أعلنت الولايات المتحدة مؤخرا عن دعم رسمي للاستثمارات الأمريكية في الأقاليم الجنوبية المغربية، المعروفة بالصحراء الغربية.
وصرح نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، بأن واشنطن ستشجّع الشركات الأمريكية على القيام بأعمال واستثمارات في جميع أنحاء المغرب، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية، في خطوة تُعد امتدادا لإدراكها للسيادة المزعومة للمغرب على المنطقة.
ومن جهة أخرى، تُفيد الأخبار بأن المشاريع التي تُدرس أو تُنَفّذ تشمل البنى التحتية، الطاقة المتجددة، موانئ ضخمة، التعدين، والزراعة، وتُقدَّر الاستثمارات الممكنة بحوالي خمسة ملايير دولار أمريكي في الأقاليم الجنوبية، كما ورد في تقارير مورّوكو وورلد نيوز و”إلباييس” وغيرها.
وعليه، إلى أي حد يمكن أن تسهم هذه الاستثمارات الأمريكية في تعزيز موقع المغرب التفاوضي وتثبيت مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي، دون أن تُفاقم في المقابل حدة الخلاف مع الأطراف الرافضة وتُعقّد مسار التسوية السياسية للنزاع؟
♦دبلوماسية اقتصادية حاسمة
أوضح خبير الشؤون السياسية والعلاقات الدولية هشام معتضد أن تشجيع واشنطن للاستثمارات في الصحراء المغربية يمثل خطوة استراتيجية حاسمة في مسار النزاع، إذ يشكل حلقة محورية تعكس تحولا عمليا في ميزان القوى على الأرض.
ورأى هشام معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الاستثمار الأجنبي المباشر يخلق واقعا اقتصاديا ملموسا يعزز السيطرة المغربية، ويحوّل المنطقة إلى منصة تنموية يصعب تجاوزها في أي مفاوضات لاحقة.
وشدد المتحدث على أن هذا النوع من الدبلوماسية الاقتصادية يعزز الشرعية الواقعية للدولة، حيث يترجم حضور الشركات الأمريكية إلى دعم عملي للاستقرار، ويرفع تكلفة أي محاولة للضغط على المغرب دبلوماسياً أو عمليا.
إغلاق مكتب البوليساريو بدمشق..هل يشكل نقطة تحول في الموقف العربي من الصحراء المغربية؟
واعتبر أن الاستثمار ليس هدفاً اقتصاديا بحتا، بل أداة لتثبيت السيادة وخلق واقع يصعّب على أي طرف معارض إعادة النزاع إلى النقاش النظري، خصوصا داخل المحافل الدولية، حيث تتحول الوقائع الاقتصادية إلى قوة ناعمة داعمة للسيادة السياسية.
وأكد أن الخطوة الأمريكية لا تحل النزاع قانونيا أو سياسيا بشكل مباشر، لكنها تمنح المغرب موقعا أقوى لطرح مبادرة الحكم الذاتي كإطار عملي مدعوم بفاعلين دوليين واستراتيجيين، ما يقرب الحل من التطبيق العملي أكثر من النقاش النظري.
♦تحالف استراتيجي متنامي
بيّن معتضد أن الاستثمارات الأمريكية في الصحراء المغربية تعكس تقديرا لمكانة المغرب كحلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا، مؤكدا أن واشنطن تراهن على الرباط لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي داخل القارة.
وأبرز أن هذا التوجه يجعل المغرب مركزا لعمليات استثمارية أمريكية، ويوفر له موقعاً متميزاً في شبكة التحالفات الإقليمية.
وكشف أن هذا الحضور يعزز صورة المغرب كحليف موثوق وفاعل في محيطه، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، حيث يتحول التعاون الاقتصادي إلى أداة لتعميق التحالفات السياسية، موضحا أن كل مشروع استثماري منفذ على الأرض يصبح عنصر ضغط استراتيجي يزيد من الثقة المتبادلة مع واشنطن.
وأضاف أن هذه الدينامية تسمح للمغرب بالظهور كقوة استقرار تنموية تقدم نموذجا للاستثمار الآمن والبنية التحتية الحديثة، ما يعزز جاذبيته كشريك دولي في قارة تتسم بصراعات متعددة حول النفوذ والموارد.
وذهب الخبير إلى أن الاستثمار الأمريكي لا يقتصر على الدعم الاقتصادي، بل يشكل آلية تكتيكية لترسيخ موقع المغرب في سلم أولويات واشنطن الاستراتيجية وتثبيت دوره كحليف محوري في إفريقيا.
♦موازين قوى جديدة
أكد معتضد أن التوجه الأمريكي يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية بشكل ملموس، إذ يقلص من الفراغ الذي قد ينتج عن تراجع النفوذ الفرنسي في المغرب العربي ومنطقة الساحل.
وأظهر أن الولايات المتحدة تتحرك لملء هذا الفراغ عبر أدوات اقتصادية وسياسية، بما يضمن استمرار تأثيرها في منطقة حساسة استراتيجيا.
وأورد أن صعود النفوذ الروسي في الساحل والصحراء جعل من التحالف الاقتصادي مع واشنطن آلية مضادة لإعادة التوازن، بحيث يُظهر المغرب شريكا موثوقا للغرب، ويخلق ضغطا غير مباشر على القوى الإقليمية المنافسة دون الدخول في مواجهة مباشرة.
ولفت إلى أن الدبلوماسية الاقتصادية تؤدي هنا دورا مزدوجا، فهي من جهة تعزز النفوذ المغربي وتدعمه على الأرض، ومن جهة أخرى تعمل كآلية لاحتواء تحركات الفاعلين الإقليميين والدوليين عبر شبكة مصالح مشتركة تجعل أي تغيير مفاجئ في التوازنات مكلفاً وصعباً.
وخلص معتضد إلى أن هذه الخطوة الأمريكية تجعل الصحراء نقطة جذب استراتيجية، وتضع المغرب في قلب شبكة مصالح دولية واقتصادية وسياسية، بما يقوي موقعه في ديناميكيات النزاع الإقليمي، ويزيد من صعوبة اختراق موقفه أو إضعاف دوره كفاعل محوري في المنطقة.

