مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تعود لسعات العقارب ولدغات الأفاعي إلى واجهة الانشغالات الصحية بالمغرب، بعدما تسجل هذه الفترة من كل سنة ارتفاعا واضحا في عدد الإصابات، خصوصا بالمناطق القروية وشبه القروية.
ويطرح هذا الوضع تحديات متجددة أمام المنظومة الصحية والسلطات المحلية، في ظل ارتباط الظاهرة بعوامل مناخية وبيئية وسلوكية تجعل الوقاية منها مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمواطنين.
ولا يرتبط تزايد الإصابات بانتشار العقارب والأفاعي فقط، بل أيضا بطبيعة الوسط الذي تعيش فيه، إذ توفر المنازل التقليدية المبنية بالحجر والطين، إلى جانب انتشار الشقوق والأكوام الحجرية والأراضي المهملة، بيئة مناسبة لاختبائها.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة يدفع هذه الكائنات إلى مغادرة جحورها بحثا عن الغذاء أو أماكن أكثر برودة، وهو ما يزيد من احتمالات احتكاكها بالإنسان، خاصة خلال الفترة الممتدة من ماي إلى أكتوبر التي تعد ذروة نشاطها.
♦نشاط صيفي يرفع المخاطر
أرجعت الدكتورة غزلان العوفير، الطبيبة المتخصصة في التسمم واليقظة الدوائية بالمركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية والمسؤولة عن برنامج لسعات العقارب، الارتفاع الملحوظ في الإصابات خلال فصل الصيف إلى تداخل عوامل مناخية وبيئية وسلوكية.
وأوضحت أن العقارب تصبح أكثر نشاطا مع ارتفاع درجات الحرارة، بعدما تكون قليلة الحركة خلال فصل الشتاء، مشيرة إلى أنها تبحث في الصيف عن أماكن أكثر برودة ورطوبة، وهو ما يدفعها إلى مغادرة جحورها والدخول إلى المنازل أو الاختباء داخل الأحذية والملابس والأفرشة والشقوق وتحت الأحجار.
وأضافت أن العقارب كائنات تتجنب الضوء، لذلك تنشط ليلا عندما تنخفض درجات الحرارة، مستفيدة من وجود الحشرات التي تتغذى عليها داخل البيوت، مثل النمل والعناكب والبعوض. وأكدت أن نحو 70 في المائة من لسعات العقارب تقع خلال أشهر الصيف، خاصة بالمناطق القروية التي توفر منازلها التقليدية المبنية بالحجر والطين ظروفا مناسبة لاختبائها.
وفيما يتعلق بالأفاعي، أوضحت أن ارتفاع درجات الحرارة يدفعها أيضا إلى مغادرة جحورها بحثا عن الغذاء أو الماء، وهو ما يجعل الفلاحين والرعاة وسكان المناطق القروية أكثر عرضة للدغات، خصوصا عند الاقتراب من أماكن وجودها دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
♦أرقام تكشف حجم الظاهرة
كشفت الدكتورة العوفير أن المغرب يسجل سنويا في المتوسط حوالي 25 ألف لسعة عقرب، مع تفاوت طفيف حسب الظروف المناخية.
وأشارت إلى أن سنة 2023 عرفت تسجيل حوالي 22 ألف حالة و23 وفاة، مبرزة أن منظومة تسجيل الحالات تأثرت بعد جائحة كورونا قبل أن يعمل المركز على تحسين آليات الرصد والإبلاغ.
وأكدت أن نحو 90 في المائة من الإصابات تكون بسيطة وتقتصر على الألم الموضعي والاحمرار والتورم، فيما تتحول 10 في المائة إلى حالات تسمم تستوجب المتابعة الطبية.
وأضافت أن ما بين 7 و8 في المائة من المصابين تظهر عليهم أعراض مثل القيء وآلام البطن وارتفاع الحرارة، بينما تقل نسبة الحالات الخطيرة عن 2 في المائة، وهي التي تستوجب الإنعاش الطبي بسبب اضطرابات القلب أو الجهاز التنفسي.
وأبرزت أن أكثر الجهات تسجيلا للحالات هي مراكش آسفي، وسوس ماسة، وبني ملال خنيفرة، ودرعة تافيلالت، إلى جانب أقاليم الجديدة وسيدي بنور وشيشاوة، حيث تسجل آلاف الإصابات سنويا.
كما أوضحت أن المركز يعتمد نظاما معلوماتيا متعدد المستويات يبدأ من المراكز الصحية وينتهي بالمركز الوطني، بما يسمح بتتبع الوضعية الوبائية، رغم وجود بعض التأخر في تجميع البيانات خلال الأشهر الأولى من السنة بسبب انخفاض عدد الحالات.
♦الوقاية أساس تقليل الإصابات
شددت الدكتورة غزلان العوفير على أن العقارب لا تهاجم الإنسان بشكل مباشر، وإنما تلسعه عندما تشعر بالخطر أو عند الضغط عليها دون قصد، وهو ما يفسر وقوع عدد كبير من الإصابات أثناء ارتداء الأحذية أو تحريك الأحجار أو إدخال اليد إلى الجحور.
وأبانت أن الأطفال يشكلون الفئة الأكثر عرضة للخطر، خاصة في القرى، بسبب اللعب حفاة أو الاقتراب من أماكن اختباء العقارب، مؤكدة أن أي لسعة يتعرض لها طفل تستوجب نقله فورا إلى أقرب مؤسسة صحية حتى في غياب الأعراض.
وحذرت من اللجوء إلى الممارسات التقليدية مثل تشريط مكان اللسعة أو مص السم أو ربط العضو المصاب، معتبرة أنها تؤخر العلاج وتزيد من احتمال حدوث مضاعفات.
ودعت إلى اعتماد إجراءات وقائية بسيطة تشمل تنظيف المنازل ومحيطها، وإزالة النفايات، وسد الشقوق، وتفقد الأحذية والملابس والأغطية قبل استعمالها، إضافة إلى ارتداء الأحذية الواقية أثناء العمل أو اللعب، وعدم رفع الأحجار أو النباتات اليابسة دون وسائل حماية.
كما أشارت إلى أهمية تربية الدجاج في القرى للمساهمة في الحد من انتشار العقارب، إلى جانب الحفاظ على القنافذ التي تعد من أعدائها الطبيعية.
وفي الجانب العلاجي، أوضحت أن المغرب تخلى منذ سنة 2001 عن استعمال المصل المضاد لسم العقارب بسبب محدودية فعاليته، واعتمد منذ سنة 2007 بروتوكولا علاجيا متكاملا يقوم على “العدة العلاجية”، التي توزع سنويا على المؤسسات الصحية قبل حلول الصيف، وتضم مختلف الأدوية والمستلزمات اللازمة للتكفل بالمصابين.
وأكدت أن هذه الاستراتيجية ساهمت في خفض معدل الوفيات بشكل كبير، غير أن الأطفال دون 15 سنة ما زالوا يمثلون الفئة الأكثر هشاشة، ما يجعل سرعة التدخل الطبي عاملا حاسما في إنقاذ حياتهم.
♦استراتيجية وطنية لمواجهة الخطر
من جانبه، اعتبر الخبير الزراعي رياض أوحتيتة أن ارتفاع عدد لسعات العقارب ولدغات الأفاعي خلال الصيف يرتبط بشكل مباشر بالتغيرات المناخية والاختلالات البيئية، موضحا أن الحرارة والجفاف يدفعان هذه الكائنات إلى البحث عن الماء والغذاء خارج جحورها، بينما يزداد نشاطها وخطورة سمها خلال هذه الفترة.
وأضاف أن تراجع أعداد القنافذ والطيور الجارحة وبعض الحيوانات التي كانت تحد من انتشار العقارب والأفاعي، إلى جانب تغير الممارسات الفلاحية، ساهم في اختلال التوازن البيئي وارتفاع أعداد هذه الكائنات.
وانتقد ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية، معتبرا أن التدخلات غالبا ما تكون بعد وقوع الإصابات بدل اعتماد سياسة وقائية تقوم على تنظيف محيط القرى، وإزالة الأعشاب والأحجار، وتوفير الأدوية والتجهيزات بالمراكز الصحية قبل بداية موسم الصيف.
ودعا إلى اعتماد استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات، وتعزيز حملات التوعية، وتحسين المحيط البيئي، وضمان توفر الوسائل العلاجية بشكل دائم، مع إشراك الجماعات الترابية والسكان في جهود الوقاية، بما يساهم في الحد من الإصابات وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها الأطفال وسكان المناطق القروية.

