تتواصل فصول الجدل حول حقيقة أرقام إفلاس المقاولات بالمغرب، بين معطيات رسمية تقلل من حجم الظاهرة وتقدرها بما بين خمسة وستة آلاف حالة مسجلة قانونيًا، وأخرى صادرة عن مكاتب إحصاء خاصة ترفع الرقم إلى حدود ستة عشر ألفًا، وبين هذين المستويين من التقدير، يبرز نقاش واسع حول طبيعة الأرقام المعتمدة، والفارق بين الإفلاس الفعلي الذي يصل إلى المحاكم والتوقف غير المعلن عن النشاط، إضافة إلى ما تكشفه قاعدة المعطيات الوطنية من وجود مئات الآلاف من المقاولات “المجمدة” التي لا تمارس نشاطًا فعليًا رغم تسجيلها في الضمان الاجتماعي.
وتقود هذه المفارقات الرقمية إلى إعادة طرح أسئلة حول بنية النسيج المقاولاتي نفسه، ومدى قدرة المنظومة الاقتصادية على حماية المقاولات الصغيرة التي تتأثر سلبًا بتأخر الأداء؛ خصوصًا في الطلبيات العمومية، كما تثير المعطيات الحكومية المتعلقة بالغرامات المفروضة على المتأخرين في الأداء، والتي جمعت ملياري درهم في سنة واحدة، تساؤلات حول عمق الإشكال وأسبابه الحقيقية، وما إذا كانت دينامية خلق مائة ألف مقاولة جديدة سنويًا تعكس فعلاً حيوية اقتصادية مستقرة، أم تخفي اختلالات بنيوية تتجاوز الجانب المحاسبي إلى مستويات أوسع من الحكامة والتنافسية.
مزور: 5 آلاف حالة إفلاس قانونية فقط سنويًا للمقاولات والحكومة تضرب بيد من حديد على تأخر الأداء
❖ اختلاف الروايات
يبرز أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن تقييم وضعية الإفلاس داخل النسيج الاقتصادي المغربي لا يمكن اختزاله في الأرقام الرسمية المتداولة.
وقال سامي في تصريح لجريدة ّ”شفاف”، إن الرواية الحكومية تميل إلى تقديم الظاهرة باعتبارها محدودة الحجم، من خلال التأكيد على أن عدد حالات الإفلاس المسجلة قانونيًا يتراوح بين خمسة وستة آلاف حالة سنويًا.
وأردف أنه رقم يبدو ضعيفًا بالنظر إلى مجموع النسيج الذي يضم مئات الآلاف من المقاولات المسجلة، بما يجعل الخطاب الرسمي يركز على “مرونة الاقتصاد” وقدرته على امتصاص الصدمات.
وتابع أنه في المقابل، تكشف المعطيات الخاصة الصادرة عن مرصد المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة (TPME Observatory) مسارًا مختلفًا تمامًا، حيث تحصي عشرات آلاف حالات التعثر التي لا تصل إلى المساطر القانونية، خصوصًا في قطاعات حساسة مثل التجارة والإنعاش العقاري والبناء والأشغال العمومية.
وأوضح أ هذه القراءة تشير إلى أن جزءًا معتبرًا من المقاولات المغربية ينهار قبل أن يتجاوز خمس سنوات فقط من عمره، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة هذه الوحدات على الصمود في بيئة اقتصادية تعرف منافسة محتدمة وصعوبات تمويلية حادة.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وشدد على أن الخلاف بين الروايتين لا يتعلق بتناقض رقمي بسيط، بل باختلاف جذري في زاوية القياس، مبرزًا أن الأرقام الرسمية لا تقيس سوى “قمة الجبل الجليدي”، أي الحالات التي تدخل في المساطر القانونية للمحاكم التجارية.
واستطرد أن الأرقام الخاصة تعتمد على قاعدة أوسع تشمل المقاولات التي تتوقف عن النشاط دون تصريح، أو تلك التي تغلق أبوابها بشكل غير رسمي، أو المقاولات “الخامدة” المسجلة في الضمان الاجتماعي دون أي حركة اقتصادية.
وأكد على أن المغرب بحاجة إلى إنشاء “حساب قومي للمقاولات” (Business Demography Account) يتضمن خلق المقاولات وبقاءها واستمراريتها، وحالتها بالضمان الاجتماعي والضرائب، ومسار التعثر أو الحل، لتحقيق صورة دقيقة وواقعية عن صحة النسيج المقاولاتي.
❖ هشاشة البدايات
يرى سامي أن عددًا كبيرًا من المقاولات المغربية لا يتمكن من عبور السنوات الثلاث الأولى من عمره، بسبب هشاشة البنية المالية والتنظيمية التي تنطلق بها هذه الوحدات.
وأوضح أن الولوج السهل للإجراءات الرقمية التي تسهل تأسيس المقاولات رغم أهميته، يجعل كثيرًا من المشاريع تنطلق برأسمال اجتماعي ضعيف وبنية تدبيرية محدودة، دون استيعاب حقيقي لقواعد السوق ولتطورات التكنولوجيا وآليات المنافسة.
وأبرز المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن ما سبق يؤدي إلى ارتفاع حالات التعثر، خصوصًا داخل المقاولات “الميكروية” -أي المقاولات الصغيرة جدًا (Micro-enterprises)- والفردية التي تمثل أكثر من 95% من النسيج.
ودينامية خلق 100 ألف مقاولة جديدة سنويًا، التي تقدمها الحكومة باعتبارها دليلاً على الحيوية الاقتصادية، لا يمكن قراءتها دون استحضار الوجه الآخر الذي يسلط عليه سامي الضوء، والذي يشير فيه إلى أن عدد مهم من هذه المقاولات يخرج من السوق بسرعة، ويُستبدل بغيره في دورة متسارعة أشبه بآلية “الحرق السريع”، أكثر منها آلية توسع اقتصادي مستدام.
وشدد على أن ارتفاع عدد المقاولات المحدثة لا يعبر بالضرورة عن قوة اقتصادية، بل قد يكون مؤشرًا على هشاشة هيكلية تجعل السوق يحتاج باستمرار إلى دخول وحدات جديدة لتعويض تلك التي تتعثر.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
ولفت إلى أن هذه الهشاشة البنيوية تجعل المقاولة المغربية؛ خاصة الصغيرة جدًا، غير محصنة ضد الصدمات المتكررة؛ سواءً كانت مرتبطة بارتفاع الكلفة أو تقلبات الطلب أو تشدد شروط التمويل، أو التحولات التكنولوجية السريعة.
وأوضح المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن معالجة هذه الإشكالات لا تتم عبر خلق المزيد من المقاولات بقدر ما تتطلب تقوية قدرة الوحدات القائمة على البقاء، وتوفير بيئة تشجع على الاستمرارية بدل الاكتفاء بتسهيل الانطلاق فقط.
❖ ضغط الأداءات
يعتبر أمين سامي أن إشكالية تأخر الأداء تمثل عاملاً حاسمًا في مسار سقوط المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، بل يمكن اعتبارها المؤشر النسقي الأكثر تأثيرًا على استمرارية هذه الوحدات أو انهيارها.
وأبرز أن القانون رقم 69.21 المتعلق بآجال الأداء، الذي دخل حيز التنفيذ منذ يوليوز 2023، جاء لأول مرة بسقف قانوني محدد في 60 يومًا، مقرون بغرامات إلزامية بمجرد تجاوز هذه الآجال، وهو تحول نوعي في ثقافة السداد داخل الطلبيات العمومية والقطاع الخاص.
وأردف أن الأرقام الواردة في تقييم السنة الأولى من تطبيق القانون إلى نتائج مهمة؛ تشير إلى أن متوسط أجل الأداء لدى الدولة والجماعات الترابية انخفض إلى 17.5 يومًا، بينما خفضت المؤسسات والمقاولات العمومية (EEP) متوسط الأداء إلى 31.7 يومًا في سنة 2024، مع احترام 90% منها للآجال القانونية.
النظام الجديد لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة.. هل يحقق العدالة المجالية أم يعيد إنتاج الفوارق؟
ونبه المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، إلى أنه رغم ذلك، تعرضت 59 مؤسسة عمومية لغرامات بلغت نحو 720.3 مليون درهم، ما يكشف حجم الضغط الذي كان يمارس سابقًا على المقاولات الصغيرة دون أي ردع.
وأوضح أن المقاولة الصغيرة جدًا لا تحتمل تأخرًا في الأداء يفوق أسابيع قليلة، لأن دورة رأس مالها قصيرة، وهوامش ربحها ضئيلة، وتكاليفها الجارية غير قابلة للتأجيل.
وأكد على أن أي تأخر في السداد يحولها بسرعة من “مقاولة تحت ضغط” إلى “مقاولة متوقفة”، حتى قبل أن تنظر في خيار اللجوء إلى المحكمة، مبرزًا أن هذا الأمر يجعل تأخر الأداء ليس مجرد عامل من عوامل كثيرة، بل عنصرًا مركزيًا في معادلة إفلاس هذه الفئة من المقاولات.
❖ “دينامية مضللة”
يلفت سامي إلى أن قراءة دينامية خلق 100 ألف مقاولة سنويًا تحتاج إلى كثير من الحذر، لأن العدد في حد ذاته ليس مؤشرًا كافيًا على صحة النسيج المقاولاتي.
وأوضح أنه من جهة؛ تعكس هذه الدينامية ارتفاع شهية الشباب نحو ريادة الأعمال، وتسهيل الإجراءات، وجاذبية بعض الأقطاب الاقتصادية مثل محور الدار البيضاء.
وأردف أنه من جانب آخر، تكشف الأرقام أن 99% من هذه المقاولات المحدثة هي “ميكرو-مقاولات” برأسمال ضعيف جدًا، دون قدرة حقيقية على الصمود.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وأشار إلى أن هذا الوضع يجعل الاقتصاد الوطني قائمًا على “مقاولين فرديين”، أكثر منه قائمًا على “مقاولات متوسطة صامدة”، ما يخلق بيئة اقتصادية سريعة الدوران وضعيفة الرسوخ.
ونبه إلى أن عدد كبير من المقاولات الجديدة يدخل السوق بدافع الضرورة وليس بدافع الفرصة، ما يجعل احتمال مغادرتها مرتفعًا بمجرد مواجهة أول صدمة مالية أو تشغيلية.
وحذر من أن التركيز على عدد المقاولات المحدثة، دون النظر إلى معدلات البقاء بعد 3 و5 و10 سنوات، يقدم صورة ناقصة، بل قد يساهم في جعل المؤشرات تبدو أفضل مما هي عليه فعليًا.
وأكد على ضرورة بناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة لقياس “ديمغرافيا المقاولات”، وتطوير مؤشرات رسمية للبقاء والاستمرارية، وهي أدوات غائبة اليوم رغم مركزيتها في صناعة القرار.
❖ إصلاح مطلوب
يقدم أمين سامي مجموعة من التوصيات العملية لمعالجة أعطاب النسيج المقاولاتي، وفي مقدمتها إحداث “الحساب القومي للمقاولات”، الذي يربط بين قواعد بيانات الضمان الاجتماعي والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية (OMPIC) والضرائب والمحاكم التجارية ومرصد “TPME”.
وأشار إلى أن وجود هذا النظام المعلوماتي المندمج سيسمح بتتبع المسار الكامل للمقاولة من الولادة إلى الحل، وتقييم نقاط القوة والضعف، وتحديد اللحظة التي تبدأ فيها المقاولة في الانزلاق نحو التعثر.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
ودعا إلى وضع مؤشرات رسمية تقيس بقاء المقاولات بعد 3 و5 و10 سنوات، بدل الاكتفاء بقياس حجم المقاولات المحدثة، مبرزًا أن هذه المؤشرات تسمح بفهم جودة النسيج وليس كميته فقط، وتساعد الحكومة على تصميم سياسات عمومية دقيقة تستهدف “الفئة الحرجة”؛ خصوصًا المقاولات التي توجد بين 3 و7 سنوات من العمر، والتي تكون أكثر عُرضة للحل.
ويرى أن إصلاح منظومة الإفلاس يتطلب الانتقال من منطق “التصفية السريعة” إلى منطق “إعادة الهيكلة”، بما يسمح بمنح الشركات فرصة ثانية بدل دفعها نحو الزوال السريع.
وشدد على ضرورة تغيير النظرة الاجتماعية تجاه الفشل المقاولاتي، وتشجيع ثقافة “الفرصة الثانية”، لأن الاقتصادات القوية تبني قوتها على شركات متعثرة تستعيد حياتها، وليس على شركات ضعيفة تقاد إلى الانقراض.
❖ نحو اقتصاد راسخ
يؤكد سامي على أن المغرب بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد “حرق المقاولات” إلى اقتصاد “ترسيخ المقاولات”، موضحًا أن هذا التحول يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين الحكامة والتمويل والرقمنة، وتوازنات السوق، وتكافؤ الفرص، وآجال الأداء، وتدبير المخاطر.
وأبرز أن الهدف ليس فقط خلق المزيد من المقاولات، بل بناء وحدات قادرة على الاستمرار والنمو والاندماج في السلاسل الإنتاجية، بما يخلق قيمة مضافة حقيقية وفرص شغل مستدامة.
وشدد على أن الطريق إلى اقتصاد قوي يمر عبر تقوية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لأنها تمثل العمود الفقري للنسيج الإنتاجي، وعبر إصلاحات بنيوية تضع الاستمرارية فوق الكمية، والجودة فوق العدد، والحكامة فوق المؤشرات التقنية.
وأوضح المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أنه بدون ذلك؛ سيظل الاقتصاد الوطني عرضة للدوران السريع للمقاولات على حساب رسوخها، وهو ما يقوض فرص بناء نموذج تنموي متوازن وفعال.

