يشهد ملف الصحراء المغربية خلال المرحلة الراهنة حركية دبلوماسية متسارعة، تعكس تحولات عميقة في مقاربات القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي عادت لتكثيف اتصالاتها مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، وفي هذا السياق، يكتسي الاتصال الأخير بين مسؤول أمريكي بارز كمسعد بولس والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أهمية خاصة، بالنظر إلى توقيته المتزامن مع توترات إقليمية متصاعدة.
وهذا التطور يطرح تساؤلات متعددة حول طبيعة الأجندة التي تحكم التحركات الأمريكية في المنطقة؛ خاصة في ظل تداخل ملفات الأمن الإقليمي، من الشرق الأوسط إلى الساحل، مع مسار تسوية نزاع الصحراء، الذي يبدو أنه يدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب التوازنات وفرض مقاربات أكثر واقعية وبراغماتية.
❖ توقيت دال
يرى محمد سالم عبد الفتاح، المحلل السياسي والباحث المختص في ملف الصحراء، أن توقيت الاتصال الذي جمع مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يحمل دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي، بالنظر إلى تزامنه مع دينامية دبلوماسية متسارعة يعرفها ملف الصحراء.
وشدد عبد الفتاح في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن هذا التوقيت ليس اعتباطيًا، بل يعكس لحظة دقيقة تعاد فيها صياغة التوازنات المرتبطة بالنزاع.
زيارة بولس بين دعم مغربي واضح ومناورة جزائرية مضادة.. هل تنجح واشنطن في فرض تصورها للحل؟
وأردف أن هذا الاتصال يأتي قبيل محطة مفصلية داخل مجلس الأمن، تتعلق بالإحاطة المنتظرة للمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا خلال شهر أبريل، وهي مناسبة غالبًا ما تسبقها مشاورات مكثفة بين القوى الكبرى.
ووفق المحلل السياسي والباحث المختص في ملف الصحراء، فإن هذه المشاورات تهدف إلى ضبط إيقاع التفاعلات الدولية وإعادة ترتيب أوراق التفاوض بما يتماشى مع المعطيات المستجدة.
ولفت إلى أن التوقيت يتقاطع أيضًا مع تصاعد النقاش داخل الكونغرس الأمريكي حول مشروع تصنيف جبهة “البوليساريو” كمنظمة إرهابية، وهو ما يعكس انتقال الملف إلى مستوى متقدم داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، ويؤشر على تحول نوعي في طريقة التعاطي مع النزاع.
❖ جس النبض
في تحليله، يوضح محمد سالم عبد الفتاح أن هذا الاتصال يمكن قراءته كآلية لجس نبض الموقف الجزائري، باعتبار الجزائر فاعلاً محوريًا في النزاع.
وأبرز أن دور الجزائر لا يقتصر على الدعم السياسي للجبهة الانفصالية، بل يمتد ليشمل تأثيرًا مباشرًا على مسارات الحل، ما يجعلها طرفًا رئيسيًا في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
واستطرد أن إشراك الجزائر بشكل مباشر في هذه المرحلة يعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بضرورة تجاوز الأدوار غير المعلنة التي ظلت تؤطر مشاركتها في الملف، نحو دور أكثر وضوحًا ومسؤولية.
بين الاقتصاد والسيادة.. هل ترسم الاستثمارات الفرنسية بالصحراء ملامح اعتراف أوروبي شامل؟
واعتبر المحلل السياسي والباحث المختص في ملف الصحراء، أن هذا التوجه قد يعيد رسم حدود الانخراط الجزائري في مسار التسوية.
وأكد على أن هذا التحرك الأمريكي يأتي في سياق أوسع يتسم بتحولات إقليمية متسارعة؛ أبرزها التوترات في الشرق الأوسط، وتزايد الاهتمام الأمريكي بإفريقيا، خاصة في ظل تنافس دولي محتدم.
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن هذه العوامل تجعل من ملف الصحراء جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والنفوذ.
❖ تحول أمريكي
يبرز محمد سالم عبد الفتاح أن الحراك الدبلوماسي الأمريكي الحالي يعكس تحولاً تدريجيًا في مقاربة واشنطن للنزاع، حيث لم يعد ينظر إليه فقط من زاوية المسار الأممي، بل أصبح يدرج ضمن إطار أشمل يرتبط بالأمن الإقليمي.
وأكد المحلل السياسي والباحث المختص في ملف الصحراء، على أن هذا التحول يعكس إعادة تقييم أمريكية لطبيعة التهديدات المرتبطة بالمنطقة.
40 دولة تؤيد بجنيف مقترح الحكم الذاتي.. دعم أممي متجدد أم حسم نهائي؟
ولفت إلى أن هذا التوجه يتجلى في الربط المتزايد داخل الخطاب الأمريكي بين الجبهة الانفصالية والهشاشة الأمنية في منطقة الساحل، التي تعرف انتشارًا متناميًا للتنظيمات المسلحة وشبكات التهريب، معتبرًا أن هذا الربط يعكس وعيًا متزايدًا بخطورة تداخل النزاعات السياسية مع التهديدات الأمنية.
وأضاف أن النقاشات داخل الكونغرس؛ سواءً المرتبطة بتصنيف الجبهة أو بمكافحة الإرهاب، تعكس ميلاً متصاعدًا نحو اعتماد مقاربة أمنية صارمة في التعامل مع الفاعلين غير الدولتيين، مبرزًا أن هذا التحول يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحصين الاستقرار الإقليمي.
❖ أبعاد أمنية
يؤكد محمد سالم عبد الفتاح أن إعادة تعريف النزاع باتت تفرض نفسها في ظل هذه التحولات، حيث لم يعد ينظر إليه فقط كمشكل انفصال، بل كعامل محتمل لعدم الاستقرار الإقليمي، مشددًا على أن هذا التحول في الإدراك قد يغير من طبيعة المقاربات الدولية المعتمدة في التعامل مع الملف.
وأردف أن بعض الدوائر الأمريكية بدأت تربط بين ملف الصحراء ونفوذ قوى إقليمية، من بينها إيران، وهو ما يمنح النزاع بُعدًا إضافيًا في سياق التنافس الجيوسياسي الدولي، موضحًا أن هذه التقاطعات تعزز من مركزية الملف في الاستراتيجيات الدولية.
ولفت إلى أن الحراك الأمريكي يعبر عن إعادة تموقع استراتيجي يسعى إلى دمج النزاع ضمن مقاربة شاملة للأمن الإقليمي، معتبرًا أن هذا التحول قد تكون له انعكاسات عميقة على مسار التسوية.
وشدد على أن هذا التوجه قد يدفع نحو حلول أكثر واقعية، في ظل تزايد القناعة الدولية بضرورة تجاوز المقاربات التقليدية التي أظهرت محدوديتها خلال العقود الماضية.

