أعلنت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة عن فتح مساحة غير مسبوقة تقدر بـ1.3 مليون هكتار للاستثمار المنجمي المستدام بمنطقتي تافيلالت وفجيج، في إطار طلب عمومي للمنافسة يشمل مئات الأجزاء ذات الاهتمام المعدني، والمبادرة تعكس توجها رسميا نحو تثمين الموارد الطبيعية عبر مقاربة تجمع بين النجاعة الاقتصادية والاستدامة البيئية، مع تحفيز نماذج استثمارية تعتمد الطاقات المتجددة والاقتصاد الدائري.
وجاءت هذه الخطوة في سياق بحث المملكة عن توازن دقيق بين استثمار ثرواتها المعدنية وتعزيز التنمية الجهوية؛ خاصة في مناطق تزخر بمعادن استراتيجية، وبين فرص الإقلاع الاقتصادي ومتطلبات الاستغلال المسؤول، يبرز تساؤل حول قدرة هذا الورش على إرساء نموذج تنموي مستدام، وحول مدى جاهزية المنظومة الاستثمارية لمواكبة هذه الدينامية، وما إذا كان القطاع المنجمي مقبلاً على تحول نوعي في أدواره الاقتصادية والاجتماعية.
المغرب يفتح 1.3 مليون هكتار للاستثمار المنجمي المستدام بتافيلالت وفجيج
❖ مكاسب تنموية
يشير محمد الشيكر، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، إلى أن الانعكاسات المنتظرة من هذا المشروع لا يمكن إلا أن تكون إيجابية على عدة مستويات مترابطة.
وأردف الشيكر في تصريح لجريدة “شفاف”، أن في مقدمتها، يبرز عامل التشغيل كأحد أهم المكاسب، إذ من شأن استثمارات منجمية بهذا الحجم أن تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، سواءً داخل وحدات الاستخراج أو في الأنشطة الموازية المرتبطة بالنقل والخدمات والتجهيز.
وأوضح رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن هذا الزخم الاقتصادي يمكن أن يحد من الهجرة القروية، عبر توفير بدائل محلية للشباب داخل مجالاتهم الترابية.
ولفت إلى أنه حين تصبح المناطق المنجمية فضاءات إنتاج واستثمار، فإنها تتحول إلى نقاط جذب بدل أن تبقى مناطق عبور نحو المدن الكبرى، ما يساهم في إعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية بشكل أكثر توازنًا.
وأكد على أن المشروع يندرج ضمن منطق إعداد التراب الوطني وتقليص الفوارق المجالية، مشيرًا إلى أن الاستثمار المنجمي، إذا أحسن تدبيره، قادر على خلق دينامية تنموية جهوية تخرج مناطق كانت تصنف ضمن المجالات الأقل استفادة من الاستثمار، وهو ما ينسجم مع توجهات أوسع لتحقيق تنمية أكثر عدالة وتوازنًا.
❖ اختبار الاستدامة
رغم هذا التفاؤل، يقر محمد الشيكر بصعوبة التوفيق بين الاستغلال المنجمي المكثف والحفاظ على الجوانب البيئية، لافتًا إلى أنه لا يتوفر على معطيات تقنية دقيقة حول تفاصيل المشروع، غير أن ما ورد في المعطيات المنشورة يفيد بوجود التزام رسمي بجعل الاستغلال منجمًا مستدامًا.
واستحضر الخبير والمحلل الاقتصادي في هذا السياق تجربته الشخصية وذاكرته المرتبطة بالمناطق المنجمية، حيث يؤكد أن تحقيق الاستدامة في هذا القطاع كان دائمًا تحديًا معقدًا.
واستطرد أن الاستغلال التقليدي للمناجم غالبًا ما خلف آثارًا بيئية واجتماعية، ما يجعل أي حديث عن منجم مستدام رهينًا بمدى إدخال تقنيات جديدة وآليات مراقبة فعالة.
وشدد على أن نجاح هذا الرهان يتطلب قطيعة مع أساليب الماضي، واعتماد مقاربات حديثة تراعي البعد الإيكولوجي منذ مرحلة التخطيط، موضحًا أنه بدون تطور نوعي في التكنولوجيا وأساليب التدبير، سيظل الحفاظ على التوازن البيئي هدفًا صعب التحقيق.
❖ دروس المناجم
في تحليله، يحيل محمد الشيكر على تجارب منجمية سابقة في المنطقة الشرقية باعتبارها مرجعًا لفهم التحديات الراهنة، مستشهدًا بمناجم مثل “تويسيت” و”زليجة سيدي بوبكر” المتواجدين بإقليم جرادة، التي شكلت نماذج حية لصعوبة التوفيق بين الإنتاج المنجمي ومتطلبات الاستدامة.
واعتبر أن هذه التجارب لا ينبغي قراءتها فقط من زاوية اقتصادية، بل أيضًا كخبرة اجتماعية وبيئية متراكمة، مبرزًا أن المناطق المنجمية عرفت تحولات عميقة في بنيتها السكانية والبيئية، ما يبرز أهمية التعلم من الماضي عند تصميم مشاريع جديدة.
وفي هذا الإطار، يحيل على روايته “يوم ينتفض عصفور”، التي خصصها لتوثيق جزء من هذه الذاكرة المنجمية، لافتًا إلى أن الأدب في نظره، يشكل وسيلة لفهم الأبعاد الإنسانية للاستغلال المنجمي، بما تحمله من قصص معاناة وتكيف وتحول اجتماعي.
❖ أبعاد مجالية
يربط محمد الشيكر المشروع الحالي بتوجه أوسع لتجاوز ما يعرف بـ“مغرب السرعتين”، حيث ظلت بعض المجالات الترابية تعاني من ضعف الاستثمار مقارنة بمناطق أخرى.
ويرى رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن توجيه استثمارات استراتيجية نحو أقاليم مثل فجيج والرشيدية ووجدة يمكن أن يعيد رسم الخريطة التنموية على أسس أكثر توازنًا.
وأكد على أن هذه المناطق تمثل جزءًا مما يصطلح عليه بالمغرب العميق، الذي كان ينظر إليه تاريخيًا كمجال محدود للجدوى الاقتصادية، غير أن الاستثمار المنجمي قد يغير هذه الصورة، عبر إدماج هذه المجالات في دينامية إنتاجية وطنية.
وشدد على أن الأثر الاجتماعي للمشروع قد يكون حاسمًا، خاصة بالنسبة للشباب، موضحًا أن خلق فرص عمل محلية وتحسين البنيات الأساسية يمكن أن يخفف من الضغوط الاجتماعية، ويمنح السكان أفقًا تنمويًا داخل مناطقهم بدل الارتهان للهجرة.

