ازدادت الترقبات بخصوص مستقبل العلاقات بين الرباط والمغرب، بعدما شهد هذا الأسبوع حدثين هامين لهما ارتباط بالموضوع، أولهما يتمثل في استقبال زوجة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون للأميرات المغربيات في قصر الإليزيه، الإثنين الماضي، وثانيهما يرتبط بالزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي الجديد ستيفان سيجورني للرباط الأحد المقبل في أول زيارة له للمملكة منذ تعيينه في منصبه منذ 12 يناير الماضي.
وأعلنت الرئاسة الفرنسية، في مؤشر جديد إلى عودة الدفء تدريجيا للعلاقات الثنائية بعد فترة طويلة من الفتور، عن استقبال بريجيت ماكرون للأميرات للا مريم وللا أسماء وللا حسناء، في مأدبة غذاء بداية هذا الأسبوع، حيث أبرز “الإليزيه” في منشور على “إنستغرام” أن هذا اللقاء يأتي “استمرارا لعلاقات الصداقة التاريخية بين فرنسا والمملكة المغربية”.
Voir cette publication sur Instagram
وفي سياق متصل، ذكر الموقع الاستقصائي “Africa Intelligence”، أنه من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الفرنسي الجديد بنظيره المغربي ناصر بوريطة يوم 25 فبراير الجاري، مشيرا إلى أن هذه المقابلة رمزية بشكل خاص، بعد عدة أشهر من برود في العلاقات بين البلدين، موضحا أن من شأنها أن تجعل من الممكن إعادة إطلاق زيارة إيمانويل ماكرون المخطط لها إلى المملكة.
♦ دلالات لقاء سيجورني ببوريطة
يرى محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن الاشتراط الذي حدده الملك محمد السادس من أجل بناء وتعزيز الدول لشراكاتها وعلاقاتها مع المغرب، هو إظهار موقف واضح من طرفهم والخروج من المنطقة الرمادية فيما يتعلق بقضية الوحدة الترابية، لافتا إلى فرنسا أعطت مؤشرات أولية إيجابية في هذا الجانب.
وأضاف شقير أن فرنسا في هذا الصدد أكدت مؤخرا من خلال مندوبها الدائم بمجلس الأمن الدولي مساندتها للمقترح المغربي للحكم الذاتي؛ على اعتبار أنها مبادرة واقعية وجادة لحل النزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية، لافتا إلى أن المسؤول الفرنسي نفسه أبرز أن باريس كانت دائما داعمة للمملكة في هذا التوجه منذ صدوره (مقترح الحكم الذاتي) في 2007.
ولفت إلى أن ما سبق أعاد التأكيد عليه أيضا وزير الخارجية الفرنسية ستيفان سيجورني، حين أشار إلى أن الوقت قد حان للمضي قدما وإحداث تقارب بين باريس والرباط، مشددا على أن زيارة الأحد المرتقبة، لا بد أن تشهد تأكيدا على الموقف الفرنسي الداعم للوحدة الترابية، معتبرا أن هذه القضية تعتبر أولوية سياسية بالنسبة للمملكة.
مساعٍ فرنسية لإعادة العلاقات مع المغرب لسابق عهدها.. فهل تنجح باريس في إصلاح ما أفسدته؟
وأوضح أن إظهار أو إعلان فرنسا لموقفها أو تجديد تأكيده من أعلى المستويات السياسية لدى المسؤولين بقصر “الإليزيه” تم الحسم فيه جليا، ولم يتبقى غير الزيارة الرسمية المرتقبة لرئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون إلى الرباط، مشيرا إلى أن ما حدث من استقبال لأميرات المملكة من طرف زوجة الأخير والحضور المنتظر لوزير خارجيته للمغرب هي ترتيبات للقيام بهذه الخطوة القادمة.
وأضاف أن الدينامية التي تشهدها فرنسا بغية إحداث التقارب المنتظر مع المغرب، سبقتها عدة خطوات تم القيام بها من الجانبين؛ كتعيين السفيرين في كل من باريس والرباط واستقبال وتسلم أوراق اعتمادهما من طرف قائدي البلدين، لافتا إلى أن هذه الأمور تأتي تحضيرًا واستعدادًا للقاء المرتقب بين الملك محمد السادس وماكرون في قادم الأشهر.
وتابع أن فرنسا أرسلت إشارات عديدة عبر تصريحات مسؤوليها بمختلف مستوياتهم وزياراتهم المتتالية للمملكة، على أنها تعمل على تهيئة الأرضية لقدوم ماكرون للمغرب بعدما فشلت محاولات الأخير العديدة السنة الماضية للقاء الملك، مبرزا أن هذه الزيارة من شأنها أن تتوج بتدشين اجتماع اللجنة العليا الفرنسية المغربية لتدارس مختلف القضايا الاستراتيجية بين البلدين.
سميرة سيطايل سفيرة جديدة للمغرب بفرنسا.. هل يحمل التعيين رسالة سياسية من الرباط لباريس؟
♦ التأثير الإسباني على العلاقات الفرنسية المغربية
يوضح محمد شقير أن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والتي كانت لها نتائج إيجابية على كافة المستويات وزادت من تعزيز وتوطيد الشراكة الاستراتيجية بين مدريد والرباط، تدفع بفرنسا نحو تسريع الخطى لإعادة علاقاتها مع المغرب، مشيرا إلى أن المسؤولين بقصر “الإليزيه” أدركوا خطورة دينامية إسبانيا وتعزيزها للعلاقات مع المغرب وكذا عدد من البلدان الإفريقية على مصالحها.
واَضاف أن باريس تيقنت أنها فوتت عليها عديد الفرص وقد تخسر أكثر إن بقيت في محطة الانتظار دون القيام بأي تحرك في هذا الجانب، لافتا إلى أنها تحاول اليوم بأقصى ما لديها تدارك أخطائها وإصلاح ما يمكن لضمان تموقعها بشكل يسمح لها بحماية مصالحها وعدم فتح المجال أكثر لأطراف أخرى من أجل منافستها أو إبعادها من مناطق نفوذها السياسية والاقتصادية.
وشدد الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، على أن الأسباب المذكورة، تجعل فرنسا تعجل باستئناف علاقاتها مع المغرب بشكل طبيعي وفي أسرع وقت ممكن؛ نظرا للمكان والدور الريادي والاستراتيجي للمملكة داخل قارتها، مبرزا أن الرهان اليوم هو حول زيارة ماكرون وما يرتبط بوقتها والكيفية التي ستتم بها.
زيارة سانشيز للمغرب.. ماهي دلالات الزيارة وهل تحمل في طياتها رسائل سياسية لأعداء الوحدة الترابية؟
♦ انعكاسات الزيارة المرتقبة لماكرون
يشير محمد شقير إلى أن زيارة ماكرون المنتظرة مبدئيا في أبريل أو ماي القادمين، من شأنها أن تعطي دفعة قوية للعلاقات الفرنسية المغربية، مبرزا أن العلاقة بين البلدين ستستأنف وفق شروط معينة، والخطوط العريضة التي حددها الملك محمد السادس بأحد خطاباته في وضوحية المواقف والمصلحة المشتركة وغيرها من الأمور التي تدخل في هذا الجانب.
وواصل أن السلطات الفرنسية من المفروض أن تعيد النظر في الأسلوب التي كانت تتعامل به من قبل، والاستناد إلى المبادئ والمرتكزات المبنية على الوضوح والشفافية وسياسة رابح-رابح، لافتا إلى أنه في هذا الإطار سيتم تحديد خارطة الطريق التي ستؤطر استراتيجية الشراكة المستقبلية بين الرباط وباريس على كافة المستويات السياسية والاقتصادية.
وأبرز أنه مثلما حدث في أبريل 2022 عند اللقاء بين الملك محمد السادس وسانشيز وما أعقبه من التوقيع على مرحلة جديدة للعلاقات الثنائية بين الجانبين، والتي كانت لها بعد ذلك نتائج متميزة على مختلف الأصعدة، فإن الأمر ذاته بعد حلول ماكرون بالمغرب سيحدث، حيث ستعطي هذه الخطوة دفعة مهمة لإعادة العلاقة بين فرنسا والمغرب.
ولفت إلى أن لقاء الملك محمد السادس مع الرئيس ماكرون، سيحدد المعالم الرئيسية لاستئناف العلاقات بين البلدين، وذلك وفق مرتكزات جديدة ستشمل بلا شك الجوانب الاقتصادية؛ خاصة وأن فرنسا تعي أن المغرب عبارة عن فرص استثمارية مهمة، في ظل النهضة المستمرة التي يشهدها والتظاهرات الكبرى التي سينظمها ككأس العالم 2030.
واعتبر أن الفرص الاستثمارية الكبيرة التي تتيحها المملكة المغربية حاليا قد تكون إحدى الأسباب الرئيسية التي جعلت فرنسا تسارع الزمن من أجل إعادة علاقاتها مع الرباط، سعيا منها لاقتطاف جزء من كعكة الاستثمار بالمغرب، بحكم الأوراش والمشاريع الكبرى والهامة سواءً المتعلقة بالقطار فائق السرعة أو الملاعب الرياضية والفنادق والبنية التحتية وغير ذلك.
وشدد الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، على أن الرهان الفرنسي سيكون اقتصاديا ولكن بصيغة سياسية، مبرزا أن ذلك لن يتم إلا بالشروط التي حددتها المملكة المغربية، ووضعت في مقدمتها الخروج من المنطقة الرمادية لمن يرغب في شراكة بناءة مع بلادنا، لافتا إلى أن زيارة الأحد ستؤكد هذا الأمر، حيث سيعلن المسؤول الفرنسي مجددا عن مساندة باريس لمبادرة الحكم الذاتي.

