الجوائز والمسابقات، مثل أفضل أغنية شبابية أو مسرحية، يمكن أن تحفز الشباب على التفاعل مع محتوى التوعية، وتعزز رسائل التربية الجنسية والصحة النفسية.
ونوهت المرابطي بأهمية دور الأسرة، معتبرة إياه محوريا وأساسيا في دعم التربية الجنسية والتوعية الصحية، جنبا إلى جنب مع المدرسة والإعلام.
وأكدت على ضرورة التنسيق بين هذه الجهات لضمان وصول الرسائل الوقائية بشكل متكامل يحفظ القيم الثقافية والدينية ويعزز القدرة على إدارة الرغبات والسلوكيات.
وخلصت المرابطي إلى أن دمج الإعلام، الأسرة، والمدرسة يساهم في بناء جيل واعٍ قادر على تحويل طاقاته بطريقة مسؤولة، بما يعزز الصحة النفسية والاجتماعية للشباب، ويحميهم من المخاطر السلوكية والجنسيّة، ويضمن مستقبلا أفضل للمجتمع المغربي.

