أبرزت تصريحات رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عقب زيارته للمملكة يوم الأربعاء الماضي، بخصوص توقع بلاده استثمار ما يناهز 45 مليار أورو في أفق 2050 بالمغرب، إلى جانب إشادته بالتطور الإيجابي للمبادلات التجارية بين البلدين؛ سعي مدريد لتوطيد علاقاتها الاقتصادية والتجارية أكثر مع الرباط، وهو ما يدفع للتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء هذه الخطوة، والمكاسب التي سيجنيها البلدين من وراء ذلك.
♦ أرقام المعاملات التجارية بين البلدين
تكشف الأرقام الرسمية أن إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب منذ 2012، حيث تنشط أكثر من 800 شركة إسبانية في المملكة، وهو ما تعزز في إطار استمرارية الدينامية التي أطلقتها المرحلة الجديدة للعلاقات الثنائية بين البلدين، والتي تم تدشينها منذ اللقاء بين الملك محمد السادس، ورئيس الوزراء الإسباني سانشيز في أبريل 2022، والذي توج باعتماد البيان المشترك بين الرباط ومدريد.
في هذا الصدد، تجاوزت التدفقات التجارية بين البلدين الأرقام القياسية المسجلة في عام 2022، مع تعزيز العلاقات الدبلوماسية، حيث ارتفعت صادرات إسبانيا إلى المغرب من 3 % إلى 3.2 % من الإجمالي، في حين ارتفعت الواردات من 1.9 % إلى 2.1 % من إجمالي التجارة، وذلك خلال الفترة الممتدة من يناير إلى شتنبر 2023.
وبلغت الصادرات الإسبانية إلى المغرب نهاية العام الماضي أكثر من 11.7 مليار أورو، بزيادة قدرها 23.7 % مقارنة بفترة ما قبل وباء “كورونا”؛ فيما بلغت الواردات من هذا البلد أكثر من 8.6 مليارات أورو، بنمو قدر بحوالي 30 %.
وأشار ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في وقت سابق إلى أن مدريد هي أول شريك تجاري خارجي للمملكة، مبرزا خلال لقائه مع نظيره الإسباني أن العلاقات بين البلدين لها آفاق قوية في إطار تنظيم مونديال 2030، وأنها تدفع الجانبين إلى تطويرها بشكل كامل.
زيارة سانشيز للمغرب.. ماهي دلالات الزيارة وهل تحمل في طياتها رسائل سياسية لأعداء الوحدة الترابية؟
♦ دلالات استثمار إسبانيا لـ 45 مليار أورو بالمغرب
اعتبر محمد جذري، المحلل والخبير الاقتصادي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن إعلان سانشيز عن توقع بلاده لبلوغ استثماراتها لقيمة تقدر بـ 45 مليار أورو ببلادنا، هو مؤشر على أن العلاقات بين إسبانيا والمغرب تمر بأزهى مراحلها على كافة المجالات والمستويات؛ بما فيها الشق المتعلق بالتجارة والاقتصاد.
وأضاف جذري أن ما طرحه سانشيز بخصوص استثمارات بلاده بالمملكة ليس بجديد، بل يعد تنفيذا لما جاءت به خارطة الطريق التي تم توقيعها بين مدريد والرباط في أبريل 2022، مشيرا إلى أن المبادلات التجارية بين البلدين في سنة 2023 تجاوزت 20 مليار أورو، مشيرا إلى أن ذلك يعتبر أبرز دليل على التوجه الذي يسير فيه الجانبين من أجل تعزيز شراكتهما الاقتصادية بشكل مطرد وتصاعدي.
ولفت إلى أن القيمة الاستثمارية الكبيرة المعلنة عنها، تؤكد أن البلدين ماضيين قدما نحو كسب مجموعة من التحديات والرهانات خلال السنوات المقبلة، مشيرا إلى أن الفترة القادمة ستشهد زخما وسرعة كبيرين فيما يرتبط بتنزيل عديد المشاريع على أرض الواقع، لاسيما في الجانب المتعلق بتنظيم كأس العالم 2030، الذي سيحتضنه البلدين إضافة للبرتغال.
وتابع المحلل والخبير الاقتصادي أن عديد الاستثمارات الإسبانية بالمغرب ستتركز في جزء هام منها على المرافق والبنية التحتية التي تخص الاستعداد إلى المونديال، موضحا أن هذا الجانب سيحقق مكاسب اقتصادية عديدة لكل من مدريد والرباط، وسيمكن من بلوغهما التكامل الاقتصادي المنشود.
♦ المكاسب الاقتصادية المشتركة بين الرباط ومدريد
يرى محمد جذري أن الشراكة الثنائية بين البلدين قائمة على المصالح والمنافع المتبادلة في إطار سياسة رابح-رابح، معتبرا أن استثمار إسبانيا لملايير الدولارات ستكون له مردودية وأرباح اقتصادية في ظل الأوراش والمشاريع الكبرى التي يعد لها المغرب، كمونديال 2030 والمبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل وغرب إفريقيا للمحيط الأطلسي، مبرزا أن هذه الأمور ترتبط ببرامج كبيرة يتطلب تنفيذها كفاءات وشركات ذات تجربة عالية.
وأردف أن مدريد هي الممون والزبون رقم واحد بالنسبة للمملكة المغربية بخصوص مختلف السلع والخدمات، مضيفا أن الرباط تأتي في المركز الثالث بلائحة زبائن إسبانيا بعد كل من الاتحاد الأوروبي وأمريكا وذلك منذ سنة 2012، مشيرا إلى وجود مجموعة من الرهانات المشتركة بين البلدين اليوم، والتي تتطلب التعاون وتظافر الجهود من أجل تحقيق الغايات والمنافع المتبادلة.
وأبرز المتحدث ذاته، أن هناك مجموعة من المشاريع المهمة المشتركة بين إسبانيا والمغرب، والتي تتقدمها الصناعات الخاصة بالطاقات المتجددة، وكذا القطاع السياحي الذي يعولان عليه البلدين كثيرا في تحقيق معدلات عالية بنموهما الاقتصادي، إضافة لما يتعلق بصناعة السيارات، لافتا إلى أن تواجد مدريد بهاته المجالات يتصاعد يوما بعد آخر بالمملكة، نظرا لتوفر بلادنا على فرص استثمارية محفزة ووجود العنصر البشري المؤهل بها.
وتابع الخبير والمحلل السياسي أن إسبانيا تسعى أيضا لإيجاد موطئ قدم وموقع لها في إفريقيا، حتى تتمكن من تبوؤ مكانة استراتيجية على المستويين السياسي والاقتصادي داخلها؛ مبرزا أن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا بمساعدة المملكة المغربية لها، لاسيما في وجود عديد المنافسين الذين سبقوها في هذا التوجه كروسيا والصين وتركيا، إلى جانب الفاعل التقليدي بالقارة الإفريقية ألا وهو فرنسا.
ولفت إلى أن المغرب يعد من أبرز مزودي جارته الشمالية بالمنتجات الفلاحية وغيرها من المواد، التي تساهم بشكل أو آخر بتحقيق الأمن الغذائي لمدريد، مبرزا أن الرباط تلعب دورا مهما في مكافحة ومحاربة الهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود ومكافحة الإرهاب، لافتا إلى أن هذه الأمور لها تأثير كبير ومباشر على الأنشطة الاقتصادية داخل القارة الإفريقية، والتي تسعى إسبانيا للتوسع التجاري داخلها.
وشدد جذري على أن الشراكة الاقتصادية الناجحة والمثمرة في كلا الاتجاهين بين المغرب وإسبانيا؛ لا تعد سوى جزء من أوجه العلاقة الوطيدة بين البلدين، موضحا أن التطور المستمر في مختلف المجالات بين مدريد والرباط من شأنه أن يعود بالنفع الكبير على اقتصاد المملكتين، ويساهم في خلق مزيد من فرص الشغل والمبادرات الاقتصادية لشركات وشباب الدولتين.

