في خطوة لافتة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، أعلن المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية، ريمي ريو، خلال زيارة رسمية إلى العيون، عن تعبئة تمويلات بقيمة 150 مليون يورو موجهة إلى مشاريع استثمارية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تأتي هذه الزيارة في سياق تعزيز الشراكة الاستثنائية بين المغرب وفرنسا، وتفعيل موقف باريس الرسمي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء، وهو ما اعتُبر تحولا نوعيا في السياسة الفرنسية بعد سنوات من التردد، ومؤشرا على تصاعد الثقة في النموذج التنموي المغربي، لاسيما في المناطق الجنوبية.
ولكن هذه الخطوة تثير العديد من التساؤلات حول طبيعة الرهانات الفرنسية في الصحراء المغربية، في ظل توتر العلاقات مع الجزائر، الجارة الرافضة لمغربية الصحراء، وعن الأهداف الجيوسياسية لباريس، وتداعيات هذا التمويل الضخم على موازين القوى الإقليمية، خصوصًا مع التغلغل الروسي المتزايد في منطقة الساحل، والدور المتقدم الذي أضحى المغرب يلعبه في الربط بين أوروبا وغرب إفريقيا.
♦ وضوح فرنسي جديد
اعتبر أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية، أن هذا القرار يعد امتدادا طبيعيا لاعتراف فرنسا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الفرنسي في أكتوبر 2024 بعبارة “مطابقة الأقوال بالأفعال”.
وذكر نور الدين في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التحول لم يبقى في نطاق التصريحات، بل ترجمته زيارات رسمية ووفود اقتصادية رفيعة، كان آخرها زيارة السفير الفرنسي إلى العيون والداخلة، مصحوبًا برجال أعمال بارزين، لتفعيل إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن دعم التنمية بالصحراء.
وأردف أن هذا الأمر شمل توقيع اتفاقيات استراتيجية، أبرزها مشروع الهيدروجين الأخضر بين “HDF Energy” الفرنسية وشركة مغربية باستثمارات تفوق ملياري يورو.
وشدد الخبير في العلاقات الدولية، أن إعلان الوكالة الفرنسية للتنمية عن تخصيص 150 مليون يورو للاستثمار في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية؛ أضحى خطوة تعكس تحولاً واضحًا في الموقف الفرنسي تجاه قضية الصحراء.
ارتباطا بما سبق، أوضح بوبكر أنغير، الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن توقيت الإعلان الفرنسي لا يخلو من دلالة استراتيجية، مبرزا أن فرنسا اختارت أن تسبق ما يعتبره إعلانًا وشيكًا من قبل المغرب وشركائه الدوليين عن تفعيل رسمي وعملي لمقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية.
ولفت أنغير في تصريح لـ”شفاف”، أن هذا الإعلان المرتقب سيتزامن هذا مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء في نونبر 2025، معتبرا أن الاستثمارات الفرنسية في هذا السياق تُقرأ كرهان على المستقبل.
وتابع أن باريس تراهن على هذه المنطقة التي تزخر بالإمكانات الاقتصادية والفرص الجيوسياسية، والتي تعتبرها بمثابة “خزان استراتيجي” لا يمكن التغاضي عنه في صراع المصالح والتموقع في شمال وغرب إفريقيا.
♦ ترجمة اقتصادية واضحة
يؤكد نور الدين أن الوكالة الفرنسية للتنمية تمثل الذراع الاقتصادية للدبلوماسية الفرنسية، وأن ضخّها لهذا الغلاف المالي الكبير بالصحراء يشكل مؤشرا على عمق التحول في علاقات باريس بالرباط.
وتابع أن ذلك يمثل أيضا؛ تجسيدا لالتزام فرنسا بتنزيل الاعتراف بمغربية الصحراء على المستويين الداخلي والخارجي، لاسيما بعد إعلان الرئيس الفرنسي أمام البرلمان بالرباط عن التزامه بدعم هذا الموقف في السياسات الرسمية لبلاده.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
في السياق ذاته، يشير أنغير إلى أن هذه الخطوة تندرج في إطار إعادة تموقع فرنسا في المنطقة المغاربية، والتجاوب مع التحول الدولي الكبير الذي أحدثته واشنطن منذ اعترافها بمغربية الصحراء أواخر 2020.
واعتبر الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن قصر “الإليزيه” هو اليوم بصدد مغادرة المنطقة الرمادية التي كانت يتواجد بها منذ عقود إلى موقف أكثر وضوحا وصلابة.
♦ رسائل دبلوماسية مشفرة
يرى أنغير أن التموقع الفرنسي الجديد لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يتضمن رسالة دبلوماسية موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية، مفادها أن الرؤية المغربية للحل أصبحت أكثر إقناعًا وشمولاً، وهو ما يدفع فرنسا إلى الاصطفاف وراء هذا التصور باعتباره مفتاح الاستقرار الإقليمي.
وأبرز الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن هذه القراءة تدعم خطوات موازية كشروع فرنسا في توسيع خدماتها القنصلية نحو العيون والداخلة، وافتتاح فروع ثقافية ومؤسسات تعليمية.
واستطرد قائلا إن هذه الأمور توحي بقرب الإعلان الرسمي عن فتح قنصلية فرنسية في الأقاليم الجنوبية، كخطوة إضافية ضمن حزمة من التدابير الرمزية والاستراتيجية.
في ظل التقارب الأمريكي الفرنسي .. هل تتجه المينورسو نحو تغيير جذري ؟
وأشار إلى أن العلاقات المغربية الفرنسية لم تكن يومًا علاقات عابرة أو ظرفية، بل هي علاقات محكومة بضرورات التاريخ ومتطلبات المصالح المشتركة.
وأوضح أن إعلان الوكالة الفرنسية للتنمية عن تخصيص 150 مليون يورو للاستثمار في مشاريع تنموية بالأقاليم الجنوبية، ليس فقط قرارًا تقنيًا أو اقتصاديًا، بل يعكس تحولًا سياسيًا مهمًا في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية.
وشدد على أن فرنسا فهمت الدرس التاريخي جيدًا بعد إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، ووجدت نفسها مضطرة للانتقال من سياسة التردد والغموض إلى موقف أكثر وضوحًا، من أجل عدم التفريط في شريك استراتيجي بثقل المغرب.
♦ رافعة استثمار خاص
يبرز أحمد نور الدين وجود بعدًا استراتيجيا إضافيًا في هذه الخطوة، والذي يتمثل في كون استثمارات الدولة الفرنسية تمثل “ضمانة رسمية” أو “رافعة نفسية” لتشجيع المستثمرين الخواص على الولوج إلى المشاريع الكبرى في الصحراء.
وتابع أنها هذا الأمر سيسرع وتيرة الاستثمارات الخاصة بعشرات المليارات في قطاعات الطاقات المتجددة والسياحة والفلاحة والبنية التحتية والصناعة الموجهة لإفريقيا.
وزاد قائلا إن هذه الاستثمارات قد تحفز منافسة أوروبية ودولية لولوج السوق المغربية بالأقاليم الجنوبية، خصوصا في ظل المشاريع الاستراتيجية الضخمة التي أطلقها المغرب، وبعد الخطاب الملكي لسنة 2022 الذي جعل موقف الدول من مغربية الصحراء معيارًا أساسيًا لتحديد علاقات الشراكة.
ويؤكد أن هذا التنافس قد يُسرّع من وتيرة الطي النهائي للنزاع المفتعل، ويدفع قوى دولية أخرى إلى إعادة النظر في مواقفها، إدراكا منها أن تأخر الحسم قد يؤدي إلى خسارة فرص استثمارية وجيواستراتيجية واعدة.
♦ الجزائر خارج الحسابات
في ظل التوتر المتزايد بين باريس والجزائر، يؤكد أنغير أن فرنسا حسمت موقفها النهائي لصالح المغرب، ليس بدافع عاطفي، ولكن بمنطق براغماتي صرف.
ووصف النظام الجزائري بأنه يعيش عزلة دولية، ويعتمد على شعارات متجاوزة وتحالفات أيديولوجية منبوذة لم تعد تجد آذانًا صاغية في المنظومة الدولية.
وأضاف أنه في المقابل، تبنى المغرب توجهًا واقعيًا وفعالًا في السياسة الخارجية، من خلال تحالفات استراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، وهو ما جعله أكثر انسجامًا مع التحولات الكبرى في العلاقات الدولية.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
وأكد الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن فرنسا أصبحت مجبَرة على الاختيار بين نظام منفتح يؤمن بالشراكات، وآخر جامد يعيش في ذاكرة الماضي.
ولفت إلى أن التوجه الفرنسي الجديد تجاه الصحراء المغربية يمثل لحظة تحول فارقة في مسار العلاقات المغربية الفرنسية، ويعكس إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار في باريس بأن المستقبل في المنطقة يصنعه الفاعلون الواقعيون، لا الحالمون بالشعارات.
وأوضح أن المغرب يراكم أوراق القوة بثقة، ويتجه بثبات نحو فرض حل نهائي لقضية الصحراء؛ تحكمه الشرعية الدولية وتدعمه دينامية تنموية عابرة للحدود.
وذكر أن الخطوة الاستثمارية الأخيرة تعد تفعيلًا عمليًا لهذا الاعتراف، مبرزا أن باريس لم تعد قادرة على اللعب بين الحبلين، وتدرك أن مستقبل مصالحها الاقتصادية في المغرب، خاصة في الأقاليم الجنوبية، يتطلب وضوحًا وتطابقًا مع أولويات الرباط.
واستطرد أن الرباط لم تعد ذلك البلد الذي يراعي “مزاج باريس”، بل بات شريكًا مستقلًا يعرف كيف يختار حلفاءه ويحدد خطوطه الحمراء، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية، ما يجعل أي تهاون فرنسي في هذا الملف ثمنه مكلف في معادلات الربح والخسارة.
♦ تحولات إقليمية حاسمة
يشير أنغير إلى أن التمويل الفرنسي لا يأتي فقط في سياق تصحيح دبلوماسي، بل له أبعاد استراتيجية تمس التوازنات في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
وأبرز أن باريس التي فقدت الكثير من نفوذها التقليدي في دول الساحل نتيجة تنامي النفوذ الروسي وتراجع دورها الأمني، تسعى اليوم إلى العودة من بوابة التنمية والتعاون المدني، مستفيدة من الامتداد المغربي في إفريقيا.
الرباط تعزز محور الساحل الإفريقي.. استمرارية استراتيجية أم تحوّل إقليمي؟
وأشار إلى أن فرنسا تراهن على أدوات ناعمة كالمشاريع التعليمية والثقافية، ودعم المبادرات الاجتماعية، خاصة تلك الموجهة إلى الفئات الهشة، من أجل خلق صورة إيجابية جديدة لها بعد فشل المقاربات الأمنية التقليدية.
وأردف الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن المغرب بما يتوفر عليه من رصيد دبلوماسي وشبكة علاقات في العمق الإفريقي، بات الحليف المثالي لتحقيق هذا الهدف.
ومن منظور التموقع الدولي، يعتقد بوبكر أنغير أن المغرب قادر على استثمار هذا التحول الفرنسي في تعزيز موقعه التفاوضي داخل المنتديات والمنظمات الدولية ذات الصلة بقضية الصحراء.
المغرب وإطلاق ممر بحري جديد لدول الساحل.. بوابة نحو التكامل الاقتصادي
وشدد على أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون ذاتيًا، من خلال تمتين الجبهة الداخلية، وتوسيع التواجد المغربي الفعال داخل المؤسسات الدولية، سواء عبر الدبلوماسيين أو من خلال كفاءات مغاربة العالم.
واعتبر أن “الرياح الدولية مواتية”، ويجب على المغرب استغلالها بإستراتيجية واعية، تقوم على تعزيز الشرعية الديمقراطية، وتوسيع قاعدة الدعم الخارجي، وتحويل المكاسب الرمزية إلى مواقف مؤسسية صلبة تخدم السيادة الوطنية وتُفشل الطروحات الانفصالية.

