في أحدث تقاريره الصادرة هذا الأسبوع، رفع البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المغربي خلال سنة 2025 إلى 4.4 %، بزيادة قدرها 0.8 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات يونيو الماضي، واضعًا المغرب في المرتبة الخامسة عربيًا من حيث وتيرة النمو المنتظرة، ويعزو التقرير هذا التحسن إلى دينامية القطاعات المنتجة، وعلى رأسها الفلاحة والسياحة والاستثمار الخاص، التي شهدت انتعاشًا ملحوظًا خلال الشهور الماضية، ما يعكس وفق المؤسسة المالية الدولية قدرة المملكة على الحفاظ على مسار تصاعدي للناتج الداخلي الخام رغم التقلبات العالمية التي تمس سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والمواد الأولية.
ولكن هذا التحسن اللافت في المؤشرات الاقتصادية يطرح في الآن ذاته تساؤلات حول مدى استدامة هذا النمو، ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على ترجمة الأرقام الإيجابية إلى أثر ملموس على التشغيل والقدرة الشرائية؛ خاصة في ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية وتفاوت معدلات التعافي الإقليمي، كما يثير التقرير نقاشًا موازيًا بشأن حدود التعويل على القطاعات التقليدية في تحقيق الإقلاع الاقتصادي، ومدى الحاجة إلى توسيع قاعدة الإنتاج وتنويع مصادر النمو بما يضمن توازنًا اجتماعيًا واقتصاديًا قادرًا على الصمود أمام التحديات المقبلة.
❖ النمو على الورق
يرى محمد أفزاز، الصحفي والمحلل الاقتصادي المغربي المقيم بقطر، أن توقع البنك الدولي لنمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.4 % خلال عام 2025 يشكل في ظاهره رقمًا إيجابيًا بالنظر إلى السياقات المحلية والدولية الصعبة، من توالي سنوات الجفاف، مرورًا بتداعيات جائحة “كورونا”، ووصولًا إلى اضطرابات التجارة الدولية الناتجة عن الحروب الجمركية والتوترات الجيوسياسية العالمية.
وقال أفزاز في تصريح لجريدة “شفاف”، إن هذه المعطيات المعقدة تجعل من أي ارتفاع في مؤشرات النمو أمرًا محمودًا من حيث المبدأ، لكنه يبقى نموًا على الورق، لا يُترجم بالضرورة إلى تحولٍ تنموي ملموس.
وأوضح أن الأرقام لا تعني شيئًا ما لم تترجم إلى ثمار اجتماعية حقيقية، مبرزًا أن النمو الاقتصادي في جوهره، ليس مجرد توسع في الإنتاج أو زيادة في نسب الاستثمار، بل هو في حقيقته قدرة على خلق الثروة وتوزيعها بشكل عادل.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
وأشار المحلل الاقتصادي إلى أنه إذا لم يتحقق الشرط السابق (خلق الثروة وتوزيعها بشكل عادل)، فإن كل إعلان عن تحسن في المؤشرات سيبقى “شيكًا على بياض” لا قيمة له في مواجهة تحديات التشغيل ومحاربة الفقر والتهميش.
وأضاف أن معيار قياس النمو الحقيقي ليس في نسبته الرقمية، وإنما فيما يُحدثه من أثر ملموس في حياة الناس؛ خاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وأبرز أن الطبقة الوسطى تمثل المحرك الحيوي لكل اقتصاد وطني، لافتًا إلى أن أي إضعاف لها أو تآكل في قدرتها الشرائية يُنذر باختلالات هيكلية تمس تماسك النموذج التنموي برمته.
❖ مكاسب ظرفية
في قراءته لتفاصيل التحسن الاقتصادي، يعتبر أفزاز أن ما حققه المغرب في بعض القطاعات الصناعية يشكل مكاسب مهمة لكنها ظرفية، موضحًا أن المملكة أحرزت تقدمًا بارزًا في مجالات صناعة السيارات والطائرات والطاقة المتجددة، وهي قطاعات رائدة تؤسس لبنية إنتاجية واعدة.
ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن هذه النجاحات تظل غير كافية لتكريس تحول هيكلي عميق، ما لم تُواكبها إصلاحات شاملة في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية.
واستطرد أن الاقتصاد المغربي يسير اليوم على قدم واحدة؛ أي قدم النمو دون قدم التنمية، مبرزًا أنه حتى مع تسجيل نسب نمو إيجابية، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل النمو إلى تنمية متوازنة؛ قادرة على خلق فرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وأشار إلى أن معدلات النمو في المغرب منذ ستينيات القرن الماضي تراوحت بين 4 و4.5 % كمعدل عام، لكنها تراجعت في العقد الأخير إلى ما بين 3 و3.2 %، وهي نسب لا تكفي لخلق الثروة المطلوبة.
وعزا ما سبق إلى تعدد الأزمات الدولية التي أثرت على الشركاء الاقتصاديين للمغرب، إضافة إلى تداعيات الجفاف المتكرر الذي أصاب القطاع الفلاحي في الصميم.
❖ شروط الإقلاع
يعتبر محمد أفزاز أن تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود رهين ببلورة سياسة صناعية واضحة ومندمجة، تركز على القطاعات الإنتاجية كثيفة التشغيل ومرتفعة القيمة المضافة.
واقترح في هذا الإطار توجيه الاهتمام نحو الصناعات التحويلية الصغيرة والمتوسطة، والزراعة الصناعية المتطورة التي تحول المنتجات الخام إلى سلع مصنعة قابلة للتصدير، بدل الاقتصار على التصدير الخام الذي لا يخلق قيمة إضافية كافية.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
ودعا إلى تطوير نموذج سياحة مستدامة تتجاوز الطابع الموسمي القائم على شواطئ الصيف، لتشمل السياحة الصحراوية والجبلية والصحية، مستلهمًا تجربة دول مثل تركيا التي استطاعت تنويع منتوجها السياحي وتحقيق مكاسب مالية واقتصادية كبيرة.
وشدد على أن هذا التوجه يتطلب استثمارات في البنية التحتية والموارد البشرية لتأمين الجودة والاستدامة، مبرزا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة يجب أن تكون في صلب السياسة الاقتصادية الجديدة، لأنها بخلاف الاستثمارات الكبرى، تخلق فرص عمل مباشرة وواسعة.
وطالب بتقديم حوافز مالية وضريبية لهذه المقاولات، وربط الدعم العمومي بدفاتر تحملات دقيقة وشراكات فعلية بين القطاعين العام والخاص، على غرار التجارب الناجحة في ألمانيا والولايات المتحدة.
❖ التعليم ورأس المال البشري
يضع أفزاز التعليم والتكوين المهني في قلب أي مشروع اقتصادي مستقبلي، موضحًا أن التنمية المستدامة تبدأ من تطوير رأس المال البشري بما يواكب حاجيات سوق الشغل الجديدة؛ خصوصًا في القطاعات الصناعية والتكنولوجية، معتبرًا أن تحديث المناهج وربطها بالتطور الصناعي شرط ضروري لأي تحول اقتصادي فعلي.
وأكد على أن الانتقال إلى اقتصاد المعرفة يقتضي ربط الجامعة بالمقاولة، وتشجيع التخصصات التقنية والعلمية، ودعم البحث التطبيقي في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الصناعية.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وأوضح المحلل الاقتصادي، أن هذه القطاعات أصبحت حلبة تنافس عالمي، ولا يمكن للمغرب أن يظل متأخرًا عنها إذا أراد ترسيخ مكانته في الاقتصاد الجديد.
وأشار إلى أن الاستثمار في الشباب يعد أكبر رهان استراتيجي للمغرب خلال العقود المقبلة، خاصة مع التحولات الديموغرافية المنتظرة في القارة الإفريقية، والتي ستُدخل ملايين الأفراد إلى سوق الشغل بحلول عام 2050.
وأبرز المتحدث ذاته، أن هذا التحول، إن لم يُواكب بسياسات إدماج اقتصادي فعالة، قد يتحول إلى خزان اجتماعي محتقن يهدد الاستقرار والنمو معًا.
❖ دروس وتجارب
يعتبر أفزاز أن المغرب مطالب بالبناء على النجاحات الجزئية التي حققها، حتى وإن كانت محدودة، وأن يستلهم من تجارب دول استطاعت الانتقال من الفقر إلى الازدهار مثل كوريا الجنوبية وفيتنام وتركيا ورواندا.
وأردف أن هذه التجارب، رغم اختلاف السياقات، تقدم دروسًا في كيفية المواءمة بين النمو والعدالة الاجتماعية، وبين الانفتاح الاقتصادي والسيادة الوطنية في القرار التنموي.
ويرى أن المطلوب اليوم ليس نسخ هذه النماذج، بل تكييف عناصر نجاحها مع الخصوصية المغربية، في ضوء متطلبات الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمملكة ومحيطها الإفريقي والمتوسطي.
بين تفاؤل الأرقام وحذر التحديات.. الخبير الغنبوري يبرز رهانات وآفاق الاقتصاد المغربي
وأضاف أن كل إصلاح اقتصادي لا يجعل العدالة الاجتماعية في صلب أولوياته سيظل إصلاحًا ناقصًا مهما كانت مؤشرات النمو مرتفعة.
وأكد على أن التحول نحو اقتصاد تنافسي ومنتج لن يتحقق إلا عبر الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الابتكار، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي.
وشدد المحلل الاقتصادي على أنه بدون هذا التوازن، سيظل النمو في المغرب مجرد أرقام على الورق لا تعبر بالملموس عن واقع التنمية الحقيقية.

