يشهد ملف الإدماج الاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب متابعة متزايدة، وسط جهود حكومية لتعزيز التربية الدامجة وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي والمهني لهذه الفئة.
وأعلنت الحكومة مؤخرًا عن إدماج آلاف الأطفال في المدارس العمومية خلال سنة 2025، ضمن استراتيجية وطنية أشمل تشمل عدة قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية، مع توقيع شراكات في مجالات الصحة والنقل والتشغيل والولوجيات الرقمية.
وفي المقابل، يطرح المجتمع المدني تساؤلات حول مدى انعكاس هذه البرامج على الواقع الميداني، مع التركيز على تحديات تتعلق بالولوج إلى المؤسسات التعليمية، وجودة التعليم، والدعم النفسي والاجتماعي، والفرص المهنية للأشخاص في وضعية إعاقة.
الأشخاص في وضعية إعاقة يحتجون ضد التمييز أمام البرلمان.. فهل تتدخل وزارة حيار لإنصافهم؟
♦فجوة بين الأرقام والواقع
كشفت سميرة بختي، رئيسة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، أن ما تحقق في مجال الإدماج الاجتماعي والتربية الدامجة خلال السنوات الأخيرة ما يزال بعيدا عن التطلعات، ولا يعكس حجم الجهود التي يفترض أن تُبذل في هذا الورش الحيوي، مؤكدة أن “الأرقام الرسمية لا تعبّر دائمًا عن الواقع”.
وأوضحت بختي، في تصريح لجريدة شفاف، أن تصريحات كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، الجبار الرشيدي، بشأن إدماج خمسة آلاف طفل إضافي في المدارس العمومية برسم سنة 2025، لترتفع الحصيلة إلى سبعين ألف طفل وطفلة، تُظهر تقدما نسبيا على المستوى الإحصائي، لكنها لا تعني بالضرورة تحسنا فعليا في واقع الإدماج الميداني.
وأضافت أن المنظمة التي ترأسها تتابع منذ سنوات أوضاع الأطفال في وضعية إعاقة داخل المنظومة التعليمية، وقد رصدت اختلالات بنيوية تجعل من كثير من حالات الإدماج مجرد إجراءات شكلية، لا تُترجم فعليا في مسار التعلم أو الاندماج داخل الفصول الدراسية.
وشددت على أن “الكثير من الأطفال المدمجين في المدارس العمومية يعيشون يوميا صعوبات متعددة، تبدأ من غياب الفصول المهيأة، مرورا بانعدام الولوجيات داخل المرافق، وصولا إلى ضعف تكوين الأطر التربوية في التعامل مع الإعاقات المختلفة”، مضيفة أن هذه العراقيل تجعل المدرسة فضاء غير مهيأ للتربية الدامجة بمعناها الحقيقي، ما يدفع عددًا من الأسر إلى الانسحاب بصمت، وهو ما لا يظهر في المعطيات الرسمية.
وأبرزت بختي أن تقييم الإدماج يجب أن يقوم على نوعية الاستفادة وليس على عدد المسجلين، قائلة إن “الإدماج الحقيقي هو الذي يُمكّن الطفل من التعلم والاندماج والتطور، لا الذي يكتفي بإضافة اسمه في سجل مدرسي”.
وأكدت أن ضعف التأطير التربوي المتخصص وغياب المواكبة الفردية يُفرغان مفهوم التربية الدامجة من مضمونه، رغم أن المغرب التزم في استراتيجيته الوطنية بتعزيز تكافؤ الفرص وضمان الحق في التعليم للجميع.
♦غياب الاستراتيجية الوطنية
انتقدت رئيسة المنظمة غياب رؤية وطنية متكاملة لتدبير ملف الإعاقة، معتبرة أن التعامل الحالي مع هذا الموضوع “ما يزال تجزيئيا وموسميا، يخضع للخطابات أكثر مما يستند إلى التزامات مؤسساتية واضحة”.
وأشارت إلى أن اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع السياسات العمومية في مجال الإعاقة لم تنعقد منذ مدة طويلة، وهو ما يعكس – حسب قولها – غياب التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية.
وأضافت أن تعدد المتدخلين دون وجود إطار موحد يؤدي إلى تشتت الجهود وتكرار البرامج، وضعف أثرها الملموس على حياة الأشخاص في وضعية إعاقة.
وتابعت أن نظام الاستهداف في برامج الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية ما يزال يفتقر إلى العدالة، لأن معايير الاستحقاق لا تُدرج الإعاقة كعنصر أساسي، مما يؤدي إلى إقصاء فئات واسعة من الاستفادة من برامج الدعم رغم حاجتها الملحة إليها.
وقالت إن “تعقيد المساطر الإدارية وغياب قاعدة بيانات دقيقة يجعل فئة واسعة من الأشخاص في وضعية إعاقة خارج رادار السياسات العمومية”.
الأشخاص في وضعية إعاقة يحتجون ضد التمييز أمام البرلمان.. فهل تتدخل وزارة حيار لإنصافهم؟
وفي محور التشغيل، اعتبرت بختي أن هذا الملف “النقطة السوداء في مسار الإدماج الاجتماعي”، مشيرة إلى أن تفعيل نسبة 7% من المناصب المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة لا يزال محدودًا جدًا.
وأبانت أن “مباراة واحدة في السنة، لا تتجاوز مائة منصب، لا يمكن أن تُعتبر سياسة إدماج حقيقية”، في ظل غياب التزام فعلي من الإدارات والمؤسسات العمومية بفتح المناصب لفائدة هذه الفئة.
ودعت إلى إرساء آليات مراقبة ومساءلة تهم مدى احترام القطاعات الحكومية لمبدأ تكافؤ الفرص، قائلة إن “القوانين بدون تفعيل تبقى مجرد حبر على ورق، والإرادة السياسية تُقاس بالفعل لا بالتصريحات”.
كما طالبت بالإسراع في إصدار المراسيم التنظيمية المتعلقة بالنقل المكيّف والسكن الاجتماعي المخصص للأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرة أن هذه الإجراءات البسيطة في ظاهرها تحمل بعدًا حقوقيًا وإنسانيًا كبيرًا لأنها تمس كرامة الأفراد وحياتهم اليومية.
♦الانتقال للفعل
شددت بختي على ضرورة الانتقال من “المقاربة التصريحية” إلى “المقاربة الفعلية”، عبر وضع خطة وطنية شاملة ومندمجة للإدماج الاجتماعي تتوفر على ميزانية مستقلة وآليات تقييم ومساءلة.
وشددت على أن نجاح هذه الخطة رهين بإشراك المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الفاعلة في الميدان، لأنها الأقرب إلى الواقع والأكثر دراية بمعاناة الفئات الهشة، ومضيفة أن “الإدماج لا يُبنى في المكاتب، بل في الميدان ومن خلال تجارب الناس اليومية”.
وكشفت عن معطيات مقلقة ضمن تقرير المرصد المغربي للتربية الدامجة، الذي أشار إلى أن نسبة المستفيدين فعليًا من برامج الدعم لا تتجاوز 18% من مجموع الأطفال في وضعية إعاقة، وهو رقم يعكس – حسب قولها – “الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني”.
وأكدت أن هذه الفجوة لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة النظر في طريقة التخطيط، ووضع مقاربة مبنية على النتائج والأثر الاجتماعي بدل الاكتفاء بالمقاربة الإحصائية البحتة.
وذهبت بختي إلى أن المغرب يمتلك ترسانة قانونية متقدمة ومؤسسات نشيطة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التنزيل الفعلي لتلك القوانين على أرض الواقع.
وقالت إن “المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمؤسسات والمجتمع”، داعية إلى جعل قضية الإعاقة ضمن أولويات النموذج التنموي الجديد، بدل أن تظل في الهامش.
غياب الولوجيات بمحطة القطار الرباط المدينة يثير امتعاض فئات عريضة من المسافرين
واعتبرت أن الإدماج الاجتماعي والتربوي لن ينجح إلا إذا بُني على رؤية إنسانية تضع الكرامة والمساواة في صلب السياسات العمومية، مؤكدة أن “الطفل في وضعية إعاقة لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى حقه الكامل في التعلم والصحة وفرص الحياة مثل غيره تمامًا”.
وتساءلت في الأخير حول متى سيتحول الإدماج من شعارات وخطابات رسمية إلى واقع ملموس يعيشه كل شخص في وضعية إعاقة بكرامة واستقلالية ومساواة

