في وقت تهتز فيه الاقتصادات العالمية تحت وطأة التوترات الجيوسياسية والمخاطر المناخية، يؤكد المغرب مرة أخرى متانة نظامه المالي وقدرته على الصمود، حيث كشف التقرير السنوي حول الاستقرار المالي لسنة 2024، الصادر عن بنك المغرب، وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، والهيئة المغربية لسوق الرساميل، عن استمرار استقرار القطاع المالي المغربي وتحقيق مؤشرات إيجابية في مختلف مكوناته، حيث بلغ مؤشر الاستقرار المالي 0.39، وهو مستوى يعكس صلابة متنامية رغم الظروف غير المواتية
♦الاقتصاد المغربي يحقق نموا متواصلا رغم الضغوط
أكد التقرير السنوي حول الاستقرار المالي لسنة 2024، أن النظام المالي المغربي حافظ على متانة واستقرار ملحوظين، رغم الصعوبات العالمية والتقلبات المناخية الداخلية، حيث سجل مؤشر الاستقرار المالي مستوى اعتدالا يميل للتحسن بلغ 0.39.
وأوضح التقرير أن الاقتصاد الوطني سجل نموا بنسبة 3.8% في 2024، مدعوما بزيادة قوية في الأنشطة غير الفلاحية بلغت 4.8%، ما عكس مرونته أمام الصدمات المناخية والاضطرابات الدولية، كما توقع بنك المغرب أن يصل النمو إلى 4.6% في 2025، فيما انخفض التضخم إلى 0.9% خلال السنة الماضية.
وأشار التقرير إلى أن عجز الحساب الجاري ظل في حدود 1.2% من الناتج الداخلي الخام بفضل عائدات السياحة وتحويلات الجالية المغربية بالخارج، فيما استمر ضبط المالية العمومية، حيث انخفض عجز الميزانية إلى 3.9%، مما ساهم في تراجع مديونية الخزينة إلى 67.7%.
♦الأسر ترفع أصولها المالية… والمديونية تحت المراقبة
كشف التقرير أن الأسر المغربية رفعت أصولها المالية إلى 1.109 مليار درهم نتيجة ارتفاع الودائع البنكية والاستثمار في الأوراق المالية، بينما ارتفعت مديونيتها بنسبة 3.8% إلى 427 مليار درهم (27% من الناتج الداخلي الخام)، مع استقرار معدل التعثر عند 10.5%.
وأبرز التقرير أن 32% من المقترضين يتحملون عبئا يفوق 40% من دخلهم، فيما يعد الموظفون المدنيون الأكثر مديونية بمتوسط 40.7%.
أما المقاولات، فيقول التقرير، أنها رفعت قروضها البنكية بنسبة 3% لتبلغ 634 مليار درهم، بينما بلغ حجم الديون المتعثرة 70 مليار درهم مع انخفاض طفيف في معدل التعثر إلى 11.1%.
وأوضح التقرير أن آجال الأداء بين الشركات شهدت تحسنا بفضل تطبيق القانون الجديد، رغم استمرار الصعوبات لدى المقاولات الصغيرة جدا.
♦المصارف المغربية تعزز أرباحها وتؤكد متانتها
أكد التقرير أن القطاع البنكي حقق صافي أرباح قدره 15.7 مليار درهم في 2024، بزيادة بلغت 24.1%، وحافظ على نسب ملاءة قوية (16.2% إجماليا و13.5% لرأسمال الشريحة الأولى)، وهي مستويات تفوق المتطلبات التنظيمية، مبرزا أن اختبارات الضغط أظهر قدرة البنوك على مواجهة الصدمات حتى في السيناريوهات الأكثر حدة.
وفي المقابل، أظهر التقرير أن قطاع التأمين سجل دينامية إيجابية، حيث بلغ حجم الأقساط 58.8 مليار درهم بزيادة 5.1%، بينما ارتفعت الأرباح الصافية إلى 4.4 مليار درهم.
وسجلت هوامش الملاءة، وفق المصدر عينه، قفزة إلى 354.7% بفضل المكاسب غير المحققة في الأسواق المالية، مبرزا أن دخول إلزامية تأمينات جديدة مثل “جميع أخطار الورش” و”المسؤولية المدنية العشرية” حيز التنفيذ.
♦بورصة الدار البيضاء تسجل أداء قياسيا في 2024
أبرز التقرير أن مؤشر مازي حقق ارتفاعا قويا بـ22.16% خلال 2024، مع تحسن ملحوظ في السيولة وتراجع في التذبذب، مضيفا أن إصدارات سندات الخزينة بلغت 183 مليار درهم، وارتفعت إصدارات الدين الخاص بـ17% لتصل إلى 101.7 مليار درهم، في والوقت ذاته، نمت أصول صناديق الاستثمار بـ16.7% إلى 653.2 مليار درهم، مدفوعة بتدفقات قوية على السندات طويلة الأجل والأداء الإيجابي للأسواق.
وأكد التقرير أن البنية التحتية للأسواق المالية ظلت موثوقة، مع تقدم في تفعيل سوق العقود الآجلة وغرفة المقاصة المركزية، وتعزيز جاهزية المنصات الأساسية
♦إصلاحات تشريعية ومخاطر تلوح في الأفق
ولفت التقرير إلى أن اللجنة التنسيقية لمراقبة المخاطر الشمولية عززت الإطار الرقابي وحدثت القوانين البنكية، فيما تقدم بنك المغرب في إدماج المخاطر المناخية ضمن سياساته الاحترازية عبر تطوير نموذج للتنبؤ بالإنتاج الفلاحي بناء على المؤشرات المناخية، مضيفا أنه تم الإعلان عن مشروع قانون لتنظيم الأصول المشفرة وإطلاق مركز “Fintech المغرب” لدعم الابتكار المالي.
ورغم المؤشرات الإيجابية التي سجلها النظام المالي في المغرب، إلا أن التقرير حذ من مخاطر جيوسياسية، وهجمات سيبرانية، وتداعيات التغيرات المناخية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالمؤسسات المالية غير البنكية، داعيا إلى اليقظة المستمرة.
وخلص التقرير إلى أن النظام المالي المغربي في 2024 أثبت قدرة عالية على التكيف بفضل إصلاحات تشريعية وأسواق ديناميكية، مؤكدا أن الاستمرار في مراقبة المخاطر وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية ضروري للحفاظ على الاستقرار المالي.

