تحتضن مدينة أكادير ما بين 8 و12 دجنبر الجاري، الاجتماع الرئيسي للتخطيط لتمرين “الأسد الإفريقي 2026”، الذي تنظمه القوات المسلحة الملكية بشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الصديقة، في إطار التحضيرات لأكبر مناورات عسكرية بالقارة الإفريقية، حيث يأتي هذا الاجتماع لبحث قضايا قابلية التشغيل البيني، والدعم اللوجيستي، واندماج القوات في مجالات برية وجوية وبحرية وعمليات خاصة؛ تحضيرًا لنسخة 2026 المرتقب تنظيمها بين 20 أبريل و8 ماي بعدد من مناطق المملكة؛ من بينها أكادير وطانطان وتارودانت والقنيطرة وبنجرير.
ويُسجل هذا الحراك العسكري في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات الأمنية، وبصدور قرار مجلس الأمن رقم 2779؛ الداعي إلى مفاوضات جادة بشأن مقترح الحكم الذاتي المغربي، ما يفتح الباب أمام قراءات أعمق لأبعاد هذه المناورات، وحول إن كانت ستعكس مستجدات تمرين “الأسد الإفريقي” تحولاً في موازين القوة الإقليمية، وعن إن كان يحمل توسيع نطاق المشاركة وتنوع المعدات العسكرية رسائل غير مباشرة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين، أم أن هذه التمارين تندرج أساسًا ضمن رؤية المغرب لترسيخ الأمن المشترك وتعزيز موقعه كفاعل استراتيجي محوري في محيطه.
القيادة العليا للمنطقة الجنوبية بأكادير تحتضن بأكادير اجتماعات التنسيق لتمرين “الأسد الإفريقي”
❖ تمرين غير تقليدي
يعتبر هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن تمرين “الأسد الإفريقي 2026” لا يمكن اختزاله في كونه مناورات عسكرية دورية، بل ينبغي قراءته كأداة دبلوماسية–عسكرية موازية للتحرك المغربي داخل أروقة الأمم المتحدة، ورافعة استراتيجية تعكس التحولات العميقة في موقع المملكة ضمن معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
وأبرز معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن حجم تمرين “الأسد الإفريقي”، واتساع رقعة تنظيمه، وتنوع الدول المشاركة فيه، تؤكد أن الأمر يتعلق بمنصة استراتيجية تتجاوز البعد التقني العسكري، لافتًا إلى أن المناورات أضحت جزءًا من “القوة المركبة” التي تمزج بين الجاهزية العملياتية والدلالات السياسية المضمرة.
“جبل الصحراء” في مواجهة سباق التسلح الجزائري.. توازن استراتيجي أم تنافس مفتوح؟
وأوضح أن مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية وشركاء دوليين آخرين تعكس اعترافًا عمليًا بالدور الاستراتيجي الذي بات يلعبه المغرب في شمال إفريقيا والساحل، مشيرًا إلى أن هذا الاعتراف لم يعد خطابيًا، بل مترجمًا إلى تعاون ميداني وتخطيط عملياتي متقدم.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية، أن احتضان المغرب لأكبر تمرين عسكري بالقارة الإفريقية يمنحه رأسمالاً دبلوماسيًا جديدًا، يجعل من الطرح المغربي في القضايا الإقليمية، وعلى رأسها قضية الصحراء، أكثر قوة ومصداقية داخل المنتديات الدولية.
❖ سياق أممي
في ربطه بين المناورات والسياق السياسي الدولي، شدد هشام معتضد على أن تمرين “الأسد الإفريقي 2026” يأتي في ظرفية أممية دقيقة، يطبعها صدور قرار مجلس الأمن رقم 2779، الداعي إلى مفاوضات جادة وواقعية حول مقترح الحكم الذاتي.
وأوضح أن التمرين يشكل في هذا الإطار؛ ورقة دعم غير مباشرة للمسار السياسي الذي يتبناه المغرب، معتبرًا أن التحرك العسكري المحسوب، حين يندمج في إطار الشرعية الدولية، يتحول إلى قوة إسناد للمفاوضات وليس إلى عامل تصعيد.
وأشار إلى أن رفع مستوى الانخراط الأمريكي في المغرب يعكس تحول الشراكة الاستراتيجية بين البلدين من تعاون تقني إلى عنصر أساسي في هندسة أمنية إقليمية جديدة، تضع المغرب في موقع “دولة الاستقرار” القادرة على تنفيذ الرؤى الأممية المتعلقة بالأمن والسلم.
❖ رسائل القوة
في حديثه عن توسيع دائرة المشاركة في تمرين 2026، أوضح معتضد أن هذا المعطى ليست له دلالات عسكرية فحسب، بل يعكس قبولاً إقليميًا متزايدًا بالدور المغربي كفاعل منسق في الترتيبات الأمنية، وليس مجرد طرف منخرط فيها.
وأضاف أن تنوع الأسلحة والمعدات المستخدمة يعكس انتقال التمرين إلى مستوى متقدم؛ يقوم على اختبار الجاهزية للعمليات متعددة المجالات، حيث لم يعد الفصل قائما بين البر والبحر والجو، بل باتت الجيوش مطالبة بالعمل ضمن فضاء عملياتي موحد.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأبرز أن هذه الرسائل موجهة كذلك إلى الداخل، إذ تسمح للقوات المسلحة الملكية بتقييم قدرتها على استيعاب التكنولوجيات الحديثة، والحرب الشبكية، ومنظومات القيادة والسيطرة المشتركة، ما يعزز التحول البنيوي الذي تعرفه العقيدة الدفاعية المغربية.
وأردف أنه من منظور الهندسة العسكرية، يقدم تمرين “الأسد الإفريقي” للمغرب فرصة استثنائية لتطوير “قابلية التشغيل البيني” (Interoperability) مع جيوش كبرى، وهي القدرة التي تحدد اليوم قوة أي حليف في المعادلات الاستراتيجية.
❖ هندسة الأمن
على مستوى التوازنات الإقليمية، أبرز هشام معتضد أن المغرب يشهد انتقالاً نوعيًا من موقع “الدولة المحورية” إلى “الدولة الرابطة”، أي الدولة التي تصل بين مجالات أمنية متعددة تشمل المتوسط والساحل والأطلسي وإفريقيا الغربية.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذا التموضع يمنح المملكة قدرة فريدة على لعب أدوار أمنية متعددة، ليس فقط عبر القنوات الدبلوماسية، بل أيضًا من خلال الحضور الميداني المدروس والعمليات المشتركة.
وشدد على أن تمرين “الأسد الإفريقي” يمثل جزءًا من رؤية استراتيجية شاملة، تجعل من الجاهزية العسكرية المغربية أداة تفاوضية ناعمة تعزز موقع المملكة في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وتكرسها فاعلاً مركزيًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.

