دخلت الأحزاب الثلاثة المكونة للأغلبية الحكومية في سباق لإصدار بلاغات سياسية متزامنة، تعترف من خلالها لأول مرة بوجود تقصير في تعاطيها مع القضايا الحيوية للشباب المغربي، في ظل موجة احتجاجات قادها “جيل Z” على منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع، رافقتها انفلاتات أمنية غير مسبوقة منذ ربع قرن، وجاء هذا الاعتراف السياسي في ظرف دقيق تميز بارتفاع منسوب الغضب الشعبي، وتتقاطع هذه المطالب مع انتقادات وزراء في الحكومة نفسها، وعلى رأسهم وزير الصحة الذي أقرّ بعجز المنظومة الصحية عن الاستجابة لانتظارات المواطنين.
وبينما حاولت الأحزاب المكونة للتحالف الحكومي إظهار انفتاحها على مطالب الشباب من خلال لغة الحوار والإنصات، بدا واضحًا أن الهوة ما تزال واسعة بين الشعارات المرفوعة في الشارع ولغة الأرقام والبرامج الحكومية، ما يثير تساؤلات حول كفاية التفاعل عبر البلاغات لمواجهة جيل يعبر بأساليب مختلفة وغير مألوفة، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها معالجة التناقض بين المقاربة الأمنية لحفظ النظام العام ودعوات الحوار والانخراط المؤسسي، وكذا جدوى الاعتراف السياسي إذا لم يترجم إلى إجراءات عملية تعيد الثقة المفقودة بين الشباب ومؤسسات الدولة.
أخنوش: الاحتجاجات أدت إلى وفاة 3 أشخاص وإصابة المئات من القوات العمومية والحكومة مستعدة للحوار
❖ أزمة ثقة
يرى عبد النبي صبري، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن اعتراف أحزاب الأغلبية الحكومية بتقصيرها تجاه قضايا الشباب في هذا التوقيت ليس مجرد إجراء بروتوكولي أو بلاغ سياسي، بل يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المغرب، خاصة في ظل تصاعد احتجاجات “جيل Z”.
وقال صبري في تصريح لجريدة “شفاف”، إن هذا الجيل الذي يتنفس عبر الفضاء الرقمي ويتابع مستجدات العالم في لحظتها، لا يمكن إقناعه بخطابات مؤجلة أو وعود غامضة، بل ينتظر استجابة سريعة وملموسة لمشاكله الحياتية اليومية.
وأردف أنه كان على الأحزاب أن تعمل منذ البداية على تجنيب البلاد هذا المنزلق، عبر بلورة برامج حقيقية تعزز فرص التعليم العادل والتشغيل الكفيل بامتصاص البطالة المرتفعة، وكذا تنمية قدرات الشباب ومواهبهم بما يحول دون انزلاقهم إلى اليأس أو الاحتجاج غير المنظم.
إصرار الشباب المغربي على محاولة العبور نحو سبتة.. فما الأسباب ومن يتحمل المسؤولية؟
ولفت إلى أن ما وقع هو العكس؛ إذ ظلت قطاعات واسعة من الشباب تشعر بالتهميش، فيما اقتصرت مشاركة هذه الفئة غالبًا على كونها “احتياطي انتخابي” يُستدعى عند الحملات، ثم يُركن إلى الهامش حتى إشعار آخر.
وأكد أن أصل الأزمة هو غياب رؤية سياسية واضحة تدمج الشباب في مواقع القرار داخل الأحزاب والمؤسسات، وتمنحهم ثقة حقيقية بدل الاقتصار على الشعارات الظرفية، مبرزًا أن جيل اليوم لا يطلب فقط فرص الشغل، بل أيضًا الاعتراف بقدراته وحقه في المساهمة في صياغة السياسات العمومية.
❖ فجوة تواصل
يعتبر صبري أن أحد الأسباب الجوهرية لتفاقم الوضع هو الفجوة المتنامية بين لغة البلاغات الحكومية والواقع الميداني للشباب، فبينما تصدر تصريحات رسمية تتحدث عن إنجازات وأرقام، يعاين الشباب في حياتهم اليومية انسدادًا في آفاق التشغيل، وضعف الخدمات الاجتماعية، وغياب قنوات حقيقية للتواصل مع صناع القرار.
و”جيل Z” بحسب صبري، هو نتاج زمن رقمي جديد أعاد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية، وجعل من التكنولوجيا عاملاً محددًا في التعبئة والتأثير.
وأضاف ان الحكومة الحالية لم تنجح في استيعاب هذه التحولات، ولم تطور أدوات للتواصل مع هذا الجيل الذي يتفاعل عبر الوسائط الرقمية أكثر مما يتجاوب مع الخطب التقليدية أو القنوات الرسمية.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
واستطرد أن الأخطر من ذلك، هو أن بعض المسؤولين الحكوميين ساهموا في تأجيج الاحتقان من خلال تصريحات مستفزة أو غير مسؤولة، وهو ما يتناقض مع القسم الذي أدوه أمام الملك، ويضعف الثقة في جدية الحكومة.
ودعا أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، إلى محاسبة هذه الأصوات التي تعرقل أي محاولة لبناء علاقة سوية مع الشباب، مبرزًا أن الأمر قد يقتضي إقالة أو استقالة بعض الأعضاء الذين أثبتوا فشلهم في تدبير ملفاتهم.
❖ المقاربة الأمنية
يشدد صبري على أن المقاربة الأمنية، على أهميتها في حماية الأرواح والممتلكات، لا تكفي وحدها لبناء الثقة مع الشباب، لافتًا إلى أن غياب البعد التنموي في السياسات العمومية يجعل هذه المقاربة أشبه بحل ظرفي لا يعالج جذور الأزمة.
وأوضح أن الثقة تُبنى عبر الجمع بين الأمن والتنمية، من خلال مشاريع اقتصادية محلية، وفرص شغل للشباب، وتحسين التعليم والصحة، ومبادرات حقيقية على المستوى الترابي.
الاحتجاجات الشبابية في المغرب المطالبة بتحسين الخدمات الأساسية… كيف ستتعاطى الحكومة معها؟
وأشار إلى أن الخطاب الملكي الأخير، الذي شدد على أن المغرب يجب أن يسير بسرعة واحدة لا بسرعتين، يضع الأحزاب والحكومة أمام مسؤولية جسيمة لتجاوز منطق المشاريع الكبرى فقط، والانخراط في تنمية شاملة تستجيب لحاجيات المواطن اليومية.
وحذر من أن استمرار بعض القطاعات الحكومية في تجاهل هذا التوجيه قد يؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة، مشيرًا إلى أن غياب التناغم بين المقاربة الأمنية والتنموية هو الذي يجعل جزءًا من الشباب يشعر بالاغتراب عن الدولة ومؤسساتها.
❖ أزمة وساطة
يعتبر صبري أن الحراك الشبابي الأخير يعكس أزمة وساطة سياسية عميقة، فالأحزاب التقليدية ضعفت، والنقابات فقدت الكثير من قدرتها التمثيلية، والجمعيات المدنية تعاني من محدودية الدور.
وأبرز أن هذا الضعف لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سياسات مقصودة أحيانًا لإضعاف هذه الأجسام، مما جعلها غير قادرة على القيام بأدوارها الدستورية في تأطير الشباب وتمثيلهم.
محاولات الهجرة الجماعية.. أحداث تسائل مصير التعهدات الحكومية بخلق مليون فرصة عمل للشباب
وأردف أن الشباب وهو يرى أن بعض النواب يحتكرون المقاعد لسنوات طويلة، أو أن التزكيات الانتخابية تخضع للزبونية، يفقد الثقة في جدوى الانخراط الحزبي.
ونبه إلى أنه في ظل اتساع هذه الهوة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً عن الوساطة التقليدية، لكنها بديل غير مؤطر، مما يفتح الباب أمام انفلاتات يصعب ضبطها.
وشدد على أن المغرب في حاجة إلى أحزاب حقيقية تفتح أبوابها أمام الكفاءات الشابة، وتقطع مع الريع السياسي، وتعيد الاعتبار للعمل النقابي والمدني.
وأكد أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، على أنه دون مؤسسات وساطة قوية، ستظل العلاقة بين الدولة والشباب علاقة مباشرة متوترة، معرضة دوما للانفجار.
❖ سيناريوهات ممكنة
يرى صبري أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب تفكيرًا في سيناريوهات متعددة، تبدأ أولًا بفتح حوار وطني واسع مع الشباب؛ سواءً عبر المسؤولين المحليين أو عبر قنوات إعلامية وميدانية.
ولفت إلى أن إشراك الشباب في صياغة السياسات يشعرهم بأن صوتهم مسموع، ويحصّن احتجاجاتهم من الاختراق من طرف مندسين يسعون إلى التخريب.
وأردف أن السيناريو الثاني يتمثل في إقدام الحكومة على تعديل وزاري أو حتى استقالة، باعتبار أن اعترافها بالتقصير يجب أن يقترن بخطوات عملية لا تكتفي بالشعارات.
“جيل Z 212”.. هل يسعى الشباب لإعادة رسم خريطة التوازنات الاجتماعية والسياسية؟
واعتبر أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، أن إقرار الحكومة بالفشل دون تحمل المسؤولية لا يزيد سوى في تعميق الفجوة مع المجتمع.
وذكر أن السيناريو الثالث يرتبط بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، فلا يكفي الاستثمار في الملاعب والبنيات التحتية الكبرى، بينما يظل التعليم والصحة متعثرين.
وأشار إلى أن المواطن المغربي اليوم يقتسم راتبه بين المدارس الخاصة والمصحات، في وقت يفترض أن توفر الدولة خدمات أساسية في هذين القطاعين.
وشدد على ضرورة إطلاق جيل جديد من الإصلاحات العميقة، خصوصًا في مجالي التعليم والصحة، وعدم الاكتفاء بما يسميه “إصلاح الإصلاح”.
وأكد أن المطلوب هو إصلاح جذري يشارك فيه الأساتذة والنقابات والجمعيات والجهات المختصة والمعنية بهذه المجالات، بما يضمن فعالية حقيقية بدل التكرار السنوي لمحاولات ترقيعية.

