في كل محطة تقييم، و كل لحظة نقاش حول واقع الإعلام العمومي، يُعاد طرح السؤال ذاته: لماذا لا يرقى أداؤه إلى مستوى انتظارات المجتمع؟ و لماذا تستمر فجوة الثقة في الاتساع بين المؤسسة الإعلامية العمومية و الجمهور الذي تُموَّل باسمه و من أجله؟
لقد أبانت التجارب المتراكمة أن الإشكال لا يكمن، كما يُروَّج له في كثير من الأحيان، في ضعف شبكة البرامج أو في قلة الإمكانات التقنية، بقدر ما يرتبط أساساً بطبيعة العقليات التي تتولى التدبير و التسيير. فكم من برامج تم تغييرها؟ و كم من صيغ تم تجريبها؟ لكن الحصيلة ظلت شبه ثابتة، لأن الذهنية نفسها ما تزال تتحكم في مفاصل القرار الإعلامي.
إن الإعلام العمومي الذي نريد ليس مجرد واجهة للبث، و لا منصة لملء الزمن التلفزي أو الإذاعي، بل هو مرفق استراتيجي لصناعة الوعي، و تأطير النقاش المجتمعي، و مواكبة التحولات السياسية و الاقتصادية و الثقافية. وهذا الدور لا يمكن أن تضطلع به عقليات محافظة، بيروقراطية، تُدبّر بمنطق الإدارة أكثر مما تُبدع بمنطق الرسالة.
لقد أثبتت التجربة أن تغيير البرامج دون تغيير الفلسفة المدبرة يشبه إعادة طلاء جدار متصدّع؛ مظهر جديد يخفي الأعطاب ذاتها. فالمشكل حين يكون في طريقة التفكير، و في معايير الانتقاء، و في منطق القرب و الولاءات بدل الكفاءة و الاستحقاق، فإن أي إصلاح يظل شكلياً و عابراً.
الإعلام العمومي يحتاج اليوم إلى ثورة هادئة في الحكامة، قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، و توسيع هامش الاستقلالية المهنية، و فتح المجال أمام الكفاءات الحقيقية القادرة على الابتكار لا التكرار. كما يحتاج إلى جرأة تحريرية تجعله قريباً من نبض المجتمع، لا أسير حسابات ضيقة أو تعليمات غير مكتوبة.
فالجمهور لم يعد ذلك المتلقي السلبي؛ لقد أصبح فاعلاً ناقداً، يقارن و يُقيّم، و في ظل الانفجار الرقمي و تعدد المنصات، لم يعد ممكناً الاحتفاظ به عبر أدوات تقليدية و عقليات ماضوية. الرهان اليوم هو رهان ثقة، و هذه الثقة تُبنى بالمصداقية، و التعددية، وجودة المحتوى، لا بكثرة القنوات أو طول ساعات البث.
إن الدرس الذي ينبغي استيعابه هو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان: من طريقة اختياره، و من تكوينه، و من الرؤية التي يحملها. فحين تتغير العقول المسيرة، ستتغير تلقائياً البرامج، و ستتطور المضامين، لأن الفكرة الجديدة تُنتج شكلاً جديداً.
أما الإبقاء على الذهنيات نفسها مع الاكتفاء بتعديلات شكلية، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة.
الإعلام العمومي الذي نريد هو إعلام الجرأة و الكفاءة و الإنصات للمجتمع… فهل نستفيد من الدرس؟ أم نواصل الدوران في الحلقة نفسها، نُغيّر العناوين و نُبقي الجوهر على حاله؟

