يشكل تنظيم كأس العالم 2030 فرصة اقتصادية مهمة للمغرب من أجل تعزيز النمو الذي يشهده في مختلف القطاعات، والعمل في الوقت ذاته على تسريع تطوير البنية التحتية الوطنية، لكن ذلك يترافق مع التكلفة المرتفعة لتشييد الملاعب ومراكز التدريب وغيرها من المنشآت والمرافق الخاصة باستضافة هذه التظاهرة الكروية، إذ أن دراسة لشركة “صوجي كابيتال جستيون”، التابعة لمجموعة الشركة العامة للمغرب، كشفت عن أن احتضان المملكة لهذه المسابقة الكروية قد يكلفها قرابة 52 مليار درهم، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول الآثار الماكرو اقتصادية لذلك على بلادنا.
♦ المكاسب الاقتصادية
يرى عبد الخالق التهامي، الخبير والمحلل الاقتصادي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المغرب سيجني الكثير من المزايا والمنافع بعد نيله شرف تنظيم كأس العالم 2030؛ وفي مقدمتها تسريع تقوية وتعزيز بنيته التحتية بالمدن التي ستستضيف هذه المسابقة الكروية، وكذا المناطق والأقاليم المجاورة لها.
وأبرز التهامي أنه في إطار المشاريع التي سيتم الاشتغال عليها، سيتعزز الربط بين المدن المغربية التي ستحتضن أطوار هذا المونديال؛ مثلما هو الحال مع الطريق السيار المرتقب إطلاقه ما بين مراكش وفاس، وكذا شبكة السكك الحديدية المنتظر توسيعها في هذا الجانب على مستوى مختلف جهات المملكة.
تنظيم “كان 2025” بالمغرب.. ماهي المكاسب التي ستجنيها المملكة؟
وتابع أن تعزيز البنية التحتية للنقل والتنقل سيشكل أداة لتطوير وتنمية المحاور والمناطق التي تمر بها هاته الطرق السيارة وشبكة السكك الحديدية، مضيفا أن هذا الاستثمار له أهداف تتجاوز مرحلة تنظيم كأس العالم ببلادنا، إلى تقوية مجموعة من المرافق وتعزيز البنية التحتية بغاية التنشيط الاقتصادي لمجموعة من المدن والقرى والمساهمة في تيسير حياة ساكنيها.
وأوضح أن المرافق التي سيتم إحداثها مثلما هو الأمر مع المستشفيات والفنادق ستشكل فائدة كبيرة للمملكة، حيث ستوفر عملا لمئات الآلاف من اليد العاملة، وستساهم في حركة اقتصادية مهمة ببلادنا ستستمر من الآن وإلى غاية 2030، موضحا أن هذه المشاريع ستجعل المغرب ورش مفتوحا لاستثمارات مهمة في كافة المجالات.
وأشار الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أن 1500 أسرة مغربية على الأقل سينتعش دخلها من خلال اشتغال بعض أفرادها أو أحدهم في تهيئة كل 40 كلم من شبكة السكك الحديدية أو 150 كلم من الطريق السيار، مبرزا أن اليد العاملة المغربية ستتحسن أجورها بشكل كبير خلال المرحلة القادمة، لافتا إلى أن هذه المنفعة الاقتصادية لن تقتصر على العاملين في مجال البنية التحتية، بل تشمل مختلف الأنشطة والحركة التجارية بالمملكة.
وأردف أن المكاسب الاقتصادية لن تقتصر على مرحلة استضافة بلادنا لكأس العالم 2030 خلال فترة شهر من الزمن أو ما يقارب الشهرين، بل سيكون لذلك انعكاسات إيجابية على المرحلة التي تعقب انتهاء هذه المسابقة العالمية، موضحا أنه ستكون فوائد كثيرة على المدى البعيد لاحتضان هذه البطولة بالنسبة للمواطنين أو صورة البلاد على كافة المستويات.
واستطرد أن المغرب سيجني الكثير من أبسط الأمور المتعلقة بتنظيم هذه التظاهرة الكروية؛ مثلما هو الأمر مع النقل والتنقل، سواء عبر الطرق السيارة أو الطائرات أو استهلاك الطاقة والمحروقات، لافتا إلى أن الضرائب المتولدة لصالح الدولة عن هذه العملية قد تصل لنصف المبلغ المحدد كتكلفة لاحتضان هذه المسابقة (52 مليار درهم)، أي أنه بالإمكان تحقيق 26 مليار درهم من خلال قطاع واحد فقط، وذلك دون استحضار باقي المجالات المرتبطة بالسياحة وغيرها من الأنشطة التجارية.
ولفت إلى أن المشاريع المونديالية قد لا يتم إنشاؤها من طرف الدولة بشكل أحادي، وقد تتم وفق شراكات أو اتفاقيات مع الخواص في إطار تحديد قوام الهيكلة المالية المرتبطة بإحداث هاته المنشآت، مبرزا أن ذلك سيخفف كثيرا من التكاليف الواقعة على عاتق البلاد، مؤكدا أن ما سيتم جنيّه من أرباح بشكل مباشر أو غير مباشر سيغطي النفقات التي سيتم صرفها تحضيرا لاستضافة كأس العالم 2023.
♦ الإكراهات المطروحة
يشير عبد الخالق التهامي إلى أن من الإشكاليات المطروحة هي كيفية الاستفادة فيما بعد مرحلة المونديال من الملاعب التي تتسع إلى 120 ألف متفرج، مبرزا أن المغرب يعتمد حاليا على المركبات الرياضية الخاصة بكرة القدم ذات الاستيعاب الذي لا يتجاوز 60 ألف مقعد مخصص للجماهير، موضحا أن الرقم الأخير يبقى كافيا.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي أنه على الدولة فيما يخص تشييد ملاعب كبرى؛ التخطيط بشكل جيد للاستفادة من هذه المرافق لما بعد مرحلة كأس العالم، لافتا إلى أنه سيكون مكلفا للغاية خسارة ملايير الدولارات في مشاريع تُعدم أو يتم إقبارها مباشرة بعد انتهاء هذه التظاهرة الدولية.
وشدد على ضرورة إعادة النظر في تكلفة تشييد مثل هاته الملاعب الكبرى التي يمكن أن تشكل عِبئًا على البلاد بعد نهاية هذه البطولة، حيث بالإمكان أن تصبح مهجورة وتتحمل بذلك الدولة تكاليف العناية بها أو أن تضطر للتخلص منها، لافتا إلى أن ملاعب كبرى في البرازيل لم تعد صالحة بعد اختتام نسخة نهائيات كأس العالم التي احتضنها هذا البلد اللاتيني في 2018.
تنظيم اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد في موعدها بمراكش.. الدلالات والمكاسب
وأبرز أن من الإكراهات التي ستطرح بعد انتهاء المونديال أيضا هي كيفية الاستفادة من تشييد المنشآت الرياضية الكبرى بعد نهاية هذه المسابقة الكروية العالمية، لافتا إلى أنه يجب عرض الإشكالات المرتبطة بهذا الجانب على المستوى الاقتصادية ووضع الآليات التي سيتم بها التعامل مع هذا الأمر بشكل جيد، وعدم ترك أي شيء للصدفة، معتبرا أن تكلفة غياب التخطيط المحكم ستكون غالية على بلادنا.
وطالب بضرورة استفادة المغرب من النموذج الإسباني في تنظيم كأس العالم، موضحا أن مدريد حققت مكاسب كبرى من احتضان مونديال 1982، حيث تغيرت أوضاعها الاقتصادية بشكل كبير نحو الأفضل وأصبحت من أبرز القبلات السياحية بالمعمورة؛ ومن أهم الدول المحتضنة للشركات التجارية العالمية.

