شهدت عدة مدن بالمملكة، لليوم الرابع على التوالي، احتجاجات شبابية رفع خلالها المشاركون شعارات تطالب بتحسين الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم، ومكافحة الفساد.
ونظمت هذه التحركات بشكل رئيسي عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإنستغرام وديسكورد، حيث دعا المحتجون أيضا إلى توفير فرص العمل والحفاظ على الكرامة الإنسانية.
واستجابت السلطات لهذه الاحتجاجات باستخدام القوة لتفريق المظاهرات، ما أسفر عن اعتقال العشرات أُفرج عن معظمهم لاحقا.
كما عربت منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، عن قلقها بشأن استخدام العنف وطالبت بالإفراج الفوري عن المعتقلين.
وأكدت الحكومة المغربية، في بيان صادر أمس الثلاثاء، تفهمها للمطالب الاجتماعية واستعدادها للتجاوب معها بشكل إيجابي ومسؤول، مشددة على أن الحوار يمثل الوسيلة الأساسية لحل الإشكالات.
وتأتي هذه الاحتجاجات بقيادة مجموعة تعرف باسم “جيل زد-212″، وتركز على تحسين الخدمات الصحية والتعليمية ومكافحة الفساد، بعد حادثة وفاة ثماني نساء في مستشفى بمدينة أكادير، ما أثار استياء السكان ووصفهم للمستشفى بـ”مستشفى الموت”.
كما انتقد المحتجون إنفاق الأموال على استضافة فعاليات رياضية مثل كأس أفريقيا 2026 وكأس العالم 2030، مؤكدين أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين الخدمات الأساسية.
ومن جهتها، شددت الحكومة على أن مطالب الشباب تتقاطع مع أولوياتها الإصلاحية، مع تأكيدها على أهمية الحوار كسبيل للتعامل مع هذه المطالب.
♦التأكيد على شرعية المطالب
أكد المحلل السياسي إدريس قصوري أن الاحتجاجات التي انطلقت بشكل سلمي يومي 27 و28 من الشهر الماضي، كانت تعبيرا مشروعا عن غضب اجتماعي حقيقي، مشيرا إلى أن المطالب التي رفعها المحتجون—من صحة، وسكن، وتعليم، وشغل، وكرامة، ومكافحة الفساد—لا يمكن اعتبارها مطالب هامشية، بل هي حقوق دستورية تضمنها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
وأوضح قصوري في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن ما يعيشه قطاع الصحة من اختلالات واضحة، مثل غياب الأجهزة الطبية أو الأطباء، ووجود حراس أو وسطاء يتحكمون في ولوج المرضى إلى الأطباء أو تمرير ملفات الفحوصات مقابل مبالغ غير قانونية، إضافة إلى مشاكل التشغيل في المستشفيات ونواقص تجهيزات أساسية مثل السكانير، كلها عوامل ملموسة تغذي الاحتقان الاجتماعي.
وأضاف أن تزايد تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار، وانتشار المدارس الخصوصية وغلائها، وإضعاف المدرسة العمومية، أثقلت كاهل الأسر، مبرزا أن تلك العوامل تشكل بدورها أسبابا موضوعية للاستياء الشعبي، ومؤكدا أن مثل هذه المطالب الواقعية لم تعد تحتمل مزيدا من التجاهل.
وذكّر بأن الاحتجاج السلمي حق مشروع وليس جريمة، مبينا أن هناك أحكاما قضائية صريحة—منها قرار محكمة النقض سنة 2012—تؤكد أن التظاهر السلمي محمي ما دام لا يرافقه أي تجاوز جنائي أو أعمال عنف، ومشددا على ضرورة عدم إهمال هذا المبدأ أو تأويله بشكل مغلوط.
ولفت إلى أن الإقرار الرسمي بكون البلاد “تسير بسرعتين”، كما ورد في بعض الخطابات الملكية، هو اعتراف صريح بوجود اختلالات بنيوية، معتبرا أن الاعتراف وحده غير كافٍ، وأن المطلوب اليوم هو تفعيل إصلاحات عملية وجذرية تعالج هذه الأعطاب في العمق.
♦إدانة العنف ومظاهر التخريب
أدان المحلل السياسي ما آلت إليه بعض الاحتجاجات من انزلاقات عنيفة، مؤكدا أن ما وقع من رشق بالحجارة، وإحراق للممتلكات، ونهب وسرقة، والاعتداء على رجال ونساء الأمن، أفعال مرفوضة ومدانة، لأنها تسيء إلى الشرعية الأخلاقية والسياسية للمطالب الاجتماعية المشروعة، قائلا إنه لا يجوز أن يتحول حق الاحتجاج إلى ذريعة للفوضى.
وأبان قصوري أن التدخلات الأمنية في الأيام الأولى كانت تهدف أساسا إلى تفريق التجمعات ومنع تفاقم الخشونة، ولم يكن من المقصود فيها الوصول إلى هذا النوع من العنف المادي الذي سُجل لاحقا، مشددا في الآن ذاته على أن أي مخالفة قانونية أو إساءة في التدخل يجب أن تُبحث وتُقاس وفق القانون.
وتابع أن العمليات العنيفة التي ظهرت في بعض المدن الهامشية لم تكن مماثلة لما شهدته المدن المركزية، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول المستفيد الحقيقي ومن يقف وراء تصعيد المواجهة.
وأظهر أن المسؤولية الجنائية قائمة ويجب أن تُمارس وفق القانون، لكنه حذّر من أن المتابعات الجنائية الواسعة ضد نشطاء رفعوا مطالب سلمية قد تزيد الاحتقان إذا اتسمت بطابع انتقامي أو تعسفي، داعيا إلى فتح تحقيق مستقل ونزيه في كل التجاوزات—سواء الأمنية أو غير الأمنية—وضرورة أن يقوم القضاء بدوره كمؤسسة مستقلة تحمي الحقوق وتطبق القانون بعدالة.
♦الدور الحكومي في الإصلاح
دعا إدريس قصوري الحكومة والمسؤولين إلى تحمل مسؤولياتهم السياسية والعملية، مذكّرا بأن الخطاب الملكي الذي شدد على ضرورة الإصغاء للمواطنين وتحمل المسؤولية لا يمكن أن يبقى في حدود الشعارات، بل يتطلب ترجمة فعلية على أرض الواقع.
وكشف قصوري أن الوضع يكشف عن فشل إداري وسياسي واضح في عدد من القطاعات الحيوية، حيث يتولى وزراء بلا خبرة عملية ملفات حساسة مثل التعليم، والصحة، والصناعة التقليدية، وهو ما يجعلهم بعيدين عن إدراك الواقع الميداني وعن ملامسة المعاناة اليومية للمواطنين.
واعتبر أنه من غير المقبول استمرار مظاهر الصفقات المشبوهة، وتحكم المصالح، والمحسوبية، ونهب المال العام في غياب مساءلة فعّالة، مردفا أن هذه الممارسات تضعف الشرعية السياسية وتفقد الأحزاب والنقابات مصداقيتها أمام الرأي العام.
وتمسَّك قصوري بأن المطلوب اليوم هو إجراء تقييم شامل للأداء الحكومي والمؤسساتي، وإطلاق خطة جدية لمكافحة الفساد، ومراجعة مساطر الصفقات العمومية، وفتح تحقيقات شفافة في الملفات التي تتعلق بالفساد ويبتزون المواطنين ويحولون حقهم في الخدمات الصحية إلى مصدر غير مشروع للربح.
وأشار قصوري بوضوح إلى الدور المتعاظم لشبكات التواصل والمنصات الرقمية التي أصبحت تشكل فضاء موازيا للتعبئة والتأطير، مؤكدا أن التعامل مع هذا الواقع يقتضي ذكاء سياسيا ورؤية تواصلية جديدة، لا إنكارا أو تجاهلا، وذلك عبر بناء قنوات حوار مجتمعي حقيقي وسياسات تواصلية صادقة، بعيدا عن الاكتفاء بالترقيعات الإعلامية أو إصدار بيانات عليا فارغة من المضمون.
♦دعوة إلى حوار وطني
أوصى المحلل السياسي بفتح قنوات حوار حقيقية ومسؤولة، تشرك الشباب الفعلي في الميدان، وممثلي المجتمع المدني المحليين الذين يتمتعون بالمصداقية، إلى جانب أحزاب سياسية قادرة على الفعل والعمل، لا الاكتفاء بالتصريحات في الصالونات.
وطالب بالإفراج الفوري عن جميع الموقوفين الذين شاركوا في احتجاجات سلمية، مع إرجاء أي متابعات جنائية إلى حين إجراء تدقيق مستقل ومحاكمات عادلة تثبت تورط أشخاص محددين في أعمال العنف.
وبيّن قصوري أن المرحلة الراهنة تتطلب إصلاحات عاجلة، أبرزها خطة عملية لتحسين الصحة العمومية تقوم على تحديث التجهيزات، القضاء على ظاهرة الوساطة في الخدمات، وإصلاح منظومة المستشفيات بما فيها تجهيزات السكانير.
كما حثّ على الالتزام بضرورة إصلاح قطاع التعليم من خلال تحسين جودة المقررات الدراسية، وتعيين وزراء من الكفاءات العلمية الوطنية وغيرها.
وعلى المستوى الاقتصادي، دعا إلى اعتماد سياسة تقلص نسب البطالة وتواجه المضاربات، وغلاء الأسعار، مع اتخاذ إجراءات صارمة لمحاربة الفساد والمحسوبية في تدبير الصفقات العمومية.
وتابع أن من الضروري فتح آليات مستقلة للمراقبة والمحاسبة من أجل مساءلة النواب والمسؤولين الذين أخلوا بواجبهم، محذرا من أن استمرار الحكومة الحالية بنفس الوجوه والتشكيلة سيُقرأ في الشارع كاستفزاز ومقاومة للتغيير، وهو ما قد يوسع دائرة الاحتقان.
واعتبر قصوري أن الحل السياسي الأولي والأمثل يكمن في إعادة بناء الثقة عبر تشكيل حكومة أكثر مصداقية، وتنفيذ إجراءات ملموسة، واستجابات فورية للمطالب الأساسية، وإطلاق حوار شامل يقوده طرف مستقل يحظى بثقة المجتمع.
وذهب قصوري في تصريحه إلى التأكيد على ثلاث نقاط أساسية: أولها تتمثل في أن المطالب المشروعة للشباب تستوجب الإصغاء الجاد والاستجابة العملية.
أما المطلب الثاني، وفق المحلل السياسي، يتجلى في رفض العنف والتخريب، والتصدي لهما في إطار القانون مع تفادي أي إجراءات تعسفية قد تزيد من حدة التوتر.
وعن المطلب الثالث، يرى المتحدث، أن الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة ملحّة لضمان الاستقرار وصون الكرامة الوطنية.
وخلص في الأخير إلى أن الجميع، من حكومة وأحزاب ونقابات وسلطات محلية ومجتمع مدني، مطالبون بتحمل مسؤولياتهم الراهنة والتاريخية قبل فوات الأوان.

