تشير آخر توقعات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الاقتصاد الوطني يسير في منحى تصاعدي خلال النصف الأول من سنة 2025، مع تسجيل معدل نمو يُرتقب أن يبلغ 4.2 % في الفصل الأول، و3.8 % في الفصل الثاني، بدعم من تحسن الأنشطة الفلاحية، وتوسع قطاعات الخدمات والصناعات الاستخراجية، إلى جانب تعافي الطلب الداخلي، وهذا الانتعاش يأتي في سياق اقتصادي عالمي متقلب، لكنه يعكس دينامية إيجابية في بعض مؤشرات الأداء، خاصة ما يتعلق بتزايد الاستهلاك الأسري ومرونة الإنفاق العمومي، وسط إجراءات موازية لتعزيز القدرة الشرائية وتحفيز الاستثمار.
وفي المقابل، تتقاطع هذه الأرقام المتفائلة مع مستجدات تشريعية على رأسها إخراج المرسوم الخاص بدعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وهو إجراء طال انتظاره، لكنه جاء محمّلاً بشروط حدّت من آمال جزء كبير من حاملي المشاريع والمبادرات الشبابية، وبين مؤشرات النمو المعلنة وطموحات الفئات الاقتصادية الأكثر هشاشة، تبرز تساؤلات ضمنية حول جدوى السياسات العمومية في ضمان عدالة الفرص، وفعالية الرهانات الاستثمارية في مواجهة كلفة المعيشة، ومدى كفاية ارتفاع النمو لتبديد قلق المقاولات الصغيرة، وإن كانت تخدم مقاييس الدعم أهداف الإقلاع الاقتصادي الشامل أم أنها تُفصّل على مقاس من يملك مسبقا وسائل الوصول لهذا الأمر.
الحكومة تخطط لزيادة معدل النمو إلى 4.6 % في 2025.. فهل يجد هذا الرقم صدا له على أرض الواقع؟
♦ المرتكزات الكبرى للنمو
يرى علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن المؤشرات الإيجابية للنمو الاقتصادي في الفصل الأول من السنة الجارية كانت منتظرة إلى حد كبير، بالنظر إلى تضافر مجموعة من العوامل الجوهرية.
وقال رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، في تصريح لجريدة “شفاف”، إنه في مقدمة تلك المؤشرات؛ نجد التساقطات المطرية الجيدة التي أنعشت النشاط الفلاحي، وهو قطاع ما زال يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني ويؤثر مباشرة على نسب النمو.
وأضاف أن النمو المسجل يعود أيضًا إلى مرونة الإنفاق العمومي، لاسيما في سياق الإعداد لتنظيم تظاهرتين رياضيتين كبيرتين، هما كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، ما يعني إطلاق مشاريع مهيكلة ضخمة وتحفيزًا إضافيًا للدورة الاقتصادية.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
وأوضح أنه ساهم في هذه الدينامية تحسن الطلب الداخلي، نتيجة التراجع النسبي في التضخم والغلاء، لاسيما أسعار عدد من المواد الأساسية، خصوصًا المحروقات، وهو ما دعم القدرة الشرائية للأسر وساهم في تحريك عجلة الاستهلاك.
وأشار إلى أنه إلى جانب ذلك، لم تتخلف قطاعات مثل الصناعات الاستخراجية والخدمات عن المساهمة في هذا الأداء، وإن ظلت العناصر الثلاثة الأولى هي الأكثر تأثيرًا في تحقيق هذا النمو التفاؤلي الذي يراهن عليه المغرب خلال سنة محورية اقتصاديًا وسياسيًا.
♦ مرسوم المقاولات الناشئة
يركز الغنبوري على أهمية مرسوم دعم المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، باعتباره إحدى أبرز آليات تفعيل الميثاق الجديد للاستثمار، مؤكدا أن هذا النص التشريعي يستهدف فئة تمثل أكثر من 90% من النسيج المقاولاتي الوطني، وهي في ذات الوقت المشغّل الأول بالمغرب.
وأبرز الخبير والمحلل الاقتصادي أنه من هذا المنطلق، فإن توجيه الحكومة لما يناهز 12 مليار درهم سنويًا لدعم هذه الفئة من المقاولات؛ من شأنه أن يعزز ليس فقط خلق عديد المشاريع بالمغرب، بل أيضًا يدعم التشغيل بشكل مباشر، مشيرا إلى أن نسبة البطالة ببلادنا تبلغ اليوم ما يناهز 13.3 %.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
ولا يُخفي الغنبوري تحفظاته بشأن بعض بنود المرسوم، خاصة ما يتعلق بشرط الحد الأدنى للاستثمار (مليون درهم)، والذي قد يشكل وفقه عائقًا كبيرًا أمام عدد من الشباب حاملي المشاريع، خصوصًا فيما يخص المقاولات الصغيرة جدًا التي لا تملك هذا المستوى من التمويل.
وزاد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي؛ قائلا إن هناك خلطًا في التصنيفات بين المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ما يُنتج نوعًا من “الإجحاف القانوني” في التعامل مع فئات مختلفة من الفاعلين الاقتصاديين في هذا الجانب.
♦ التفاوتات المجالية
يطرح الخبير الاقتصادي قضية التمركز الجهوي للنشاط الاقتصادي باعتباره إحدى أعقد الإشكاليات البنيوية التي تعيق تحقيق تنمية عادلة وشاملة؛ فالمغرب حسب قوله، يعيش اليوم وضعية اقتصادية غير متوازنة، حيث تساهم ثلاث جهات (جهة الرباط سلا القنيطرة، وجهة طنجة تطوان الحسيمة، وجهة الدار البيضاء سطات) فقط بما يزيد عن 70% من الناتج الداخلي الخام.
ويرى رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن هذا التركيز للنشاط الاقتصادي المفرط والمتصاعد، المتمركز بالأساس في محور طنجة-الدار البيضاء يؤثر سلبًا على العدالة المجالية ويعمق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية أكثر يوما بعد آخر بين الجهات.
المغرب يعزز الاستثمارات في شبكة السكك الحديدية.. فما هي المكاسب التي سيجنيها الاقتصاد المغربي؟
ويشير الغنبوري إلى أن هذا الواقع تؤكده الإحصائيات الاقتصادية والرسمية، بما في ذلك نتائج الإحصاء العام الأخير للسكان والسكنى، حيث تتجلى الفجوة الصارخة في الدينامية الاقتصادية بين جهات المملكة.
ولفت إلى أن مشاريع المونديال تمثل مثالًا إضافيًا على استمرار هذا التمركز، إذ أن 80% من البنيات التحتية المرتبطة به ستُنجز في نفس المحور التقليدي، مما يعيد إنتاج التفاوتات بدل تجاوزها.
♦ تحديات الجهوية الموسعة
ينبه الغنبوري إلى أن ورش الجهوية الموسعة، الذي انخرط فيه المغرب منذ سنوات، لم يُفعّل بعد بالشكل الكافي ليصبح رافعة حقيقية للتنمية، مبرزا أن الجهات ما تزال تفتقر إلى الاعتمادات المالية الكافية لتُحدث التغيير المنشود، كما أن الطابع المركزي في تدبير الموارد والمشاريع الهيكلية ما يزال مهيمنًا.
واقترح المتحدث ذاته، لتجاوز هذه الوضعية؛ ضرورة إعادة التفكير في توزيع الاستثمارات والبنيات التحتية بطريقة عادلة، تُمكن مختلف الجهات من التوفر على شبكات طرقية ولوجيستيكية ملائمة، وبنيات أساسية قادرة على جذب المستثمرين.
التضخم والاستدانة الخارجية.. هل تهدد القروض الدولية مستقبل الاقتصاد الوطني؟
واستحضر الخبير والمحلل الاقتصادي؛ في هذا السياق تجربة منطقة الشمال، التي استفادت من مشروع طنجة المتوسط، لتتحول إلى قطب استثماري دولي بفضل البنية التحتية القوية التي توفرت لها.
♦ من أجل عدالة تنموية
يبرز الغنبوري أن تحقيق التوازن التنموي بين الجهات لا يمكن أن يتم إلا من خلال مقاربة شاملة، تزاوج بين التخطيط الاقتصادي العقلاني والتوزيع العادل للمشاريع الهيكلية.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي، أن العدالة المجالية لا يجب أن تكون مجرد شعار، بل سياسة فعلية تُترجم إلى برامج ومخصصات مالية واضحة، قادرة على خلق مناخ استثماري متكافئ بين الجهات.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وشدد على ضرورة تفعيل مضامين النموذج التنموي الجديد، الذي وضع التفاوتات المجالية ضمن أولوياته، داعيًا إلى إعمال “وصفة واقعية” تقوم على فك الارتباط بين التنمية والمركز، وتعزيز قدرات الجهات في رسم مساراتها التنموية.
وأكد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن بدون تفعيل ما سبق ذكره، سيبقى أكثر من ثلثي المغرب خارج دينامية النمو، وهو ما يُهدد ليس فقط الأهداف الاقتصادية، بل أيضًا التماسك الاجتماعي والمجالي للمملكة.

