قدم الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الأفريقية للسياسات العامة، في مقال استقرائي توصلت جريدة “شفاف” بنسخة منه؛ رؤيته حول العلاقة بين الأمية والممارسة السياسية في سياق الديمقراطية.
وسلط الدكتور الوردي الضوء على التساؤلات المحورية حول الكفاءة المطلوبة للفاعل السياسي، وإن كان يجب أن يكون حاصلاً على شهادات عليا أم يكفيه التأطير الحزبي، حيث يرى المقال أن المردودية الحزبية لا ترتبط بالضرورة بالمستوى الأكاديمي، بل بالتكوين الحزبي الهادف والعمل الدؤوب، مع ضرورة إشراك جميع الكفاءات بغض النظر عن مستواها التعليمي.
-نص المقال:
تعبر الممارسة السياسية عن بنية مؤسسة على التوجهات الدستورية والقانونية والتنظيمية الخاصة بالممارسة الديمقراطية لتدبير قضايا الشأن العام في شقها التشريعي وعبره الحكومي ناهيك عن الشأن العام الترابي.
إن المتتبع للشأن السياسي الدولي المقارن لتستوقفه سلة عريضة من التساؤلات، وخاصة في الشق المرتبط بالفاعل السياسي: هل نحتاج فاعلاً سياسيًا أميًا أم مؤطراً حزبياً أم فقط حاصلاً على شواهد عليا؟
الجواب على هذا التساؤل يتغير من منطقة جغرافية دولية إلى أخرى، ذلك أن مردودية الأحزاب السياسية في تدبير قضايا الشأن العام تختلف بين هذا النظام الحزبي السياسي ونظيره بنماذج أخرى. واعتباراً لهذا الاختلاف، فإنه يتجلى بالدرجة الأولى بروحي الانتماء للوطن أولاً، ومن خلاله الإيمان والدفاع عن أيديولوجية الطيف السياسي الذي ينتمي إليه الفاعل السياسي، عبر بوابتي النقاش والعمل الحزبي الداخلي الدؤوب، وكذا المشاركة الفاعلة والناجعة عبر بوابة انتخابات الديمقراطية التمثيلية، ومن خلالها تدبير الشأن العام على أساس الاختصاصات التنظيمية التي تضمنها البنية الدستورية.
لقد أثبتت أطياف سياسية دولية كثيرة، ومن خلالها قامات سياسية مشهود لها بالعطاء والعمل الجاد، أن قياس منسوب الديمقراطية لدى بنية الدول ليس بالدرجة الأولى التكوين المرتبط بالحصول على الشهادات العليا. ذلك أن التكوين الحزبي الهادف ذي الصبغة الاستراتيجية المتعددة الأبعاد والمشارب، وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها، يعد عصب رحى الإنتاجية الحزبية على أساس ديمقراطي.
غير أننا نقصد بالتكوين الحزبي في هذا السياق خلق مدارس التكوين الحزبي داخل منظومة الأحزاب السياسية، تُعهد إليها مهام التأطير الحزبي للفاعل السياسي منذ انخراطه إلى حين خوضه غمار التجربة السياسية عبر بوابة الانتخابات. أمر لا يُفهم معه أن الفاعل الحزبي ذا الشهادات العليا ليس مرغوبًا فيه داخل الممارسة والمعترك السياسي، ذلك أن بنية الأحزاب السياسية تتسع لكل الأطياف الفكرية والممارسة المؤمنة بالديمقراطية وإسقاطاتها على الفرد والمجتمع عبر الأحزاب السياسية.
وهذا القول له مسوغاته، ذلك أن النقاش الذي تعج به بعض الأوساط السياسية – وهو تمرين ديمقراطي مشروع – يتطرف دائمًا للحديث عن الكائن السياسي؛ فهذا الأخير الذي يعرف ممارسة السياسة ولكنه أمي من الناحية الإشهادية، غير أنه فاعل سياسي يجيد الخطابة السياسية ولو بالعامية أو تشلحيت أو تريفيت بل وحتى بالحسانية، وهو أمر لا بد أن نأخذه بعين الاعتبار داخل الأحزاب السياسية المغربية التي يجب عليها تغيير نمطية التفاعل مع المرشح الحزبي، الذي يجب أن يتجاوز نظرة الأمية.
ويجب أن يواكبها بالعمل الجاد والمبني على التكوين القائم على النتائج وبمشاركة واسعة لكل أطرها سواء كان أميًا أو متعلمًا، ذلك أن نهج بنية اليد الحزبية الواحدة قد أصبحت مطلبًا استعجاليًا لا نحيد عنه، وذلك اعتبارًا للمتغيرات التواصلية السياسية التي تفرضها العولمة.
لذلك، لِمَ لا يكون شعار الانتخابات التشريعية لسنة 2026: “اليد الحزبية الواحدة تصفق بكل أطرها”، لكي تنجح فعليًا في تنزيل برامجها عبر بوابة مؤسسات تدبير الشأن العام.

