أكدت السلطات السورية، خلال زيارة ميدانية مشتركة مع وفد تقني مغربي مكلف بالتحضير لإعادة فتح سفارة المملكة المغربية في دمشق، إغلاق المقر الذي كان يشغله ممثلو جبهة “البوليساريو” بالعاصمة السورية.
وشكلت هذه الزيارة مناسبة لتجديد التزام دمشق الصريح بسيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية، مع رفضها القاطع لأي دعم للكيانات الانفصالية.
وتندرج هذه الخطوة في إطار دينامية إيجابية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين الرباط ودمشق، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار على المستويين الثنائي والإقليمي. وبالتالي، هل يشكل هذا التحول مؤشراً على انفتاح أوسع لسوريا على محيطها العربي، وعودة تدريجية للتوازن في مواقفها الدبلوماسية بعد سنوات من العزلة؟
♦تحول نوعي بالمشرق العربي
اعتبر مشيج القرقري، مشيج القرقري، المسؤول عن العلاقات الخارجية بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن قرار السلطات السورية إغلاق ما يسمى بمكاتب البوليساريو فوق أراضيها يشكل تحولًا نوعيًا في تعاطي عدد من الدول العربية مع قضية الصحراء المغربية، وهو في العمق خطوة سياسية تحمل دلالات إقليمية كبيرة، وتؤشر على بداية مرحلة جديدة من التقارب العربي بشأن الموقف من الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
وأوضح القرقري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا القرار لا يمكن اعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، بل هو موقف سيادي صريح من دولة محورية في المشرق العربي كانت إلى وقت قريب تحتفظ بمسافة من القضية، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، نجاحًا آخر للدبلوماسية المغربية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، والتي ظلت ثابتة على المبادئ وراكمت، في صمت وبتأنٍ، مكتسبات استراتيجية في ملف الصحراء.
وأكد المتحدث أن إغلاق ما يسمى بمكاتب الجبهة الانفصالية في دمشق ينسجم مع مبدأ أساسي تؤمن به الدول العربية وهو احترام وحدة الدول وسيادتها، مبرزًا أن المغرب ظل لعقود يطالب بهذا المبدأ، ليس فقط فيما يتعلق بقضيته الوطنية، ولكن أيضًا في تعامله مع الأزمات العربية والإقليمية، حيث لطالما دافع عن وحدة الأراضي السورية، ودعا إلى حل سياسي للأزمة في هذا البلد الشقيق، بعيدًا عن التدخلات الخارجية أو مشاريع التقسيم.
ويرى القرقري أن التحول في الموقف السوري ليس معزولًا عن هذا السياق، بل يعكس وعيًا متزايدًا لدى القيادة السورية بأن دعم الكيانات الانفصالية يهدد الأمن القومي العربي برمته، ويضعف الدول بدل أن يخدم استقرارها. موضحا أن قرار دمشق يتقاطع مع ما باتت تعيه عدد من العواصم العربية، وهو أن معركة الحفاظ على وحدة الدولة أصبحت اليوم أولوية تتقدم على الحسابات الأيديولوجية أو التحالفات الظرفية، خاصة بعد ما عرفته دول كثيرة من انقسامات داخلية وصراعات مزمنة.
وأشار القرقري إلى أن هذا التطور الدبلوماسي المهم يتزامن مع خطوة أخرى تمثلت في فتح سفارة المغرب في كينيا، الدولة الإفريقية ذات الوزن السياسي والتي كانت في فترة سابقة تُحسب ضمن الدول المترددة أو غير المنحازة بشكل واضح للموقف المغربي.
♦نضج دبلوماسي مغربي
وقال المتحدث إن تزامن فتح سفارة كينية في الرباط وغلق ما يسمى بمكتب جبهة البوليساريو بسوريا في أسبوع واحد يعكس نضجًا في الحضور الدبلوماسي المغربي على الصعيدين العربي والإفريقي، ويؤكد أن الدفاع عن القضية الوطنية يتم وفق رؤية استراتيجية مندمجة، تشمل القنوات السياسية والرسمية والبرلمانية والحزبية، وتقوم على نسق متكامل يراعي خصوصيات كل ساحة دبلوماسية على حدة. موضحا أن المغرب لا يسعى إلى الهيمنة أو فرض مواقفه على الآخرين، بل يشتغل وفق منطق الإقناع والدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها قضية وحدته الترابية التي تحظى بإجماع وطني واسع، وتُعتبر أحد الثوابت التي لا تقبل المساومة.
وفي تقييمه لتأثير الخطوة السورية على مواقف باقي الدول العربية، أكد القرقري أن هذه المبادرة ستُحدث بدون شك دينامية جديدة، وستشجع عددا من الدول التي لا تزال مترددة أو صامتة على مراجعة مواقفها، والانخراط في دعم المسار الأممي الذي يعترف بمغربية الصحراء ويعتبر الحكم الذاتي إطارًا واقعيًا وذي مصداقية لتسوية هذا النزاع المفتعل.
وأبان المتحدث أن اللحظة الراهنة تفرض على الدول العربية أن تكون واضحة في مواقفها، لأن الغموض لم يعد ممكنًا في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتزايد التحديات الأمنية، واستمرار الأطراف المعادية في استغلال نقاط التردد لبث الفوضى أو تقسيم الدول. مردفا على أن المغرب يتعامل مع هذه التغيرات بمرونة وعقلانية، وهو منفتح على كل تقارب حقيقي يضع المصالح المشتركة في المقدمة ويقوم على الاحترام الكامل للسيادة الوطنية.
وحول مستقبل العلاقات المغربية السورية في ضوء هذا المستجد، اعتبر القرقري أن إغلاق مكتب البوليساريو في دمشق هو بداية فعلية لإعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية، شريطة أن تُبنى على أسس جديدة، بعيدة عن منطق المحاور أو الاصطفافات، ومبنية على الواقعية السياسية والمصالح المتبادلة.
وأكد أن المغرب يظل داعمًا لوحدة سوريا، وحق شعبها في تقرير مصيره واختيار نظامه السياسي بحرية، بعيدًا عن التدخلات والضغوط، مبرزًا أن سوريا تبقى دولة مركزية في المشرق العربي، واستقرارها عنصر ضروري لإعادة التوازن إلى المنطقة. معتبرا أن أي انفتاح مغربي سوري مستقبلي يجب أن يُراعي هذا البعد الاستراتيجي، وأن يُسهم في إعادة بناء محور عربي متماسك، تكون فيه القضايا القومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية في صلب الأولويات، إلى جانب دعم استقرار الدول وصون وحدتها الوطنية.
وخلص القرقري في نهاية تصريحه على أن هذا التحول في الموقف السوري هو نتيجة تراكمات إيجابية راكمتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، وأنه يعكس الثقة التي باتت تحظى بها المملكة لدى العديد من العواصم العربية والإفريقية. مشددا على أن الدفاع عن قضية الصحراء لم يعد مجرد أولوية وطنية، بل أصبح جزءًا من معركة إقليمية أوسع للدفاع عن الشرعية الدولية ووحدة الدول، وأن المغرب سيواصل نهجه القائم على الحوار والتعاون، دون أن يتنازل عن مبادئه أو عن حقوقه المشروعة.

