كشفت معطيات حديثة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، عن واقع معقد يعيشه أزيد من مليون شخص في وضعية إعاقة بالمغرب، حيث تتقاطع التحديات الاجتماعية مع اختلالات عميقة في مجالي التعليم والشغل، رغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات المرتبطة بالتغطية الصحية، وتعكس هذه الأرقام استمرار فجوات بنيوية تعيق إدماج هذه الفئة في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
وتبرز المعطيات ذاتها، أن الإعاقة بالمغرب لا ترتبط فقط بعوامل صحية، بل تتداخل مع محددات الهشاشة والفقر والفوارق المجالية، خاصة في الوسط القروي ولدى النساء، ما يطرح تساؤلات ملحة حول مدى نجاعة السياسات العمومية وقدرتها على تحقيق الإدماج الشامل والفعلي لهذه الفئة.
أزيد من مليون شخص في وضعية إعاقة بالمغرب وتحديات مستمرة في التمدرس والشغل
❖ فجوة الإدماج
يعتبر أمين سامي، الخبير السوسيو-اقتصادي والباحث في سياسات التنمية البشرية، أن ضعف اندماج الأشخاص في وضعية إعاقة داخل سوق الشغل لا يمكن تفسيره بغياب السياسات الاجتماعية، بل بالعكس فالإشكال الحقيقي يكمن في وجود فجوة واضحة بين منطق الحماية الاجتماعية ومنطق الإدماج الإنتاجي.
وشدد سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن المعطيات الرسمية نفسها تشير إلى أن المغرب حقق تقدما ملموسا في مجالات التغطية الصحية والتعليم والخدمات والسكن، غير أن هذا التقدم ظل غير متكافئ تبعا لمتغيرات السن والجنس ووسط الإقامة.
وأضاف أن هذا التفاوت البنيوي ينعكس بشكل مباشر على فرص الإدماج الاقتصادي، حيث إن ما يقارب ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة، أي حوالي 67.7%، لا يتوفرون على أي مستوى دراسي، وهو ما يحدّ من فرص ولوجهم إلى سوق الشغل.
وأردف الخبير السوسيو-اقتصادي أنه في المقابل، لا تتجاوز نسبة المشتغلين منهم 8.9%، مع تمركز الغالبية في القطاع الخاص والعمل المستقل، وهو ما يعكس هشاشة هذا الإدماج وضعف استدامته.
وأشار إلى أن السلسلة التي تنتج الاندماج الاقتصادي تعاني من خلل هيكلي واضح، يبدأ بتعليم ضعيف، يمر عبر تأهيل محدود، ويصطدم بعوائق مادية ومؤسساتية، لينتهي عند سوق شغل غير مهيأ تقنيا ومؤسساتيا لاستقبال هذه الفئة.
ونبه الباحث في سياسات التنمية البشرية إلى أن السياسات الحالية تظل مجرد آليات لتخفيف الأعباء، دون أن ترقى إلى تحويل الشخص في وضعية إعاقة من “موضوع حماية” إلى “فاعل اقتصادي” حقيقي.
❖ سوق غير مهيأ
يؤكد أمين سامي أن سوق الشغل في المغرب لا يزال يعمل وفق منطق “القدرة القياسية”، أي الاعتماد على نموذج موحد للقدرات الجسدية والوظيفية، بدل تبني منطق “التنوع الوظيفي”، الذي يفترض تكييف بيئة العمل مع اختلاف قدرات الأفراد.
وأوضح أن هذا الاختلال ينعكس على مستوى بنية المقاولة، وأنظمة النقل، والتكوين، والولوج الرقمي، وحتى أنماط التشغيل، التي لا تزال مصممة أساسا لفئة العمالة التقليدية.
وأبرز أن غياب هذا التكيف يجعل من الصعب ترجمة التحسن الاجتماعي إلى فرص شغل فعلية، إذ إن تطوير التغطية الصحية أو تحسين بعض الخدمات الاجتماعية لا يقابله تطور مماثل في خلق فرص إدماج اقتصادي منتج.
ولفت الخبير السوسيو-اقتصادي، إلى أن ما سبق يؤدي إلى مفارقة واضحة، ترتبط بتحسن نسبي في المؤشرات الاجتماعية مقابل استمرار التعثر في الإدماج المهني.
وذكر أن التقرير يلمح بوضوح إلى هذه المفارقة، من خلال ربطه بين الإقصاء التعليمي والعوائق المادية وأشكال التمييز من جهة، وضعف الاندماج المهني من جهة أخرى.
وأكد الباحث في سياسات التنمية البشرية، أن الإشكال ليس ظرفيا، بل يرتبط ببنية سوق الشغل نفسها، التي لم تستوعب بعد مفهوم التشغيل الدامج.
❖ تحول ديموغرافي
يشير أمين سامي إلى أن المغرب يواجه تحولا ديموغرافيا وصحيا “صامتا” يعيد تعريف ملف الإعاقة بشكل جذريا، فالمعطيات تفيد بارتفاع عدد الأشخاص الذين صرحوا بصعوبات وظيفية بين سنتي 2014 و2024 في مختلف المجالات، غير أن هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بالحالات الشديدة، بل أساسا بتزايد الصعوبات الطفيفة والمتوسطة.
ويعزو الخبير هذا التحول إلى عاملين رئيسيين؛ أولا تحسن آليات التشخيص وتعزيز الاعتراف المجتمعي بالإعاقة، وثانيا تسارع وتيرة الشيخوخة وارتفاع انتشار الأمراض المزمنة.
وشدد الخبير السوسيو-اقتصادي، على أن مفهوم الإعاقة لم يعد محصورا في الحالات التقليدية، بل أصبح يشمل فئات أوسع تعاني من قيود وظيفية متفاوتة.
وأكد على أن هذا التحول يفرض تحديات جديدة على سوق الشغل، الذي أصبح مطالبا بالتعامل مع فئات تحتاج إلى ترتيبات عملية خاصة، مثل ساعات عمل مرنة، وتهيئة تقنية، ومواكبة صحية مستمرة.
ونبه إلى أن الاقتصاد المغربي، لم يطور بعد نموذجا تشغيليا قادرا على استيعاب هذا التنوع، مما يؤدي إلى إقصاء جزء مهم من الرأسمال البشري قبل دخوله الفعلي في الدورة الإنتاجية.
❖ كلفة اقتصادية
يشدد أمين سامي على أن الكلفة الاقتصادية لضعف إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة تتجاوز بكثير مجرد انخفاض نسب التشغيل، لتشمل خسائر أعمق على مستوى الاقتصاد الوطني.
ونبه إلى أنه حين يبلغ عدد هذه الفئة حوالي 1.73 مليون شخص، مقابل نسبة تشغيل لا تتجاوز 8.9%، فإن ذلك يعني خروج كتلة بشرية كبيرة من دائرة الإنتاج المباشر.
وأضاف أن هذه الكلفة لا تقتصر على الأجور الضائعة، بل تمتد إلى القيمة المضافة غير المنتجة، والطلب الداخلي غير المتولد، والضرائب غير المحصلة، فضلا عن الفرص الضائعة في مجال الابتكار.
بعد تطبيق بطاقة الإعاقة..كيف ستساهم في تعزيز الإدماج الاجتماعي للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة؟
واستطرد الباحث في سياسات التنمية البشرية، أنه بعبارة أخرى، فإن الاقتصاد الوطني لا يخسر فقط إدماج هذه الفئة، بل يخسر جزءا مهما من إمكاناته التنموية.
وأبرز أن ضعف الإدماج يؤدي أيضا إلى استنزاف الدخل الأسري وارتفاع الإنفاق الاجتماعي، وهو ما يثقل كاهل المالية العمومية ويؤثر على وتيرة التنمية الترابية، وبالتالي فإن الكلفة الاقتصادية تتخذ أبعادا متعددة، تشمل الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والعدالة المجالية.
❖ خلل بنيوي
يرى أمين سامي أن ضعف اندماج الأشخاص في وضعية إعاقة داخل سوق الشغل لا يرتبط بنقص الإرادة أو غياب النوايا، بل بوجود خلل “معماري” في سلسلة الإدماج.
وأردف أن هذا الخلل يشمل تعليما غير مكيف، وتفاوتات مجالية حادة، وأشكال تمييز متعددة، إضافة إلى ضعف الولوجيات، ومقاولات غير مجهزة بنماذج تشغيل دامجة.
وأوضح أن معالجة هذا الوضع تقتضي الانتقال من مقاربة اجتماعية قائمة على الحماية إلى مقاربة اقتصادية قائمة على الإدماج المنتج، بما يضمن تحويل هذه الفئة إلى قوة مساهمة في النمو، بدل بقائها خارج الدورة الاقتصادية.
وشدد على أن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة لا ينبغي أن ينظر إليه كملف تضامني فقط، بل كرافعة استراتيجية للنمو والإنتاجية وتحقيق العدالة المجالية، معتبرا أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا التحدي إلى فرصة تنموية شاملة.

