تعيش عدة دول عبر العالم موجة مقلقة من تفشّي سلالة جديدة من فيروس الإنفلونزا، وُصفت إعلاميًا بـ”الإنفلونزا الخارقة”، بعدما أظهرت قدرة عالية على الانتشار والإفلات المناعي، إلى جانب مؤشرات أولية عن زيادة في شدة الإصابة مقارنة بالمواسم السابقة.
وتزامن ظهور هذه السلالة مع انطلاق غير معتاد لموسم الإنفلونزا، قبل أسابيعه المعتادة، وهو ما دفع العديد من الأنظمة الصحية إلى رفع مستوى اليقظة الوبائية، واستباق آثار محتملة قد تطال الفئات الهّة والبنى الصحية في دول الشمال والجنوب على حدّ سواء.
وفي هذا السياق، توصلت جريدة “شفاف ” بالمقال العلمي التالي للدكتور طيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، والذي يفصل فيه طبيعة السلالة الجديدة وخصائصها، ومدى خطورتها، إضافة إلى توقّعاته بخصوص الوضع الوبائي في المغرب، ومستوى فعالية اللقاحات، وأهم التدابير الوقائية خلال الأسابيع المقبلة.
❖ موسم مبكر
يشهد العالم موسمًا مبكرًا للإنفلونزا، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في عدد من الدول قبل حلول ديسمبر، خلافًا لما هو معتاد، ويُسجَّل انتشار متسارع للعدوى وارتفاع ملحوظ في عدد الحالات، مصحوبًا بإصابات أشد وخطورة أكبر مقارنة بالسنوات الأخيرة. هذا الوضع يرفع إمكانية تأثر الأنظمة الصحية بضغط إضافي قد يزداد مع ذروة الموسم الشتوي.
وفي المغرب، تتكرر الملاحظة ذاتها، إذ يُسجَّل منذ منتصف نونبر تزايد متسارع في حالات المتلازمات الشبيهة بالإنفلونزا، مع ملاحظة ارتفاع حدّة الأعراض وتقدم توقيت الموجة مقارنة بالمعدل السنوي. هذا التحول يعكس ارتباطًا مباشرًا بالسلالة الجديدة المنتشرة عالميًا.
❖ السلالة الجديدة
ظهرت سلالة جديدة من فيروس الإنفلونزا تُعرف بـالسلالة الفرعية “K”، أو “الإنفلونزا الخارقة“ كما باتت تُسمّى إعلاميًا. تنتمي هذه السلالة لفيروس A(H3N2)، لكنها تميّزت بتراكم سبع طفرات جديدة خلال صيف 2025، ما جعلها تختلف بوضوح عن السلالة التي كانت سائدة سابقًا.
وهذه الطفرات منحت الفيروس قدرة أفضل على الإفلات من المناعة المكتسبة، سواء الناتجة عن العدوى السابقة أو عن اللقاحات.
ومنذ ظهورها، لوحظ انتشار مكثّف للعدوى بين المراهقين والشباب والبالغين، ثم الأطفال، في عدة دول من بينها اليابان، الولايات المتحدة، كندا، وأغلب دول أوروبا.
تُضاف إلى سرعة الانتشار هذه الضراوة الأصلية المعروفة لسلالة H3N2 مقارنة بسلالة H1N1، ما يرفع من مستوى القلق الوبائي عالميًا.
❖ المخاطر المحتملة
تتمثل أبرز المخاطر في قدرة السلالة الجديدة على الانتقال السريع بين مختلف الفئات العمرية، وإحداث عدوى أشدّ من المعتاد، إضافة إلى ارتفاع احتمالية ظهور حالات خطيرة لدى الفئات الهشّة.
وقد ساهم بداية الموسم في وقت مبكر في تعطيل جزء من آليات الاحتواء، ما أدى إلى موجات محلية مفاجئة في عدة مناطق حول العالم.
وهذا الوضع خلق حالة تأهب دولية، خصوصًا في نصف الكرة الشمالي، حيث تتزامن الموجة مع الشتاء، ما يرفع احتمالات الضغط على البنيات الصحية والاستشفائية.
❖ الوضع في المغرب
في المغرب، ورغم انتظار الأرقام الرسمية لوزارة الصحة، فإن المؤشرات الميدانية تُظهر تسارعًا واضحًا في حالات المتلازمات الشبيهة بالإنفلونزا منذ منتصف نونبر الماضي، مع زيادة حدّتها في الأيام الأخيرة.
ويُتوقّع، شأنه شأن باقي دول الشمال، تسجيل عدد أكبر بكثير من الحالات، وإصابات أكثر شدة، وارتفاع الحالات الحرجة خصوصًا لدى الفئات التالية:
- الأشخاص فوق 65 عامًا
- المصابون بأمراض مزمنة
- النساء الحوامل
- المصابون بالسمنة
- ضعاف المناعة
- الأطفال بين 6 أشهر و5 سنوات
ومع اتساع دائرة الإصابات، يُرجّح أن يواجه النظام الصحي ضغطًا متزايدًا خلال الأسابيع المقبلة، إلى جانب ارتفاع معدلات الغياب عن المؤسسات الاقتصادية والتعليمية.
❖ فعالية اللقاحات
تشمل اللقاحات الخاصة بموسم 2025-2026 السلالة القديمة من H3N2، وليس المتحور الجديد، ورغم ذلك، تُظهر البيانات الوبائية الأولية في المملكة المتحدة أن هذه اللقاحات ما تزال توفر:
- قدْرًا من الحماية ضد العدوى
- وحماية قوية ضد الحالات الشديدة
وهو العامل الأهم خلال الموجة الحالية.
وأما بالنسبة للأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح بعد، فما يزال الوقت مناسبًا للقيام بذلك في أقرب فرصة، خصوصًا الفئات المعرضة للخطر. وتبدأ فعالية اللقاح بعد أسبوعين تقريبًا من تلقي الجرعة.
❖ الأعراض المعروفة
تتشابه أعراض الإصابة بهذا المتحور الجديد مع الأعراض التقليدية للإنفلونزا الموسمية، وتشمل:
- ارتفاع الحرارة بين 39 و40 درجة
- قشعريرة
- صداع
- سيلان الأنف
- آلام عضلية ومفصلية
- سعال جاف
- اضطرابات هضمية أحيانًا (إسهال أو قيء)
رغم عدم اختلاف الأعراض بشكل كبير، إلا أن شدة الحالات تبدو أعلى في عدد من المصابين.
❖ الحماية والوقاية
تبقى اللقاحات الموسمية الوسيلة الأكثر فعالية لتقليل خطر الإصابة والحد من الحالات الخطيرة والوفيات، كما يُنصح، عند ظهور أعراض شبيهة بالإنفلونزا، باتباع الإجراءات التالية:
- البقاء في المنزل والابتعاد عن مخالطة الآخرين
- الحرص على غسل اليدين بانتظام
- تهوية أماكن العيش
- عدم إرسال الأطفال المرضى إلى المدارس
- ارتداء كمامة عند الحاجة للتواصل مع الآخرين، خاصة الفئات الهشة
وهذه التدابير، إلى جانب التلقيح، تشكل أساس الوقاية خلال هذه المرحلة التي قد تشهد ارتفاعًا غير مسبوق في الإصابات.

