يواجه المنتخب الوطني المغربي محطة مفصلية في مشواره القاري، عندما يدخل غمار ربع نهائي كأس أمم إفريقيا في مواجهة قوية أمام منتخب الكاميرون، في لقاء تحكمه اعتبارات الحسم والجاهزية أكثر مما تحكمه الحسابات النظرية.
وتندرج هذه المباراة ضمن سياق تنافسي دقيق، تبرز فيه أهمية التفاصيل التكتيكية والاختيارات التقنية، بالنظر إلى طبيعة الأدوار الإقصائية وما تفرضه من تركيز عال وانضباط جماعي، وسط تطلعات جماهيرية واسعة ببلوغ المربع الذهبي. وبالتالي إلى أي حد ينجح المنتخب الوطني في ترجمة طموحه القاري إلى أداء مقنع ونتيجة تؤهله لمواصلة المسار؟
♦جاهزية متذبذبة وأسئلة مشروعة
يرى المحلل الرياضي عبد الحميد الرويجل أن المنتخب الوطني المغربي يدخل مواجهة الكاميرون في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا وسط مؤشرات أداء متباينة، تفرض تعاطيا تكتيكيا دقيقا وحسما في الاختيارات التقنية، في ظل خصم يتمتع بالقوة البدنية والتوازن الجماعي، ما يجعل المواجهة اختبارا حقيقيا لمدى جاهزية “أسود الأطلس” للمنافسة على اللقب.
ويؤكد عبد الحميد في تصريح لجريدة “شفاف” أن مسار المنتخب الوطني في دور المجموعات كشف عن تذبذب واضح في الأداء، سواء على مستوى النسق الجماعي أو على صعيد الانسجام داخل التشكيلة الأساسية.
وأفاد المتحدث أن المعطيات التي أفرزتها المباريات الأولى توحي بأن الطاقم التقني فضّل الحفاظ على قدر من الثبات في اختياراته البشرية، مع التعويل على عناصر وُضعت في صلب التصور التقني للمنتخب خلال هذه المنافسة، غير أن هذا التوجه لم ينعكس بشكل منتظم على مستوى الأداء والنجاعة داخل المستطيل الأخضر.
ويوضح المحلل أن المباراة الثانية، رغم أهميتها التنافسية، لم تكن كافية لتقديم تقييم دقيق وشامل لمستوى المنتخب، في حين أفرزت المباراة الثالثة بعض ملامح التغيير على مستوى النهج التكتيكي وتوزيع الأدوار داخل المجموعة، وهي مؤشرات اعتبرها مرتبطة جزئيا بضغط الانتظارات الجماهيرية والسعي إلى تحسين الأداء العام، مضيفا أن هذه المؤشرات ظلت محدودة الأثر ولم ترقَ إلى مستوى الطموحات المعقودة على منتخب يُصنَّف ضمن أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب.
في حوار مع “شفاف”.. الإطار الوطني محمد البكاري يُقَيم لائحة الركراكي لمواجهتي ليبيريا وبوركينا فاسو
ويشير عبد الحميد إلى أن الإشكال الأبرز تمثل في ضعف الفعالية الهجومية وغياب السيطرة في وسط الميدان خلال بعض الفترات، وهو ما أثر بشكل مباشر على قدرة المنتخب على فرض إيقاعه، مبرزا أن غياب بعض العناصر المؤثرة في وسط الميدان خلق فراغا واضحا على مستوى التوازن، وجعل الفريق يعاني في عملية الانتقال بين الدفاع والهجوم.
ويرى المتحدث أن المنتخب الوطني، قبل مواجهة الكاميرون، مطالب بإجراء تعديلات دقيقة، سواء على مستوى الأسماء أو الأدوار، مع ضرورة تحقيق توازن أفضل بين الخطوط.
ويعتبر أن تثبيت بعض اللاعبين في مراكزهم الطبيعية، خاصة على مستوى الأظهرة، قد يمنح الفريق صلابة أكبر، شريطة دعم ذلك بخيارات وسط ميدان قادرة على امتصاص الضغط وقطع الكرات وبناء اللعب في الآن ذاته.
♦كاميرون قوية ومتعددة الحلول
وبخصوص المنتخب الكاميروني، يوضح عبد الحميد أن الصورة النمطية القديمة لـ“الأسود غير المروضة” تغيّرت نسبيا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد المنتخب الكاميروني ذلك الفريق الذي يعتمد فقط على القوة البدنية والاندفاع، بل أصبح أكثر تنظيما وتوازنا، ومؤكدا أن النسخة الحالية من المنتخب الكاميروني تضم عناصر شابة، قادرة على اللعب بنفس النسق طيلة أطوار المباراة، مع تنوع واضح في الحلول الهجومية.
ويبرز المحلل أن من نقاط قوة الكاميرون قدرتها على التسجيل بطرق مختلفة، سواء عبر الكرات الثابتة، أو التسديدات البعيدة، أو الاختراقات السريعة من العمق والأطراف، ما يجعل مراقبتها تتطلب تركيزا عاليا وانضباطا تكتيكيا كبيرا، مشيرا إلى أن المنتخب الكاميروني يجيد التحول السريع من الدفاع إلى الهجوم، مستفيدا من السرعة والقوة البدنية للاعبيه.
في المقابل، لا يخفي عبد الحميد وجود بعض نقاط الضعف في صفوف المنتخب الكاميروني، خاصة على مستوى العمق الدفاعي. ويؤكد أن بعض المباريات كشفت عن هشاشة نسبية في هذا الجانب، خصوصا عند مواجهة فرق تعتمد على التحركات السريعة خلف المدافعين، معتبرا أن استغلال هذه المساحات يتطلب جرأة في الاختيارات الهجومية، وحسن تمركز للمهاجمين القادرين على خلق الارتباك داخل منطقة الجزاء.
كما يلفت المتحدث إلى أن الأظهرة الكاميرونية، رغم أدوارها الدفاعية والهجومية المهمة، قد تترك مساحات في حال عدم التنسيق الجيد مع لاعبي الوسط، وهو ما يمكن استثماره إذا أحسن المنتخب الوطني استغلال العرضيات والتحركات بدون كرة.
♦خيارات تكتيكية وحسم المباراة
في تحليله للسيناريوهات المحتملة للمواجهة، يرى عبد الحميد أن المباراة ستكون في مجملها متكافئة، يغلب عليها الطابع التكتيكي والحذر المتبادل، خاصة بالنظر إلى حساسية الدور الإقصائي وقيمة المنتخبين، متوقعا أن يتركز الصراع في وسط الميدان، حيث سيكون التحكم في الإيقاع مفتاح الفوز.
ويبين على أن الاستراتيجية المثلى للمنتخب الوطني تتمثل في اللعب على المساحات، خصوصا خلف الدفاع الكاميروني، مع تنويع طرق بناء الهجمة وعدم الاقتصار على أسلوب واحد، مؤكدا أهمية التحركات الذكية للمهاجمين، بهدف سحب المدافعين وفتح ممرات تسمح بالاختراق أو التسديد.
وعلى المستوى الدفاعي، يحذر عبد الحميد من خطورة المهاجمين الكاميرونيين، داعيا إلى تقليص المسافات بين الخطوط، وتحسين التمركز، وتفادي الأخطاء الفردية التي قد تكون مكلفة في مباراة من هذا الحجم، موضحا أن التحكم في المساحة بين الدفاع ووسط الميدان يظل عاملا حاسما لتقليل خطورة الهجمات المرتدة.
ولفت المتحدث الانتباه إلى أن المنتخب الوطني، إذا ما أراد الذهاب بعيدا في البطولة، مطالب بتحسين مردوديته في الكرات الثابتة، سواء دفاعيا أو هجوميا، معتبرا أن هذه التفاصيل غالبًا ما تصنع الفارق في المباريات الكبيرة.
وفيما يخص التوقعات، يقر عبد الحميد بصعوبة التكهن بنتيجة المباراة، نظرا لتقارب المستوى وخبرة المنتخبين في المنافسات القارية، مرجحا أن تُحسم المواجهة بفارق هدف واحد، في مباراة قد تمتد إلى تفاصيل صغيرة، يكون فيها التركيز والفعالية هما الفيصل الحقيقي بين التأهل والإقصاء.

