أثار ما نشرته ابتسام لشكر على حائطها الفايسبوكي، وما ترتب عنه من اعتقالها، نقاشا واسعا حول واقع حرية التعبير في المغرب، وحدودها القانونية والأخلاقية، ومدى انسجام الممارسة مع مقتضيات الدستور والمواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة.
واعتبر مدافعون عن الحقوق الفردية أن الواقعة تضع من جديد ملف الحريات تحت المجهر، وتفتح الباب أمام مراجعة آليات تنزيل الالتزامات الدولية على أرض الواقع.
فيما يرى قطاع من الرأي العام أن ما وقع تجاوز صريح لحرية التعبير، لما تضمنه المنشور من مساس بالثوابت الدينية والثقافية، واصطدام بالحساسية الاجتماعية التي تحكم مجتمعا مغربيا مسلما يتقاسم قيما راسخة.
♦إساءة تهدد الوحدة الوطنية
شدد إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان على أن نشر صور ومحتويات مسيئة للذات الإلهية لا يمكن اعتباره ضمن حرية التعبير، بل هو اعتداء صارخ على مشاعر ملايين المغاربة واستفزاز فج للأغلبية الساحقة من المواطنين، الذين يعتبرون الدين الإسلامي الركيزة الأساسية لهويتهم ومصدر وحدتهم الوطنية.
وأوضح رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان في تصريح لجريدة “شفاف”، أن ما حدث لم يكن طرحا فكريا أو نقدا موضوعيا يهدف إلى إثراء النقاش العام، وإنما إساءة متعمدة تستهدف أقدس المقدسات وتضرب في صميم القيم الجامعة التي تحافظ على السلم الاجتماعي.
وأشار الفاعل الحقوقي إلى أن هذه الأفعال تمثل تجاوزا للخطوط الحمراء التي يتفق عليها المجتمع المغربي، مذكرا بأن المس بالمقدسات الدينية لا يخدم أي مشروع إصلاحي أو تقدمي، بل يفتح الباب أمام الانقسام المجتمعي ويزرع بذور الفتنة، مما يهدد الاستقرار الروحي والاجتماعي الذي يقوم عليه الوطن.
♦حرية التعبير بين الإطار القانوني والمرجعية الدولية
أبان السدراوي أن حرية التعبير، كما نص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ليست حقا مطلقا بلا حدود، بل مقيدة باحترام النظام العام والآداب العامة وحقوق الآخرين.
واستشهد المتحدث بالمادة 20 من العهد التي تحظر صراحة أي دعوة للكراهية الدينية أو التحريض على العداوة أو العنف، معتبرا أن إهانة الذات الإلهية تتناقض مع هذه المبادئ، لأنها تغذي أجواء الاحتقان وتفتح المجال أمام النزاعات الطائفية أو الانقسامات الفكرية الحادة.
وبيّن أن الموقف المغربي واضح وحاسم من الناحية الدستورية والتشريعية؛ فالدستور يضع الدين الإسلامي في قلب ثوابت الأمة، بينما يجرم القانون الجنائي، من خلال الفصول 267-5 و220 و222، أي مساس بالمقدسات الدينية.
وفسر المتحدث على أن هذه النصوص ليست ترفا تشريعيا، بل هي أداة لحماية الوحدة الوطنية وصون الاستقرار الروحي، مع ضمان أن تبقى حرية التعبير إطارًا للنقاش المسؤول وليس منصة للإساءة أو التحريض.
♦انعكاسات خطيرة ودعوة لحماية السلم الاجتماعي
انتقد السدراوي بشدة التداعيات السلبية لمثل هذه التصرفات على النقاش الحقوقي، معتبرا أنها لم تحقق أي مكسب لحرية التعبير، بل شوهت صورتها أمام الرأي العام، وأعطت مبررا لخصوم الحريات للمطالبة بفرض قيود إضافية على المجال العام.
وأكد أن هذه الأفعال تسيء إلى النقاش الديمقراطي الجاد، وتصرف الانتباه عن القضايا الوطنية الكبرى التي تستحق البحث والحوار، لتجر المجتمع إلى صراعات جانبية لا تخدم الإصلاح ولا الكرامة الإنسانية.
وأظهر على أن حرية التعبير الحقيقية هي التي تفتح آفاق الفكر والنقد البناء، لا التي تتعمد استفزاز أقدس ما لدى الناس، معتبرا أن المس بالمقدسات ليس بطولة ولا إبداعا، بل سلوك طائش يهدد تماسك المجتمع ويقوض أسس التعايش بين مكوناته.
وجدد السدراوي التأكيد على ضرورة التصدي لمثل هذه الممارسات، معتبرا إياه واجب قانوني وأخلاقي، يهدف إلى الدفاع عن القيم الجامعة، وحماية السلم الاجتماعي، وضمان أن تبقى حرية التعبير في المغرب أداة للنهوض بالوعي المجتمعي لا وسيلة للإساءة أو العبث بالمشاعر الدينية للأغلبية الساحقة من المواطنين.
♦اعتقال لشكر وإعادة طرح إشكالية الحريات الفردية
وفي الإطار ذاته، يرى رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب محمد رشيد الشريعي، على أن اعتقال الناشطة ابتسام لشكر فجر نقاشا واسعا في الأوساط الحقوقية والسياسية والإعلامية، حول وضعية الحريات الفردية في المغرب، ومدى توافق الممارسات الرسمية مع مضامين الدستور والالتزامات الدولية للمملكة.
وشرح رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن هذه الحادثة تطرح تساؤلات جوهرية حول جدية الدولة في تنزيل الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية التي صادقت عليها، خاصة في الشق المتعلق بالحقوق والحريات، مشيرا إلى أن احترام هذه الالتزامات ليس خيارا تكتيكيا، بل هو مسار استراتيجي يرتبط ببناء دولة ديمقراطية حديثة تستوعب جميع الأطياف وتضمن العيش المشترك في ظل قيم الاحترام المتبادل.
وأضاف أن أي ديمقراطية حقيقية لا يمكن أن تستقيم مع الفكر الإقصائي أو النزعة الدغمائية أو التشدد، بل تحتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية تتسع للاختلاف وتحتضنه كجزء من التعددية الطبيعية للمجتمع.
وتابع الشريعي أن هذه الواقعة، بما تحمله من أبعاد قانونية وأخلاقية وثقافية، تمثل اختبارا لمقدار التوازن الذي تستطيع الدولة تحقيقه بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والدينية من جهة، وضمان الحقوق الفردية وحرية التعبير من جهة أخرى.
واستطرد أن المسألة ليست مرتبطة بشخص أو حالة فردية بقدر ما هي مرتبطة بمنهجية التعامل مع كل ما يلامس الحريات، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والفكرية التي يعرفها المغرب والعالم.
♦التحدي المجتمعي في تقبل الاختلاف
أبرز الشريعي أن النقاش حول الحريات الفردية في المغرب لا يقتصر على الإطار القانوني والمؤسساتي، بل يمتد إلى البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي، الذي لا يزال في جزء كبير منه محافظا في رؤيته للتصرفات الفردية الخارجة عن المألوف.
وفسر أن حادثة لشكر، وفق ما يراه قطاع واسع من المواطنين، لا تختزل في إطار ممارسة حرية التعبير، بل تحمل إساءة مزدوجة؛ إذ تعد من جهة تجاوزا لحدود هذه الحرية عند المساس بالثوابت الدينية والثقافية، ومن جهة أخرى تصطدم بالحساسية الاجتماعية الراسخة في مجتمع مغربي مسلم يتقاسم قيما موحدة.
ولفت إلى أن هذه المعطيات تضع أي مبادرة لتعزيز الحريات الفردية أمام معادلة صعبة، إذ ينبغي العمل على خلق بيئة مجتمعية تتقبل الاختلاف وتفهم أن وجود أصوات ومواقف مغايرة لا يهدد التماسك الاجتماعي بالضرورة، بل قد يكون دافعا لتعميق الحوار الداخلي وتعزيز النضج الديمقراطي.
وبين الشريعي أن حماية الحريات الفردية لا تعني السماح بانتهاك الثوابت أو إقصاء الرأي العام المحافظ، بل تقتضي إدارة التباين بطريقة تحافظ على السلم الاجتماعي وتتيح للجميع فرصة التعبير عن مواقفه دون تخوين أو إقصاء.
وأفصح المتحدث على أن المجتمع المغربي بحاجة إلى نقاش صريح حول طبيعة القيم المشتركة التي تجمعه، وكيفية التوفيق بينها وبين القيم الكونية لحقوق الإنسان، بما يضمن انسجاما بين الانفتاح على المواثيق الدولية والحفاظ على الخصوصية الثقافية، مضيفا أن هذا النقاش ينبغي أن يخرج من دائرة التوتر اللحظي الذي تخلقه الحوادث الفردية، ليتحول إلى ورش وطني منظم يشارك فيه الفاعلون السياسيون والحقوقيون والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية.
♦دعوة لورش وطني حول الحريات وحقوق الإنسان
دعا الشريعي الدولة المغربية إلى تحمل مسؤوليتها في فتح ورش حقيقي للنقاش العمومي، يهدف إلى صياغة رؤية متوازنة حول الحريات الفردية وحقوق الإنسان في شموليتها، بما يراعي السياق الوطني ويستجيب للالتزامات الدولية للمملكة. مؤكدا أن هذا الحوار ينبغي أن يبتعد عن المقاربات الانفعالية أو المعالجات الظرفية، وأن يركز على بناء توافق مجتمعي طويل المدى، يقوم على الإقناع لا الفرض، وعلى التدرج لا الصدام.
ونبه المتحدث إلى أن الحرية، مهما كانت أهميتها، تظل نسبية وتخضع لضوابط أخلاقية وقانونية، غير أنها في الوقت ذاته يجب أن تمارس بحرية ومسؤولية في القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطنين ومعيشتهم، مثل الحق في التعليم والصحة والعمل والكرامة، مبينا أن التركيز على هذه القضايا الحقيقية من شأنه أن يعزز وعي المجتمع بأهمية الحقوق، ويدفعه إلى الانخراط في الدفاع عنها باعتبارها أساس التنمية والاستقرار.
وخلص الفاعل الحقوقي إلى أن تحقيق التوازن بين حماية الثوابت وضمان الحريات الفردية يتطلب إرادة سياسية جادة، ومبادرات مجتمعية مسؤولة، وإصلاحات قانونية واضحة، حتى يصبح النقاش حول حقوق الإنسان في المغرب نقاشا بنّاء ينتج حلولا عملية، لا مجرد سجالات موسمية تنتهي بانتهاء الحدث الذي فجرها.

