شهدت مخيمات تندوف ليلة السبت وصباح الأحد الماضي انفلاتا أمنيا خطيرا، تحوّلت فيه المخيمات إلى مسرح لعمليات مسلحة ونهب استهدفت المدنيين وممتلكاتهم.
وأفادت مصادر محلية بظهور مجموعة مسلحة على متن سيارة رباعية الدفع ومدججة بالأسلحة، استهدفت مستودعات المواد الغذائية وأطلقت الرصاص في الهواء لإرهاب السكان، كما اقتحمت خيام الأسر وسرقت أموالاً وممتلكات شخصية، في مشهد يعكس غياب أي حماية فعلية للمدنيين.
وهذه الأحداث تزامنت بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي جدّد التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار عملي وواقعي لتسوية النزاع حول الصحراء.
ويبرز الانفلات الأمني هشاشة إدارة البوليساريو والسلطات الجزائرية داخل المخيمات، ويؤكد عجزهما عن توفير الحد الأدنى من الأمن والحماية للمدنيين، في مقابل الحل المغربي الذي يضمن حقوق السكان ويمنحهم صلاحيات واسعة لتسيير شؤونهم ضمن السيادة الوطنية.
وتؤكد هذه التطورات أن الحل الأممي القائم على الحكم الذاتي المغربي هو السبيل الوحيد لتحقيق استقرار فعلي وأمن مستدام للمحتجزين، ويقطع الطريق أمام سياسات الجزائر التي تستغل الأزمة لمصالحها الإقليمية على حساب المدنيين.
وعليه، كيف يمكن للمجتمع الدولي ضمان تطبيق مبادرة الحكم الذاتي المغربية على الأرض، لحماية المدنيين ووضع حد لانفلات البوليساريو والجزائر؟
♦أزمة متجذّرة وتراكمات مميتة
أكد الباحث في الدراسات الدولية بكلية الحقوق أكدال، الأستاذ مصطفى بوزنار، أن الانفلات الأمني الخطير الذي تعرفه مخيمات تندوف ليس حدثا عرضيا، بل نتيجة طبيعية لتراكمات تاريخية طويلة، اختلط فيها الإهمال بالقمع، وتعمّق فيها الانهيار الإنساني والاجتماعي داخل هذه المنطقة المعزولة.
وشدد مصطفى بوزنار في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن ما وقع مؤخرا من اضطرابات وأعمال عنف مسلحة هو انعكاس مباشر لوضع هشّ طالما تم التستر عليه، تغذّيه جماعات مسلحة متطرفة تنشط داخل المخيمات، وترتبط بحركات انفصالية وإرهابية في منطقة الساحل والصحراء.
وأوضح بوزنار أن غياب أبسط شروط الحياة، من ماء وغذاء ورعاية، جعل من المخيمات بؤرًا يائسة يطغى فيها الفقر والقمع، مضيفا أن السلطات الجزائرية وجبهة البوليساريو تتحملان مسؤولية مباشرة في تفاقم هذه المعاناة، بفعل القمع الممنهج ضد المحتجزين ومنعهم من أبسط حقوقهم، مما خلق أرضية خصبة للانفلات والفوضى.
فوضى تندوف تسبق جلسة مجلس الأمن.. ماهي التداعيات المرتقبة للحادث على الموقف الرسمي الجزائري؟
وبيّن أن هذا الوضع تفجّر بوضوح بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أعاد التأكيد على أولوية الحل السياسي الواقعي والعادل، وهو ما أثار ارتباكًا داخل البوليساريو ودفعها إلى تشديد قبضتها الأمنية على المخيمات.
♦الجزائر… الطرف المحرّك للأزمة
حمّل بوزنار الجزائر المسؤولية الكاملة عن الانفلات الأمني الحاصل في تندوف، مبرزًا أنها الراعية الفعلية لجبهة البوليساريو سياسيًا وعسكريًا وتمويليًا.
وأبان أن قادة الجبهة لا يملكون قرارهم، وينفذون أوامر قصر المرادية دون نقاش، في وقت تستغل فيه الجزائر هذا الملف كورقة ضغط إقليمية لمعاداة المغرب.
وأشار إلى أن المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات الدولية إلى المحتجزين تُحوّل عن وجهتها، لتُباع في أسواق الساحل والصحراء بهدف تمويل صفقات السلاح والمخدرات والأنشطة الإرهابية.
الواقع الحقوقي في تندوف تحت المجهر… احتجاز قسري أم صمت دولي متواطئ؟
وأكد أن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي سبق أن اتهم رسميًا الجزائر والبوليساريو بتحويل المساعدات ورفض إحصاء ساكنة المخيمات، وهو ما يكشف – حسب تعبيره – رغبة الجزائر في إبقاء النزاع حيًّا لإدامة نفوذها في المنطقة.
ويرى الباحث أن استمرار هذا النهج الجزائري يؤكد أن الهدف لم يكن يومًا الدفاع عن “حق تقرير المصير” كما يُروّج له، بل الحفاظ على نزاع مفتعل يخدم حسابات سياسية ضيقة، ولو على حساب مأساة آلاف المدنيين العالقين في تندوف.
♦قرار مجلس الأمن… انتصار للبراغماتية المغربية
اعتبر بوزنار أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 يمثل محطة مفصلية في مسار النزاع، لأنه يعكس اعترافًا دوليًا صريحًا بواقعية المقترح المغربي للحكم الذاتي، الذي تقدّم به المغرب سنة 2007.
وأظهر أن هذا المقترح يجسّد إرادة سياسية حقيقية لتسوية النزاع في إطار السيادة الوطنية، من خلال منح الصحراويين صلاحيات موسعة لتدبير شؤونهم المحلية والسياسية والاقتصادية بشكل ديمقراطي وفاعل.
وذهب الباحث إلى أن هذا المشروع، الذي وُصف من قبل العديد من الدول الكبرى بالجاد والواقعي، أصبح اليوم الإطار الوحيد الذي يلقى دعمًا متزايدًا من المجتمع الدولي.
أزمة غذاء تلوح في تندوف بعد قرار واشنطن.. هل يدفع المحتجزون ثمن متاجرة البوليساريو في المساعدات؟
وتابع أن صدور القرار الأممي الأخير هو ثمرة جهد دبلوماسي مغربي منسق ومكثف، مكّن من نقل الملف من منطق الصراع الإيديولوجي إلى منطق الحل السياسي البراغماتي.
وأورد أن القرار يضع الأساس العملي لمفاوضات مباشرة ودون شروط مسبقة بين الأطراف المعنية، وهي الجزائر والبوليساريو وموريتانيا، تمهيدًا لتسوية نهائية تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة.
♦مأساة إنسانية تستدعي الحسم العاجل
حذّر بوزنار من أن الوضع الإنساني داخل مخيمات تندوف بلغ مستويات خطيرة من التدهور، في ظل انعدام الأمن، وانتشار الجريمة، وتفشي القمع الممنهج ضد السكان المحتجزين.
وكشف أن ساكنة المخيمات تعاني من الحرمان من أبسط ضروريات الحياة، وسط صمت دولي غير مبرّر، مشيرا إلى أن المجموعات المسلحة، التي تحظى بحماية ضمنية من قادة البوليساريو، باتت تهدد السلم الداخلي وتمنع توزيع المساعدات، مما يزيد من معاناة المدنيين.
ودعا الباحث المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، والضغط على الجزائر للجلوس إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة، تنفيذا لقرار مجلس الأمن الأخير، الذي أكد أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الحل الوحيد والعملي للنزاع.
وشدّد على أن استمرار الجزائر في عرقلة مسار التسوية لا يخدم سوى مصالحها الضيقة، بينما يدفع المحتجزون الثمن من أمنهم وكرامتهم وحياتهم اليومية.
وخلص إلى أن إنهاء هذا النزاع لم يعد خيارا سياسيا، بل ضرورة إنسانية وأمنية ملحّة، لأن استقرار منطقة الساحل والصحراء مرهون بتحرير تندوف من واقعها المأساوي وفتح أفق جديد للحوار والتنمية والسلام.

