مع حلول شهر رمضان من كل عام، يستعيد النقاش العمومي في المغرب حيويته بشأن قضية ‘الإفطار العلني’، وهو ما يضع مقتضيات الفصل 222 من القانون الجنائي في صلب الجدل الحقوقي والمجتمعي.
وتتجاذب هذا الملف مقاربتان رئيسيتان؛ حيث تعتبر الأولى أن الإطار القانوني الحالي يشكل ضمانة للسلم المجتمعي وحمايةً للرموز الدينية المشتركة، بينما تدعو الثانية إلى ملاءمة التشريعات الوطنية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحرية المعتقد والحريات الفردية.
ويطرح هذا التباين في الرؤى تساؤلات جوهرية حول آليات تدبير الاختلاف داخل الفضاء العام، وكيفية صياغة توازن موضوعي بين ممارسة الحقوق الشخصية وبين احترام الخصوصية الثقافية والرمزية الجماعية.
♦دعوات لاحترام حرية الأقليات في رمضان
علاقة بالموضوع، قالت عفراء، البالغة من العمر 31 سنة، والقاطنة بمدينة الدار البيضاء، إنها منذ أن أصبحت لادينية عام 2014 تعيش تجربة مختلفة خلال شهر رمضان، معتبرة أن الصيام يفرض عليها شعورا بالقيود ويحد من حريتها الشخصية.
وأضافت عفراء في تصريح لجريدة “شفاف”، أنها تضطر أحيانا لإخفاء احتياجاتها الطبيعية من الأكل، حتى أمام أسرتها التي تعرف موقفها، لتفادي أي رد فعل قد يصدر عنهم، بسبب “استفزازها لهم”.
وأوضحت أن محيطها المهني والاجتماعي لا يتيح لها ممارسة حقها في الأكل بحرية، مشيرة إلى أن أي تجاوز لهذا القالب قد يقابل بردود فعل عنيفة أو استهجان من المجتمع، سواء في الشارع أو مكان العمل، مشيرة في المقابل إلى أن لها أصدقاء متفهمين، يتيحون لها حرية الأكل أمامهم دون الحكم عليها.
وانتقدت عفراء النص القانوني المغربي، وخصوصا الفصل 222 من القانون الجنائي، معتبرة أنه يحد من حرية الأفراد في ممارسة سلوك طبيعي كالطعام خلال رمضان، مبينة أن حذف هذه المادة كان سيسمح بفتح المطاعم وإعطاء حرية أكبر للأقليات، بما في ذلك اللادينيين، ومع مرور الوقت من الممكن أن يتقبل المجتمع هذه الممارسات ويحترم حقوق الجميع.
وكشفت أنها تحلم بوسط يحترم المختلفين ويتعايش مع الأقليات، مشددة على أن المجتمع في حاجة إلى ترسيخ قيم التسامح والتعددية، وتفادي أي مقاربة عقابية تجاه من يختار مسارات مغايرة للنمط السائد، بما يكفل صون المساواة وضمان الحريات الفردية للجميع.
♦الجذور التاريخية والإشكالات القانونية
بيّن محمد بن دقاق، المحامي بهيئة الدار البيضاء، أن الفصل 222 الذي يعاقب على الإفطار العلني يبرز حقيقة مفادها أن هذا التجريم لا أصل له في الشريعة الإسلامية ولا يمت بصلة لفقه العقوبات الإسلامي الذي يخلو من أي عقوبة دنيوية لترك الصيام،
واعتبر المحامي بهيئة الدار البيضاء في تصريح لجريدة “شفاف” أن هذا النص هو إرث كولونيالي محض يعود لما سُمي بـ “السياسة الإسلامية” التي هندسها الماريشال الفرنسي ليوطي بداية القرن العشرين كأداة للضبط الاجتماعي والفصل الديموغرافي.
وأكد المتحدث أن الفصل المعني يثير إشكالات جوهرية على مستوى الصياغة والتطبيق، مشيرا إلى أن بعض الممارسات القضائية اتجهت نحو توسيع تفسير مفهوم “المكان العمومي” ليشمل فضاءات مغلقة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى انسجام ذلك مع المقصود التشريعي الأصلي.
وسجل أن شرط “التجاهر” المرتبط بعنصر العلنية لا يُستحضر دائماً في التطبيق، معتبرا أن هذه الإشكالات تفتح نقاشا قانونيا حول مدى توافق هذا الفصل مع الضمانات الدستورية والالتزامات الدولية ذات الصلة.
♦الأفق الحقوقي وضرورة الإصلاح
أوضح بن دقاق أن الفصل 222 يثير إشكالا من حيث انسجامه مع حرية المعتقد، مشيرا إلى أن المقاربة الحقوقية ترى أن ضمان ممارسة الشؤون الدينية يظل محدود الأثر إذا لم يمتد أيضا إلى حرية إظهار المعتقد والتعبير عنه في الفضاء العام.
وأظهر أن تسخير آليات المتابعة والاعتقال لإجبار شخص غير مقتنع بالصيام على الامتناع عن الأكل والشرب يشكل إكراها ماديا في الدين، وهو ما يتنافى مع روح الدستور ومقاصده في صون الحريات، مبينا أن المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص صراحة على حرية إظهار المعتقد علنا.
وشدد على أن الوقت قد حان لتجاوز هذا المقتضى التشريعي الذي بات يشكل عبئا على منظومة العدالة وصورة المغرب الدولية، معتبرا أن حذفه ضرورة حتمية تمليها اعتبارات موضوعية وقانونية متداخلة.
ونبه في سياق متصل إلى ما وصفه بالعبث القانوني في ظل أزمة السجون التي تعاني من اكتظاظ بنيوي يتجاوز 105 آلاف سجين، مؤكدا أن إلغاء هذا النص لم يعد مجرد ترف فكري بل هو استحقاق حقوقي لا محيد عنه لاستكمال بناء دولة الحق والقانون، خاصة وأن هذا المطلب تبنته مؤسسات دستورية رسمية وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
♦احترام قدسية رمضان أولوية دينية وقانونية
وفي الاتجاه ذاته، يرى محمد أن صون الخصوصية الدينية للمجتمع المغربي وحماية النظام العام يشكلان المرتكز الأساسي لضرورة الالتزام بالنصوص القانونية المنظمة لشهر رمضان، مؤكدا أن احترام قدسية هذا الشهر تقتضي التقيد الصارم بالمقتضيات التشريعية الجاري بها العمل، وفي مقدمتها الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي.
وقال محمد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا النص القانوني جاء بعبارات صريحة تحظر المجاهرة بالإفطار في الفضاء العام دون عذر شرعي، جازما بأن الامتثال لهذا المقتضى يمثل تجسيدا لسيادة القانون واحتراما للهوية الجماعية التي توافق عليها المغاربة.
وأبان أن إثارة مسألة الإفطار العلني لا ينبغي صبغها بطابع “تقييد الحريات الفردية”، بل يجب إدراجها ضمن إطار أوسع يتصل بالسكينة العامة وصون مشاعر الأغلبية الصائمة، واصفا التشريع بأنه الأداة الضامنة لضبط التوازن الدقيق بين ممارسة الحقوق الشخصية وبين احترام الثوابت العقدية والاجتماعية.
وأضاف أن الفضاء العام ملك مشترك يستوجب مراعاة القيم السائدة فيه، خاصة في المناسبات ذات الرمزية الروحية العالية، مشددا على أن أي تهاون في هذا الجانب قد يؤدي إلى مساس مباشر بالتماسك المجتمعي.
وأشار إلى أن أي نقاش مجتمعي يرمي إلى مراجعة أو تعديل المقتضيات القانونية الحالية، يجب أن يسلك مساره الطبيعي عبر المؤسسات التشريعية المختصة التي تملك وحدها صلاحية التشريع بناء على حوار وطني رصين، محذرا من محاولات فرض “أمر واقع” في الشارع العام قد يثير الفتنة أو يمس بالسلم الأهلية.
كما دعا محمد السلطات العمومية لإنفاذ القانون وتطبيقه بحزم على كل من يثبت في حقه خرق هذه المقتضيات، معتقدا أن الحزم في هذا الباب هو الضمانة الحقيقية لترسيخ مبدأ المساواة أمام التشريع وتعزيز هيبة الدولة، بما يضمن عدم انزلاق النقاشات الفكرية إلى ممارسات ميدانية قد تقوض الأمن الروحي للمواطنين.
♦قراءة قانونية للفصل 222
وفي سياق متصل، أكدت نسرين لعسيلي، المحامية المتمرنة بهيئة أكادير وكلميم والعيون، أن النقاش المثار حول الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي يجب أن يقارب من منظور قانوني محض يستحضر فلسفة المشرع والإطار الدستوري للمملكة، موضحة أن هذا الفصل ينص على معاقبة كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان داخل مكان عمومي دون عذر شرعي.
وذهبت لعسيلي إلى أن التجريم لا يطال مجرد فعل الإفطار في حد ذاته، بل يركز بشكل أساسي على الفعل العلني في الفضاء العام، مشددة على أن قيام هذه الجريمة يتطلب توافر أركان محددة تشمل صفة الشخص باعتناقه الإسلام، وعلنية الفعل، ووقوعه في مكان عمومي مع انتفاء العذر الشرعي.
واسترسلت أن هدف المشرع من هذا النص هو حماية النظام العام المرتبط بالشعائر الدينية، مستحضرة المكانة الخاصة لشهر رمضان داخل المجتمع المغربي كشعيرة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية عميقة، وهو توجه يستند في جوهره إلى الدستور الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة، مما ينعكس على الاختيارات التشريعية الرامية لحماية المظاهر الدينية في الفضاء العام.
كما جزمت بأن تقدير تحقق هذه الأركان يظل من اختصاص السلطة القضائية التي تنظر في كل حالة على حدة بموجب الضمانات القانونية ومبادئ المحاكمة العادلة، معتبرة أن الفصل 222 يعكس سعي المشرع لإيجاد توازن دقيق بين احترام الحريات الفردية وحماية النظام العام المرتبط بالقيم الدينية والثقافية، وهو التوازن الذي تفرضه خصوصية المجتمع المغربي وطبيعته الهوياتية.
♦جدل المادة 222 الجنائية
أفادت الناشطة الحقوقية والجمعوية، فاطمة عريف، أن النقاش حول المادة 222 من القانون الجنائي المغربي، والمتعلقة بتجريم الإفطار العلني في نهار رمضان، لا يزال يتصدر واجهة الجدل الحقوقي والاجتماعي في المغرب، كونه يضع “حرية الأفراد” في مقابل “الحفاظ على النظام العام”.
وأظهرت عريف في تصريح لجريدة “شفاف”، أن القانون الحالي يفرض عقوبات حبسية تتراوح بين شهر وستة أشهر وغرامات مالية تتراوح بين 12 و120 درهما على كل من جاهر بالإفطار في الأماكن العامة دون مبرر شرعي.
ونبهت الناشطة الحقوقية إلى وجود انقسام في الرؤى تجاه هذا النص، حيث تعتبره جهات دينية وسيلة لحماية الشعائر الجماعية والنظام العام، بينما تراه هيئات حقوقية متعارضا مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان وحرية المعتقد.
وشددت عريف على أهمية تركيز النقاش القانوني على تحقيق التوازن بين صون الهوية الدينية والثقافية وضمان الحريات الفردية بما يشمل غير المسلمين، مقترحة تعديل العقوبات السالبة للحرية والاكتفاء بغرامات رمزية، مع تغليب منطق التربية والتعايش على الملاحقة الجنائية لضمان احترام خصوصية المجتمع المغربي.
♦تكثف الهوية الدينية
جزمت الباحثة في علم النفس الاجتماعي والأخصائية النفسية بشرى المرابطي أن شهر رمضان يمثل فترة تتكثف فيها الهوية الدينية، حيث تتحول المرجعية المنظمة للسلوك من المعايير الاجتماعية إلى معايير دينية، مشيرة إلى أن ذلك لا يلغي الهوية الاجتماعية، بل يعيد ترتيب أولوياتها داخل وعي الفرد والجماعة.
وفسرت المرابطي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الإفطار العلني ينظر إليه من قبل بعض الأفراد كخيار شخصي مستمد من قناعتهم وحرية اختيارهم، ولا يمكن تفسيره كموقف عدائي تجاه المجتمع.
وأوردت أن الإشكالية لا تكمن في الفعل نفسه، بل في ظهوره في الفضاء العام خلال شهر رمضان، حيث تتقاطع الهوية الدينية مع النظام الثقافي العام، مما قد يثير توتراً بين الفعل الفردي والمجتمع.
واسترسلت أن كل جماعة تمتلك حدودا رمزية تحمي تماسكها، وأن رمضان يبرز الشعور بالانتماء الجماعي من خلال توحيد الإيقاع اليومي للعبادة والطقوس الاجتماعية، إلى جانب تعزيز المراقبة الذاتية والجماعية والخطاب الديني المكثف في الإعلام والمنصات الرقمية.
♦الإفطار العلني والمجتمع
اعتبرت المرابطي أن الدعوة للإفطار العلني لا تُصنف مجرد مخالفة دينية، بل يمكن تفسيرها كتهديد للانسجام الجماعي ومحاولة لإعادة تعريف المجال العام خارج المرجعية الدينية السائدة، مما يحوّل الفعل الفردي إلى قضية مرتبطة بحماية هوية الجماعة الرمزية.
وتساءلت عن الدوافع الحقيقية وراء الإصرار على الإفطار في الفضاء العام رغم توفر الإطار القانوني لممارسته في المجال الخاص، مستفسرة عن الأبعاد المحتملة لهذا السلوك سواء كانت احتجاجية أو تهدف لإحداث تأثير اجتماعي.
كما توقعت أن يزداد التوتر في المدن الصغرى والبوادي، بينما تظهر مظاهر التقبل أو “التطبيع” في المدن الكبرى بين النخبة المثقفة، إلا أن الفعل يبقى محكوماً بعدم تقبله من الأغلبية العامة، مؤكدة أن المشرع، بتمييزه بين الفضاءين العام والخاص، وفر حلا قانونيا لتدبير التوتر بين الأغلبية الصائمة والفئات غير الصائمة، بما يتوافق مع مبادئ الحرية الشخصية.
وختمت المرابطي بالتأكيد على ضرورة مراعاة هويات ومشاعر المجتمع، مع تجنب أي تصرفات قد تعتبر استفزازية، معتبرة أن احترام الاختلاف والحفاظ على الانسجام الاجتماعي يمثلان أساس التعايش السلمي.

