لم تعد الإشكالات التي يعيشها عدد من العاملين داخل المديرية التقنية التابعة لـ الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة مجرد ملاحظات عابرة أو تذمر مهني محدود، بل أضحت تعكس حالة من الارتباك التدبيري الذي بدأ ينعكس بشكل مباشر على المناخ المهني داخل هذه المديرية الحساسة.
فالمنطق الإداري يفترض أن يشكل منصب المدير المساعد آلية تنظيمية داعمة، هدفها تسهيل سير العمل، و تدعيم التنسيق بين الفرق التقنية، و ضمان انسيابية اتخاذ القرار. غير أن ما يعيشه العاملون اليوم يكشف مفارقة واضحة؛ إذ إن بعض الممارسات المرتبطة بهذا المنصب لم تعد تُفهم باعتبارها إجراءات تنظيمية بقدر ما تُقرأ كقرارات متسرعة تخلق التوتر بدل أن تعالج الإشكالات.
وحسب مصادر جريدة “شفاف” فالقصة بدأت بخطأ جسيم في عملية إرسال التنقيط الشهري للعاملين، و هو إجراء إداري بالغ الحساسية لما يترتب عنه من آثار مهنية و معنوية. هذا الخطأ لم يمر مرور الكرام، بل أثار موجة استياء واسعة داخل صفوف الموظفين المعنيين، الذين اعتبروا الأمر مساساً بمبدأ الإنصاف المهني.
و لولا تدخل المسؤولين على مستوى الموارد البشرية و الإدارة المركزية لاحتواء الوضع في الوقت المناسب، لكان الاحتقان داخل المديرية قد بلغ مستويات أكبر. غير أن ما تلا ذلك من قرارات لم يساعد على تهدئة الأجواء، بل ساهم في تعميق حالة الغموض التي باتت تطبع طريقة تدبير العمل داخل هذا المرفق.
وتضيف ذات المصادر أنه وبعد هذه الواقعة، وجد العاملون أنفسهم أمام قرار جديد يقضي بفرض تقارير يومية مفصلة حول طبيعة المهام المنجزة، في خطوة لم تُفهم دوافعها الحقيقية داخل محيط مهني يقوم أساساً على الثقة في الخبرة التقنية للأطر.
و بينما كان المنتظر هو البحث عن سبل لتحسين التنسيق و تطوير آليات العمل، جاء قرار آخر لا يقل إثارة للتساؤل، يتعلق بطلب إعداد جدول العطل الصيفية في شهر فبراير، و هو توقيت اعتبره كثير من الأطر بعيداً عن المنطق العملي لتدبير الموارد البشرية داخل قطاع يتسم بطبيعة عمل متغيرة.
المديرية التقنية داخل المؤسسة تضم كفاءات راكمت خبرة طويلة في مجال يتطلب يقظة دائمة و استجابة سريعة للأعطاب التقنية المرتبطة بالبث و الإنتاج. غير أن هذه الكفاءات تجد نفسها اليوم أمام بيئة عمل تتسم بتزايد التعليمات المفاجئة، ما يخلق ضغطاً إضافياً لا علاقة له بمتطلبات العمل التقني بقدر ما يرتبط بطريقة التدبير الإداري.
فحين يشعر العامل بأن القرارات تصدر دون تفسير واضح أو دون استحضار لطبيعة العمل الميداني، فإن ذلك ينعكس حتماً على المناخ المهني، و يولد إحساساً بعدم الاستقرار داخل فرق العمل.
إن استمرار هذا الأسلوب في التدبير لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر داخل المديرية. فالعاملون الذين يتحملون مسؤولية تقنية دقيقة في ضمان استمرارية البث وجودة الخدمة العمومية، يحتاجون إلى مناخ مهني قائم على الثقة و الوضوح، لا إلى تعليمات مفاجئة تزيد من الضغوط اليومية.
و في حال استمرت هذه الممارسات التي لا تنتج سوى مزيد من التوتر، فإن الاحتقان قد يتحول إلى موقف معلن داخل صفوف العاملين، خاصة و أن نقابتهم تتابع عن قرب ما يجري داخل المديرية. و هو أمر قد يدفعهم إلى التعبير عن مطالبهم المهنية بوسائل نضالية مؤطرة، دفاعاً عن كرامتهم المهنية و عن شروط عمل أكثر توازناً.
إن الرهان الحقيقي داخل أي مؤسسة عمومية لا يكمن في إصدار التعليمات بقدر ما يكمن في القدرة على خلق توازن بين سلطة القرار واحترام الكفاءات المهنية للعاملين. فالمدير الناجح ليس من يضاعف الإجراءات الإدارية، بل من يستطيع تحويل خبرة الأطر التي يعمل معها إلى قوة إنتاجية تخدم المؤسسة.
و في غياب هذا التوازن، تتحول المناصب الإدارية من أدوات تنظيم إلى عوامل توتر، وهو ما يستدعي وقفة تأمل حقيقية داخل المؤسسة حول طبيعة التدبير المطلوب في مرحلة تحتاج فيها وسائل الإعلام العمومية إلى استقرار مهني يضمن لها أداء دورها بكفاءة و مصداقية.

