أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط، مدعومة بتحليلات الدكتورة، تحولات ديموغرافية وعميقة في بنية الأسرة المغربية؛ حيث ارتفع أمد الحياة من 47 سنة عام 1960 إلى 76.4 سنة عام 2024، مقابل تراجع حاد في معدل الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن عتبة تجديد الأجيال.
وتشير الأرقام إلى طفرة في شيخوخة السكان، حيث يُتوقع أن ترتفع نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 13.9% حاليا إلى 19.5% بحلول عام 2040، ليصل عددهم إلى 7.9 ملايين نسمة. وفي المقابل، ستنخفض نسبة الأطفال دون 15 سنة إلى 19.2%.
وتُعزى هذه التحولات إلى تأخر سن الزواج بفعل البطالة واستقلالية المرأة، مما نقل الأسرة من نموذج “التضامن الآلي” إلى “مشروع استثماري” يضع عبء الرعاية على عاتق الدولة والمؤسسات لمواجهة الهشاشة العلائقية المتزايدة.
انخفاض الخصوبة وارتفاع أمد الحياة يعيدان تشكيل البنية السكانية بالمملكة
♦تحولات عميقة بالبنية الأسرية
تؤكد بشرى المرابطي، أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن المجتمع المغربي يمر بمرحلة انتقالية حاسمة تعيد صياغة مفهوم “الأسرة” في الوجدان الجمعي والممارسة الواقعية؛ حيث لم يعد الزواج مجرد مسار طبيعي أو إلزامي تفرضه المعايير الاجتماعية التقليدية، بل تحول إلى قرار “استثماري” خاضع لمعادلات الربح والخسارة، والكلفة والمردودية، في ظل تنامي النزعة الفردانية والضغوط الاقتصادية الهيكلية.
وقالت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الأثر العميق الذي تخلفه البطالة على السلوك الزواجي، معتبرة أن العطالة لم تعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل أصبحت محددا سيكولوجيا قويا يدفع الشباب إلى النأي بأنفسهم عن التفكير في مؤسسة الزواج من الأساس.
وأوضحت المتحدثة أن الارتفاع المطرد في المطالب المادية، وتبني نموذج “الأسرة المادية” الحديثة، جعل من غياب الموارد المالية حاجزا نفسيا يمنع حتى ظهور “المحفزات” الأولية للإقدام على هذه الخطوة، مما يفسر تراجع معدلات الزواج في المجتمع المغربي بشكل لافت.
وتشير الباحثة إلى أن هذه التحولات الاقتصادية أدت إلى إعادة تقييم قرار الزواج بوصفه “مشروعا استثماريا” يتطلب موارد ضخمة للاستمرار، وهو ما أحدث خللا في توازنات القوى داخل العلاقات القائمة بالفعل.
وتستطرد موضحة أن البطالة، حين تمس رب الأسرة، ترفع من احتمالات التوتر وعدم الرضا الزواجي، نظرا للتعارض الحاد بين الدور الاجتماعي المتوقع من الرجل كـ “معيل” وبين واقعه الاقتصادي الهش، وهي وضعية تزداد تعقيدا في المجتمع المغربي الذي لا يزال ينظر إلى عطالة الرجل بنظرة أكثر قسوة مقارنة بالمرأة، مما يضرب الهوية الذاتية للرجل في مقتل ويؤثر سلبا على صورة الأب كقدوة في أعين الأبناء.
وترصد لمرابطي كيف ساهمت جائحة كورونا في تعميق هذه الأزمة، حيث عاينت حالات لرجال فقدوا وظائفهم ولم يستطيعوا التكيف مع الأدوار الجديدة، مما انعكس بظلال قاتمة على الاستقرار النفسي للأسرة بكاملها.
وتضيف أن الاستقلالية الفردية الناتجة عن ارتفاع مستويات التعليم والولوج إلى سوق الشغل (خاصة لدى النساء) قد رفعت من “عتبة التوقعات”؛ فلم يعد القبول بأي شريك متاحا، بل أصبح البحث عن جودة العلاقة وتحقيق الذات أولوية قصوى، وهو ما جعل الأفراد أقل استعدادا للتضحية أو الاستمرار في علاقات غير مشبعة عاطفيا أو ماديا.
♦تحديات الشيخوخة والتضامن الجيلي
أفادت بشر لمرابطي بأن المملكة تواجه معضلة ديموغرافية متنامية تتجسد في تسارع وتيرة شيخوخة السكان، معتبرة أن التحول الذي يعرفه الهرم السكاني يفرز تحديات مركبة ذات أبعاد نفسية واجتماعية متداخلة.
وأبانت أن هذا التحول يفرض ضغوطا مزدوجة على مختلف الفئات العمرية، مع تركيز خاص على كبار السن، الذين يعيشون مرحلة تتسم بتراجع الأدوار الإنتاجية وفقدان جزء من المكانة الاجتماعية بعد التقاعد.
واستحضرت لمرابطي مقاربة عالم النفس إريك إريكسون لتحليل وضعية المسن، حيث يواجه صراعا داخليا بين تحقيق “تكامل الأنا” أو الوقوع في “اليأس”، خاصة في ظل تقلص حجم الأسرة وتراجع عدد الأبناء الذين كانوا يشكلون تاريخيا شبكة أمان ودعما اجتماعيا.
وشددت المتحدثة أن شيخوخة السكان لم تعد مجرد مؤشر إحصائي، بل تحولت إلى إشكال مجتمعي يستدعي بلورة سياسات عمومية دامجة تكفل كرامة كبار السن وتعزز إدماجهم الاجتماعي والنفسي.
وحذرت الباحثة من أن غياب الأبناء المتكفلين أو انشغالهم بمساراتهم المهنية يولد لدى المسن شعورا بالعجز الكلي وفقدان المعنى، وهو ما يهدد توازنه النفسي بشكل مباشر.
وفي السياق ذاته، استعرضت المتحدثة الضغوط التي يواجهها الشباب أو ما يعرف بـ “جيل الساندويتش”، حيث يجد الشاب نفسه مطالبا بتحقيق استقلاليته الفردية وفي الوقت ذاته تحمل أعباء رعاية والديه المسنين طبيا وماديا ونفسيا، مبرزا أن هذه المسؤولية تصبح ثقيلة جدا في حالة “الابن الوحيد” أو الأسرة الصغيرة، خلافا للنماذج التقليدية حيث كانت الرعاية تتوزع بين إخوة كثر.
وتؤكد المرابطي أن هذا الضغط يولد لدى الشباب حالة من القلق المزمن من محدودية الفرص وتأخر الاستقلال المالي والسكني، مما يخلق نوعاً من “التضامن التفاوضي” بدلاً من التضامن التلقائي.
وتتوقع أن يدفع هذا الوضع الأسر بشكل متزايد نحو الاستعانة بدور الرعاية ومؤسسات الدولة لطلب المساعدة في تحمل أعباء كبار السن، وهو ما يمثل انتقالا جذريا في القيم الاجتماعية المغربية التي كانت تقدس الرعاية المنزلية للآباء، مما ينذر بتحول المسؤولية من “واجب أخلاقي عائلي” إلى “خدمة اجتماعية مؤسساتية”.
♦الفردانية ودور الدولة الاجتماعي
خلصت المرابطي إلى أن السمة الغالبة على المجتمع المغربي المعاصر هي تسارع “النزعة الفردانية الانعكاسية”؛ حيث أصبح الفرد، ذكرا كان أم أنثى، يضع “المشروع الشخصي” (التعليم، المسار المهني، السكن، الرفاهية) في مركز اهتماماته، مما يضعف منطق التضامن الإلزامي القديم.
وشبهت الباحثة هذا التحول بما وصفه سوسيولوجيو الحداثة (مثل دوركايم) بالانتقال من “التضامن الآلي” القائم على التشابه والقرابة، إلى “التضامن العضوي” القائم على تبادل المصالح والخدمات والمؤسسات.
وفسرت أن هذا الصعود للفردانية أدى إلى “إسقاط” وظائف الأسرة التقليدية على الدولة والمؤسسات؛ فالفرد الذي يختار العزوبة الممتدة أو يكتفي بطفل واحد، يبحث بالضرورة عن بدائل مؤسساتية لتعويض النقص في الدعم العائلي.
وأبانت أن تزايد الاعتماد على خدمات الدولة في التغطية الصحية، والحماية الاجتماعية، ورعاية الأطفال والمسنين، يعكس تراجعا في قدرة الأسرة على القيام بمهامها التاريخية كخلية مكتفية ذاتيا لرعاية أفرادها.
وتشدد على أن هذا التحول، رغم كونه يمنح الفرد هامشا أوسع من الاختيار الذاتي وبناء الهوية الشخصية بعيدا عن ضغوط الجماعة، إلا أنه يفرز ما تسميه بـ “الهشاشة العلائقية”.
وبينت أن الروابط الإنسانية أصبحت أكثر عرضة للكسر والتبدل، في ظل بطء تكيّف المؤسسات الحكومية مع هذا الطلب المتزايد على الرعاية، مما يترك الفرد المغربي في مواجهة مباشرة مع تحديات العصر دون سند عائلي قوي.
وذهبت الدكتورة بشرى لمرابطي في الأخير إلى أن الوضع الحالي يضعنا أمام “إنسان مغربي جديد” يعيد تعريف أدواره ومهامه، حيث ينتقل من نموذج الحياة المرسومة سلفاً من قبل المجتمع والأسرة، إلى نموذج الحياة “المفاوض عليها” والمنبثقة من قناعاته الفردية، وهو تحول يتطلب سياسات عمومية مبتكرة تستوعب هذه الهشاشة الاجتماعية وتوفر بدائل مؤسساتية تضمن الكرامة للفرد في مختلف مراحل حياته.

