مع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية في المملكة، تعيش آلاف الأسر حالة من الترقب المشوب بالتوتر، فيما يجد التلاميذ أنفسهم وسط ضغط نفسي متزايد، يرافقه شعور بالخوف من الفشل وقلق من عدم تلبية انتظارات الأسرة والمجتمع.
ويُجمع عدد من المهتمين بالشأن التربوي على أن الامتحانات، في صيغتها الحالية، تتجاوز دورها التقويمي لتتحول إلى مصدر ضغط نفسي حاد، يفتقر إلى مواكبة حقيقية من داخل المؤسسات التعليمية.
ورغم أن النظام التربوي في المغرب نص، منذ سنوات، على أهمية الدعم النفسي للتلاميذ، إلا أن غياب أطر متخصصة داخل المدارس، وضعف التكوين البيداغوجي في المجال النفسي لدى الأطر التربوية، يجعل التلميذ في مواجهة منفردة مع قلق الامتحان، وما يترتب عنه من اضطرابات نوم وتغذية، وانخفاض في التركيز، وتراجع في الأداء.
ضغط الامتحانات الإشهادية… رهانات نفسية وقلق مجتمعي متصاعد
أبرز فؤاد يعقوبي، الباحث في علم النفس الاجتماعي، أن الامتحانات الإشهادية في المغرب تجاوزت منذ سنوات بعدها الأكاديمي البحت، لتتحول إلى حدث نفسي واجتماعي مركب، يعيد إنتاج تمثلات جماعية حول النجاح والفشل، ويكرّس منطق المقارنة والضغط الرمزي داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.
وقال يعقوبي في تصريح لجريدة “شفاف”، إن التلميذ المغربي يُقبل على الامتحان مثقلاً بجملة من التوقعات النفسية والاجتماعية، في ظل غياب بنية مواكبة نفسية حقيقية داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما يجعل منه الحلقة الأضعف في معادلة يتداخل فيها البيداغوجي بالاجتماعي، والذاتي بالجماعي.
وأوضح المتحدث أن لحظة الامتحان ليست فقط اختبارًا للمعرفة، بل امتحانًا للذات، لما تُحمّله الأسرة من رمزية تُربط فيها النقطة بالاعتراف، والمعدل بالمكانة، والنجاح بالتقدير الاجتماعي.
وأضاف أن هذه التمثلات الجماعية تُقوّض، في كثير من الأحيان، التوازن النفسي للتلميذ، وتُنتج اضطرابات مختلفة مثل الأرق، فقدان الشهية، التهيج، الانعزال، وأعراض جسدية نفسية المنشأ، تُعبّر عن قلق دفين لا يتم التعبير عنه بالكلام.
واعتبر الباحث أن ما يزيد من تعقيد الوضع هو غياب التأطير النفسي المتخصص داخل المدارس، وضعف التكوين في هذا المجال لدى الأطر التربوية، مما يجعل التلميذ في مواجهة فردية مع الضغط، دون أدوات حقيقية للتفريغ أو للتأقلم.
♦ رهانات الهوية والاعتراف
أردف يعقوبي أن التلميذ لا يخوض فقط امتحانًا للانتقال من مستوى دراسي إلى آخر، بل يعيش لحظة إعادة تشكل لهويته داخل الجماعة. حيث المعدل، بحسبه، لا يُقرأ كمعطى تقويمي فقط، بل يتحول إلى “بطاقة تعريف رمزية” تُحدد موقع التلميذ داخل الأسرة، ومدى تطابقه مع انتظاراتها أو انحرافه عنها.
وأوضح أن التلميذ يُقارن باستمرار بإخوته أو أبناء الجيران أو زملائه، ويتعرض لخطابات مباشرة أو ضمنية تُحمله مسؤولية وضع لا يتحكم فيه وحده.
ولفت الباحث إلى أن هذا التداخل بين الضغط الداخلي والخارجي يُربك قدرة التلميذ على التركيز، ويُضعف مردوديته، بل وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وأشار يعقوبي إلى أن الضغط النفسي المرافق للامتحانات يختلف شكله حسب المراحل الدراسية، لكنه يبقى حاضرًا منذ التعليم الابتدائي، حيث يُحمَّل الطفل توقعات أسرته حتى قبل أن يُدرك طبيعة التقييم ذاته.
ويزداد هذا الضغط حدة، حسب المتحدث، في مرحلة الإعدادي، ويبلغ ذروته في الثانوي، خاصة في امتحانات الباكالوريا، التي تتحول إلى “رهان وجودي” في نظر الكثير من الأسر.
وأضاف أن هذه الامتحانات تُختزل، لدى بعض التلاميذ، في مسألة “النجاة من الفشل”، لا في فرصة لإثبات التعلمات، وهو ما يُفرغها من بعدها التربوي ويحولها إلى لحظة قلق جماعي تتجاوز المؤسسة التعليمية.
♦ تمثلات مجتمعية مؤطرة بمنطق المقارنة
قال يعقوبي إن المجتمع المغربي لا يزال يؤطر النجاح والفشل الدراسيين بمنطق المقارنة، ويُشبع الطفل منذ سنواته الأولى برسائل ضمنية تربط قيمته بما يحققه من نقاط، لا بما يطوره من مهارات أو يتراكم في شخصيته من نضج. وهو ما يجعل من التلميذ مشروعًا دائمًا للقلق، ومن الامتحان لحظة لإعادة تموقعه داخل النسق الأسري والمدرسي.
وشدد الباحث على أن الضغط النفسي في المدرسة المغربية ليس طارئًا أو عرضيًا، بل بنيوي، يُنتج باستمرار عبر منظومة تربوية لا تولي العناية الكافية للجانب النفسي، ولا تُدرج “الحق في الدعم النفسي” ضمن حقوق التلميذ الأساسية.
ودعا يعقوبي إلى ضرورة إعادة النظر في فلسفة الامتحانات، بحيث لا تكون لحظة تصنيف أو عقاب، بل محطة تقييم بنّاء وفرصة للتعلم، كما شدد على أهمية إدماج أطر نفسية متخصصة داخل المؤسسات التعليمية، وتكوين المدرسين في مبادئ الدعم النفسي والتربية الوجدانية.
وأكد أن معالجة الضغط المرتبط بالامتحانات يتطلب تدخلًا مشتركًا من المدرسة، والأسرة، والفاعلين المجتمعيين، من خلال إشاعة ثقافة التقبل، وفك الارتباط بين النقطة والاعتراف، والتقليل من حمولة الفشل الرمزية داخل المخيال الجماعي المغربي.
وأظهر فؤاد يعقوبي على أن الضغط النفسي المرتبط بالامتحانات الإشهادية يشكل ظاهرة معقدة تستدعي تبني حلول شاملة ومتعددة الأبعاد. موضحا أن ذلك يمر عبر تعزيز برامج الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية، وتأهيل الكوادر التربوية في مجال الصحة النفسية، بالإضافة إلى تفعيل دور الأسرة والمجتمع في توفير بيئة داعمة ومتفهمة للتلميذ.
كما شدد على أهمية إعادة النظر في فلسفة الامتحانات لتتحول من مجرد أدوات قياس قسرية إلى آليات تقييم بناءة تسهم في تطوير مهارات ونمو التلميذ.
وخلص إلى أن هذه الإجراءات ستسهم بشكل فعّال في تحسين الصحة النفسية للتلميذ، ورفع أدائه الدراسي، والتقليل من مظاهر القلق والتوتر التي ترافق هذه المرحلة المفصلية في مساره التعليمي.

