تتجه القدرة الادخارية للأسر المغربية نحو مزيد من التآكل، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية التي لم تعد تقتصر على أسعار المواد الغذائية فحسب، بل طالت أيضًا آفاق سوق الشغل وتكلفة المعيشة بشكل عام، حيث كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن نسبة الأسر التي تتوقع القدرة على الادخار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة لم تتجاوز 11.2% فقط خلال الفصل الأول من سنة 2025 (أي أن أزيد من 88 % من الأسر لا تتوقع أي قدرة على الادخار خلال الـ12 شهراً القادمة)، وهو ما يعكس استمرار حالة القلق وعدم الاستقرار التي تطبع مزاج الأسر إزاء المستقبل الاقتصادي.
وتقابل هذه المؤشرات نسب مقلقة أخرى، حيث تتوقع أزيد من 80% من الأسر ارتفاعًا في معدلات البطالة، بينما لا يزال معظم المستجوبين يسجلون ارتفاعًا مضطردًا في أسعار المواد الغذائية، وفي هذا المشهد، تطرح أبعاد هذه الأرقام تساؤلات ضمنية حول مدى فعالية السياسات الاقتصادية المعتمدة، ومدى قدرتها على استعادة ثقة الأسر وتعزيز منسوب الأمل لدى الفئات المتوسطة والهشة، كما تعيد طرح إشكالات توزيع الدخل ومردودية البرامج الاجتماعية التي يفترض أن تشكل صمّام أمان في ظرفية موسومة بعدم اليقين الاقتصادي.
أكثر من 88% من الأسر المغربية لا تتوقع الادخار خلال العام المقبل
♦ تراجع القدرة الادخارية
أبرز محمد الشيكر، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن هذه المؤشرات تعكس واقعًا مقلقًا لم تُفلح البرامج الاجتماعية ولا التحويلات المباشرة في التخفيف من حدته، مرجعًا ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي تُضعف القدرة الشرائية وتزيد من هشاشة الأسر، رغم التدخلات العمومية المعلنة.
ويشير الشيكر في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن ارتفاع الأسعار منذ مرحلة ما بعد جائحة “كوفيد-19” كان له أثر بالغ، لاسيما في ظل تزامنه مع مواسم جفاف متتالية، ضربت القطاع الفلاحي بشكل مباشر، وهو ما انعكس على المداخيل خاصة في المناطق القروية.
إحصاء 2024 يكشف ارتفاع معدل البطالة.. فما الأسباب وراء تنامي الظاهرة وأين تكمن الحلول؟
وأضاف رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن الوضع تفاقم أكثر بفعل محدودية الاقتصاد الوطني في امتصاص البطالة، وهي نقطة ضعف هيكلية تجعل سوق الشغل أقل قدرة على توليد فرص عمل كافية ومتنوعة.
♦ الاقتصاد والبطالة
في قراءته لانتظارات الأسر بشأن تطور البطالة، التي تجاوزت 80% منها توقعات بارتفاع معدلاتها، يرى الشيكر أن هذه المخاوف ليست عشوائية، بل تستند إلى إدراك جماعي لطبيعة الاقتصاد المغربي وقدرته المحدودة على خلق فرص الشغل.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي، أن معدل البطالة وفق آخر الإحصاءات الرسمية تجاوز 20%، وهو رقم كبير يعكس عمق الأزمة البنيوية في سوق الشغل الوطني.
ورغم بعض الآمال التي ارتبطت بالأمطار الأخيرة، والتي قد تساهم نسبيًا في تحريك سوق العمل القروي، يوضح الشيكر أن هذه التأثيرات تبقى ظرفية ومحدودة إذا لم تتبعها إصلاحات اقتصادية أعمق.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وأكد رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن ثقة الأسر في المستقبل تنبني على تتبعها للواقع الملموس، وليس فقط على المعطيات المجردة، ما يجعل من التوقعات السلبية مرآة حقيقية لحالة الاقتصاد.
♦ إشكالات هيكلية
حول ما إذا كانت هذه المؤشرات تعكس فشل السياسات الاقتصادية أم تأخرًا في التفاعل مع الصدمات الخارجية، يرد الشيكر بأن أصل الأزمة اقتصادي داخلي، وليس نتيجة تفاعلات دولية فقط.
وأردف أن للمغرب اقتصاد غير مندمج بشكل كبير في السوق العالمية، ولهذا لا يتأثر بالأزمات العالمية بنفس الحدة التي تعرفها الاقتصادات المتقدمة.
وأرجع الخبير والمحلل الاقتصادي، المشكل الأكبر الذي يواجه المغرب في هذا الجانب، إلى الطابع البنيوي للأزمات التي عاشتها البلاد ولا تزال؛ ولاسيما الأمور المرتبطة بضعف الإنتاجية، وهشاشة التشغيل، واتساع القطاع غير المهيكل.
وشدد على أن الاقتصاد المغربي لا زال يعاني من تباين واضح بين مكوناته، حيث تتعايش أنماط اقتصادية متعددة، سواءً المهيكل وغير المهيكل، أو التضامني وغير المشروع، ما يجعل ميكانيزمات السوق التقليدية غير فعالة بالشكل المطلوب.
وأوضح رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أنه استحضارًا لما سبق؛ فأي صدمة مهما كانت طبيعتها، تجد اقتصادًا هش البنية ومحدود الاستجابة، ولا يملك أدوات داخلية فعالة للامتصاص.
♦ محدودية الأدوات النقدية
عن دور السياسات النقدية والمالية في تحسين مناخ الثقة لدى المستهلكين، يوضح الشيكر أن السياسة النقدية في المغرب، كما يقر بها بنك المغرب، تظل محافظة أو “أرثوذكسية”، حريصة على الانضباط وتجنب الانزلاقات.
وتابع الخبير الاقتصادي أن هذا الانضباط لا يُفضي بالضرورة إلى تدخلات فعالة في السياق الراهن، نظرًا لضعف آليات الانتقال النقدي في الاقتصاد المغربي.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وذكر أنه على سبيل المثال تظل تأثيرات رفع أو خفض نسب الفائدة محدودة، لأن البنية الاقتصادية لا تسمح بانتقال فعّال لهذه القرارات إلى باقي المكونات الإنتاجية.
وأرجع ما سبق إلى هشاشة السوق، وتعدد أنماط الفاعلين الاقتصاديين، ما يتطلب تجاوز الفهم الكلاسيكي لتأثير السياسة النقدية على الاستهلاك والاستثمار، لصالح مقاربة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية المغربية.
♦ حلول ممكنة
في ظل هذا الوضع، يؤكد الشيكر أن تحسين القدرة الشرائية وتحفيز الادخار يتطلبان قبل كل شيء تحريك عجلة الاقتصاد، ودفعه نحو دينامية أكثر شمولًا.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي أن التشغيل يظل نقطة ارتكاز أساسية، لا سيما في صفوف الشباب، الذين يمثلون النسبة الأكبر من القوى المعطلة.
وأوصى بضرورة التفكير في حلول إبداعية لتشغيل 15 مليون مغربي خارج سوق الشغل حاليًا، -وفق ما كشفته عنه المندوبية السامية للتخطيط في نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024-، والذين يشكلون طاقة معطلة تنتظر تفعيلًا حقيقيًا.
ويرى أن رفع الأجور يمكن أن يشكل أحد المفاتيح، ولكن ليس بالضرورة عبر الزيادات المباشرة، بل من خلال إعادة النظر في النظام الضريبي لجعله أكثر عدالة وتحفيزًا للطلب الداخلي.
ولفت إلى أن مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث سيصدر قريبًا دراسة مفصلة حول إشكالية البطالة والتشغيل، تتضمن توصيات قابلة للتنفيذ ضمن رؤية استراتيجية للنهوض الاجتماعي والاقتصادي.

