تتواصل تداعيات الأحوال الجوية غير المستقرة بعدد من الأقاليم الشمالية للمغرب، حيث سجلت مدينة القصر الكبير ارتفاعًا غير مسبوق في منسوب المياه عقب تساقطات مطرية كثيفة، ما خلف أضرارًا مادية وأثر على السير العادي للحياة اليومية.
وأفادت مصادر محلية بأن مياه الأمطار غمرت شوارع وأحياء سكنية منخفضة، فيما واجهت حركة التنقل صعوبات ملحوظة، خصوصًا في المحاور القريبة من مجاري المياه، وسط تدخلات ميدانية لمصالح الوقاية المدنية.
ويرتبط هذا الوضع، وفق المعطيات المتوفرة، بتراكم كميات كبيرة من الأمطار خلال فترة زمنية وجيزة، إضافة إلى عملية تصريف مائي وقائي بسد وادي المخازن، بعد بلوغ مستوى ملئه حدوده القصوى، ما ساهم في ارتفاع الضغط المائي بالمنطقة.
وتأتي هذه التطورات في سياق موجة اضطرابات جوية تشهدها مناطق عدة بالمملكة، أعادت إلى الواجهة تحديات تدبير مخاطر الفيضانات، خاصة في المدن المجاورة للأودية والمنشآت المائية.
♦اختلال مناخي وسياق استثنائي
وأكد الخبير البيئي محمد بنعبو أن الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير ومناطق أخرى من شمال المملكة تندرج ضمن سياق مناخي استثنائي، تميز بتساقطات مطرية غزيرة ومتتالية في فترة زمنية وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف، ما جعل القدرة الطبيعية للمنظومات البيئية والبنيات التحتية على الاستيعاب محدودة إلى حد كبير.
وأوضح بنعبو في تصريح لجريدة “شفاف”, أن المغرب عرف خلال الموسم الحالي حمولة مطرية غير مسبوقة، خصوصا على مستوى الشمال الغربي، حيث تم تسجيل مستويات إنذارية مرتفعة وصلت إلى اللون الأحمر، مع معدلات تساقطات تجاوزت 120 ملم في اليوم الواحد، وهو ما أدى إلى امتلاء عدد من السدود الكبرى عن آخرها، وفرض اللجوء إلى عمليات تفريغ تقنية لتفادي مخاطر تهدد سلامة هذه المنشآت.
وأبرز المتحدث أن هذا الوضع لا يمكن فصله عن التحولات المناخية التي تعرفها منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، المصنفة علميًا كـ“نقطة ساخنة” للتغير المناخي، حيث تتقاطع موجات الجفاف الطويلة مع فترات قصيرة من التساقطات العنيفة، ما يرفع من حدة الظواهر القصوى، مثل الفيضانات والسيول الجارفة.
وسجل الخبير أن ما يميز فيضانات هذه السنة هو تزامن ثلاثة عوامل رئيسية: غزارة الأمطار، تشبع التربة، وارتفاع منسوب المياه في السدود، وهو تزامن نادر الحدوث، لكنه مرشح للتكرار مستقبلا في ظل السيناريوهات المناخية المتوقعة، التي تشير إلى اختلال متزايد في توزيع التساقطات زمانيًا ومكانيًا.
ولفت بنعبو إلى أن الذاكرة الجماعية للمغاربة تأثرت بسنوات الجفاف المتتالية، ما خلق نوعا من الاعتياد على ندرة المياه، وجعل الوفرة المفاجئة تبدو غير متوقعة، رغم أن النشرات الإنذارية كانت واضحة بشأن حجم المخاطر المحتملة، وهو ما يطرح إشكالية التعامل المجتمعي والمؤسساتي مع الظواهر المناخية القصوى.
♦هشاشة التربة وتدبير الفيضانات
وفسر محمد بنعبو محدودية قدرة التربة على امتصاص كميات الأمطار المسجلة بكون سنوات الجفاف الطويلة تؤدي إلى فقدان التربة لجزء كبير من خصوبتها وبنيتها البيولوجية، ما يقلل من فعاليتها في تخزين المياه وتغذية الفرشات المائية، ويجعلها أقرب إلى سطح صلب غير نافذ.
وبيّن أن التربة، في الظروف الطبيعية، تلعب دورا محوريا في امتصاص المياه تدريجيا، لكن مع توالي سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، تفقد هذه الخاصية، لتتحول مياه الأمطار إلى جريان سطحي سريع يبحث عن المنخفضات الطبيعية، متجها نحو الأودية والأنهار، ثم إلى التجمعات السكنية القريبة.
وأشار الخبير إلى أن هذا الواقع يفسر سرعة تشكل السيول ودخولها إلى المدن، خصوصا تلك التي توسعت عمرانيا على حساب المجالات الطبيعية للفيضانات، أو التي تفتقر إلى شبكات صرف قادرة على استيعاب كميات استثنائية من المياه في وقت وجيز.
ونبه بنعبو إلى أن الفيضانات، رغم أضرارها، تبقى من الكوارث الطبيعية القابلة للتدبير والاحتواء، مقارنة بظواهر أخرى أكثر تدميرا مثل الزلازل أو البراكين، شريطة اعتماد مقاربة استباقية تقوم على التخطيط، واليقظة، والتواصل الفعال مع الساكنة.
ودعا المتحدث إلى تعزيز برامج الوقاية من المخاطر الطبيعية، من خلال تفعيل لجان اليقظة المحلية، وتوسيع نطاق أنظمة الإنذار المبكر، وتوفير ملاجئ مؤقتة في المناطق المهددة، إضافة إلى إدماج البعد المناخي في التخطيط العمراني، بما يقلل من حجم الخسائر البشرية والمادية.
وثمن بنعبو الدور الذي تقوم به السلطات المحلية، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، في تدبير حالات الطوارئ، مؤكدا أن التنسيق القبلي والتدخل السريع يساهمان بشكل حاسم في حماية الأرواح، ويحدان من الآثار السلبية لمثل هذه الكوارث.
♦الأمن المائي وربط الأحواض
اعتبر محمد بنعبو أن التساقطات الأخيرة، رغم ما خلفته من اضطرابات، تشكل فرصة بيئية مهمة لإعادة التوازن إلى المنظومات الطبيعية، سواء على مستوى الفلاحة، أو الغابات، أو الأنظمة الساحلية والبحرية، التي عانت بدورها من آثار الجفاف الطويل.
وشدد على أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في بناء المزيد من السدود، رغم أهميتها في الحماية من الفيضانات وتخزين المياه، بل في تطوير سياسة متكاملة لتثمين الموارد المائية، وعلى رأسها مشاريع الربط بين الأحواض المائية، التي أثبتت نجاعتها في ضمان الأمن المائي.
واستحضر الخبير تجربة الربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق، التي مكنت، في ظرف وجيز، من تحويل حوالي 550 مليون متر مكعب من المياه، بفضل كفاءات مغربية خالصة، وساهمت في تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب لمدن كبرى مثل الرباط، سلا، وتمارة.
وأوضح أن هذه التجربة تؤكد قدرة المغرب التقنية والمؤسساتية على تعميم هذا النموذج، وربط الأحواض المائية الغنية بالمناطق التي تعاني من خصاص حاد، مثل حوض أم الربيع، تانسيفت، والملوية، التي سجلت تراجعا مقلقا في منسوب المياه خلال السنوات الأخيرة.
وحذر بنعبو من أن السيناريوهات المناخية المستقبلية تشير إلى تمركز التساقطات أساسا في الشمال الغربي للمملكة، مقابل تحول تدريجي لباقي المناطق نحو مناخ شبه جاف أو جاف، ما يفرض تسريع وتيرة مشاريع التحويل المائي، بدل الاكتفاء بتدبير الأزمات الظرفية.
وخلص الخبير إلى أن الفيضانات التي يشهدها المغرب اليوم ليست حدثا معزولا، بل مؤشرا على مرحلة مناخية جديدة، تتطلب تغييرا جذريا في طرق التخطيط والتدبير، قائما على الاستباق، والتكامل بين السياسات العمومية، واستثمار كل قطرة ماء باعتبارها ركيزة أساسية للأمن المائي والغذائي الوطني.

