يرتقب أن يشهد المغرب خلال الأشهر المقبلة ضغوطا متزايدة على القدرة الشرائية للأسر، بفعل استمرار ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية.
وتنعكس هذه الزيادات مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ما يؤدي إلى ارتفاع عام في أسعار السلع والخدمات، ويضعف القدرة الشرائية، خصوصا لدى الفئات ذات الدخل المحدود.
ويأتي هذا السياق في وقت لا تزال فيه الأسر المغربية تحاول التكيف مع الضغوط الاقتصادية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك آثار جائحة كورونا وتقلبات الأسواق الدولية للطاقة.
وقد يؤدي استمرار هذه الدينامية في غياب تدخل حكومي منسق إلى تفاقم الصعوبات المعيشية وتعقيد جهود ضبط الأسعار، ما يضع حماية القدرة الشرائية للمواطنين تحت ضغط متزايد.
ارتباط الأسعار بالسياق الدولي
اعتبر علي شتور، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، أن أسعار المحروقات تظل من أكثر المؤشرات الاقتصادية حساسية، نظرا لارتباطها المباشر بمختلف الأنشطة الإنتاجية والخدماتية داخل الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن أي اضطراب يطال الأسواق الدولية للطاقة ينعكس بشكل شبه فوري على السوق المغربية.
وأوضح رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التطورات الجيوسياسية الراهنة وما يصاحبها من توترات في الممرات البحرية الاستراتيجية يعيدان طرح إشكالية هشاشة الأسواق المرتبطة بالطاقة، وهو ما يجعل المغرب، باعتباره بلدا مستوردا للمواد البترولية، عرضة لتقلبات الأسعار العالمية مهما بلغت التدابير الاحترازية المتخذة.
وأشار شتور إلى أن المحروقات تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، باعتبارها موردا أساسيا لتشغيل القطاعات الحيوية، من النقل إلى الصناعة والخدمات، مبرزا أن أي زيادة في أسعارها لا تبقى محصورة في هذا القطاع فقط، بل تمتد آثارها إلى سلاسل الإنتاج والتوزيع بأكملها.
وأضاف أن التجارب السابقة أظهرت بوضوح مدى حساسية السوق الداخلية لأي تغير في أسعار الطاقة، إذ سرعان ما ينعكس ذلك على تكاليف النقل والإنتاج، ثم ينتقل تدريجيا إلى أسعار عدد من المواد الاستهلاكية الأساسية.
وأبان أن المغرب واجه بالفعل تحديات مشابهة خلال السنوات الماضية، خاصة في فترة جائحة كورونا التي استمرت قرابة عامين، حيث عرفت الأسواق العالمية اضطرابات كبيرة أدت إلى ارتفاع أسعار الغازوال والمواد النفطية، مذكرا بأن تلك المرحلة تركت آثارا واضحة على الاقتصاد الوطني وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا في ظل تراجع النشاط الاقتصادي خلال تلك الفترة.
وأورد المتحدث أن تداعيات تلك الأزمة لم تختف بشكل كامل بعد، إذ ما زال الاقتصاد المغربي يسعى إلى استعادة توازنه تدريجيا بعد مرحلة صعبة اتسمت بتقلبات حادة في سلاسل التوريد العالمية.
وأكد أن أي صدمة جديدة في سوق الطاقة العالمية قد تعيد الضغط على التوازنات الاقتصادية، خاصة إذا استمرت التوترات الدولية لفترة طويلة أو أدت إلى اضطرابات إضافية في إمدادات النفط والغاز.
ولفت شتور إلى أن الوضع الدولي الراهن يعكس مرة أخرى هشاشة النظام الطاقي العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية، وهو ما يستدعي، حسب رأيه، يقظة أكبر من مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المعنية بتتبع تطورات السوق.
ورأى أن التعامل مع هذه المتغيرات يتطلب قراءة دقيقة للمشهد الدولي واستباقا للانعكاسات المحتملة على الاقتصاد الوطني، تفاديا لأي ارتدادات مفاجئة قد تزيد من الضغط على الأسواق المحلية.
تداعيات مباشرة على الأسر
حذر علي شتور من أن أي ارتفاع جديد في أسعار المحروقات ستكون له انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، مبرزا أن الأسر المغربية تعيش أصلا تحت ضغط اقتصادي متزايد نتيجة تراكم عدة عوامل خلال السنوات الأخيرة.
وأظهر أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل تلقائي على كلفة النقل والإنتاج، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار عدد من السلع والخدمات الأساسية التي تشكل جزءا من الاستهلاك اليومي للأسر.
وشدد شتور أن الاقتصاد الوطني كان لا يزال في مرحلة التعافي التدريجي من آثار جائحة كورونا عندما بدأت تظهر تداعيات الأزمات الدولية الحالية، الأمر الذي زاد من تعقيد الوضع بالنسبة لعدد كبير من المواطنين.
وأبرز أن هذه الظرفية الاقتصادية تجعل أي زيادة إضافية في أسعار المحروقات عاملا مضاعفا للصعوبات المعيشية، خاصة بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وسجل أن المواطن اليوم يواجه تحديات متعددة مرتبطة بتكاليف المعيشة، من ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية إلى زيادة تكاليف النقل والخدمات، وهو ما يضع القدرة الشرائية تحت ضغط مستمر، معتبرا أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يفاقم هذا الوضع، نظرا لما تمثله المحروقات من عنصر أساسي في تحديد تكلفة العديد من الأنشطة الاقتصادية.
وأضاف شتور أن التأثيرات الاجتماعية لارتفاع أسعار المحروقات لا تقتصر على المستهلك الفرد فقط، بل تمتد إلى قطاعات مهنية كاملة تعتمد بشكل مباشر على الطاقة، مثل النقل الطرقي والخدمات اللوجستية وعدد من الأنشطة الإنتاجية. وأوضح أن ارتفاع التكاليف في هذه القطاعات يؤدي غالبا إلى نقل جزء من العبء المالي إلى المستهلك النهائي، وهو ما يعزز من وتيرة التضخم في بعض القطاعات.
وذهب إلى أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي يتطلب اتخاذ إجراءات مدروسة تراعي خصوصية الظرفية الحالية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها القدرة الشرائية للأسر.
ونبه أن أي سياسة عمومية مرتبطة بأسعار الطاقة ينبغي أن تضع في الاعتبار انعكاساتها المباشرة على المواطنين، نظرا للدور المركزي الذي تلعبه المحروقات في الحياة اليومية وفي الاقتصاد الوطني بشكل عام.
دعوة لحماية المستهلك
دعا علي شتور الحكومة المغربية إلى التعامل مع ملف أسعار المحروقات بدرجة عالية من اليقظة والمسؤولية، بالنظر إلى حساسية هذا القطاع وتأثيره المباشر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين، مؤكدا أن المرحلة الراهنة تتطلب اعتماد مقاربة متوازنة تراعي استقرار السوق وتحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للأسر.
وشدد على أهمية اتخاذ تدابير استباقية للحد من أي ممارسات قد تستغل الأزمات الدولية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المستهلكين، موضحا أن فترات الاضطراب الاقتصادي غالبا ما تشهد محاولات من بعض الجهات لاستغلال تقلبات السوق، الأمر الذي يستدعي تشديد المراقبة وتعزيز آليات الضبط لضمان شفافية الأسعار.
كما أكد شتور ضرورة تعزيز دور المؤسسات الرقابية في تتبع تطورات أسعار المحروقات داخل السوق الوطنية، بهدف التأكد من احترام قواعد المنافسة السليمة وحماية حقوق المستهلكين،مشيرا إلى أن وجود مراقبة فعالة يشكل عاملا أساسيا في الحد من أي اختلالات محتملة في السوق، ويعزز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين.
وكشف أن حماية القدرة الشرائية للمغاربة ينبغي أن تظل أولوية في السياسات الاقتصادية، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها الأسواق العالمية للطاقة، معتبرا أن اعتماد رؤية استراتيجية واضحة للتعامل مع تقلبات الأسعار سيساهم في تقليص آثار الأزمات الدولية على الاقتصاد الوطني وعلى معيشة المواطنين.
وأبرز أن مواجهة تحديات ارتفاع أسعار الطاقة تتطلب تنسيقا متواصلا بين مختلف المتدخلين، من مؤسسات حكومية وهيئات رقابية وفاعلين اقتصاديين، بهدف ضمان استقرار السوق وحماية المستهلك.
وخلص إلى أن المرحلة الحالية تفرض تعزيز آليات اليقظة الاقتصادية وتكثيف الجهود لضمان توازن السوق، بما يحفظ مصالح المواطنين ويحد من تداعيات التقلبات الدولية على الاقتصاد الوطني.

