في خطوة دبلوماسية لافتة، أعلنت روسيا عن توسيع دائرة الدول الإفريقية المستفيدة من نظام الإعفاء من التأشيرة، لتشمل إحدى عشرة دولة من بينها المغرب، وفق ما كشفته وزارة الخارجية الروسية خلال مائدة مستديرة بمجلس الدوما (البرلمان الروسي)، حيث يأتي هذا التوجه في سياق إستراتيجية موسكو الرامية إلى تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية، من خلال آليات جديدة تركز على دعم السياحة والتبادل الثقافي وتسهيل حركة الأفراد، بما ينسجم مع طموحها لتقوية شراكاتها جنوب-جنوب وخلق مساحات أوسع للتقارب السياسي والاقتصادي مع دول إفريقية صديقة.
واللافت في هذه الدينامية يتمثل في غياب الجزائر عن قائمة الدول المشمولة، رغم محاولاتها المتكررة لتعزيز أدوارها بالقارة وترسيخ موقعها لدى الفاعلين الدوليين، إذ يثير هذا الاستبعاد أسئلة ضمنية حول خلفيات الاختيار الروسي ومعاييره، وما إذا كان يعكس إعادة رسم غير معلنة للتحالفات في إفريقيا، أو تحولاً في توازنات النفوذ داخل المنطقة المغاربية، كما يطرح الأمر تساؤلات حول موقع المغرب المتقدم ضمن هذه المبادرة، والكيفية التي يمكن من خلالها لهذا الامتياز الدبلوماسي الجديد أن يعيد تشكيل مستويات التعاون المغربي-الروسي مقارنة بعواصم أخرى لم يشملها القرار.
المغرب ضمن المستفيدين.. روسيا تسعى لتوسيع “الإعفاء من التأشيرة” مع الدول الإفريقية الصديقة
❖ السياق العام
يبرز هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن هذه المبادرة الروسية القاضية بتوسيع نظام الإعفاء من التأشيرة لتشمل إحدى عشرة دولة إفريقية؛ تأتي ضمن رؤية تراكمية تتبناها موسكو منذ سنوات لتعزيز حضورها داخل القارة بآليات ناعمة تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية.
وقال معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، إن روسيا تدرك أن التنافس الدولي داخل إفريقيا لم يعد مقتصرًا على الشراكات العسكرية أو على التعاون الأمني المرتبط بمكافحة الإرهاب، بل بات يتطلب قدرة على اختراق الفضاءات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهو ما يظهر جليًا في اختيارها لآلية تحرير حركة الأفراد كأداة لتقوية علاقاتها مع الدول الإفريقية ذات الأولوية.
وأردف أنه وفق هذا المنظور، يُقرأ قرار الإعفاء من التأشيرة على أنه خطوة محسوبة في سياق بناء شبكة تواصل مدني-اجتماعي تمنح موسكو قدرة إضافية على ترسيخ نفوذها، عبر خلق تبادل بشري وثقافي يسهم في إعادة تشكيل صورة روسيا داخل مخيلة الشعوب الإفريقية بعيدًا عن الصورة النمطية المرتبطة بالحضور الأمني.
وأوضح أنه يبدو أن هذا التوجه يعكس رغبة روسية واضحة في استثمار الديناميات الجديدة داخل الجنوب العالمي، عبر سياسات مرنة وغير صدامية، في وقت تتراجع فيه قوة الحضور الغربي التقليدي.
ولفت إلى أن هذه المقاربة جاءت ضمن سياق دولي متسارع، تتعاظم فيه أهمية الأسواق الإفريقية وتتعاظم فيه أيضًا فرص التعاون التنموي والتقني، ما يجعل الانفتاح على القارة خيارًا استراتيجيًا بالنسبة لروسيا الساعية إلى تنويع شراكاتها وتخفيف آثار الضغوط الدولية عليها.
منتدى التعاون العربي الروسي بمراكش.. هل يستغل المغرب الحدث كبوابة لتعزيز علاقاته بروسيا؟
وأكد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، على أن هذه المبادرة تعتبر إحدى بوابات موسكو لإعادة تموقعها كفاعل دولي قادر على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية ذات الطابع المتعدد الأقطاب.
❖ المغرب أولاً
يشير معتضد إلى أن إدراج المغرب في مقدمة الدول المستفيدة من الإعفاء؛ يعد خطوة دالة على قراءة روسية متقدمة للدور المتنامي الذي تلعبه الرباط داخل الفضاء الإفريقي؛ خصوصًا في غرب القارة والساحل.
وأبرز أن المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي محدود، بل أصبح نقطة ارتكاز في العديد من المبادرات الاقتصادية والدينية والأمنية، وهو ما يجعل منه شريكًا موثوقًا بالنسبة لموسكو في مسار بناء علاقاتها المدنية مع إفريقيا.
وأردف الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن اختيار المغرب يعكس تقديرًا روسيًا لاستقرار المملكة السياسي، وكفاءتها في بناء شراكات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى دون السقوط في منطق الاصطفاف.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأشار إلى أن الرباط نسجت خلال العقد الأخير شبكة واسعة من العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة والصين وروسيا في الآن نفسه، وهو ما يمنحها هامشًا واسعًا للتحرك الدبلوماسي ولتطوير مبادرات مشتركة لا تؤثر سلبًا على علاقاتها مع أي طرف.
واعتبر أن هذا الامتياز الدبلوماسي يفتح أمام المغرب آفاقًا جديدة لتعزيز التعاون في مجالات السياحة والطاقات المتجددة والأمن الغذائي والتعليم العالي والنقل والخدمات الرقمية.
ولفت إلى أن الإعفاء من التأشيرة ليس مجرد تسهيل تقني، بل هو مقدمة لمنح المقاولات المغربية والروسية فضاءً أوسع للتفاعل، ولتطوير مشاريع ذات مردودية اقتصادية يتجاوز أثرها العلاقات الثنائية إلى بُعد إفريقي أوسع؛ خصوصًا في ظل توفر المغرب على بوابة مؤسساتية قوية باتجاه غرب إفريقيا.
❖ غياب الجزائر
على الرغم من أن الجزائر تقدم نفسها منذ عقود كشريك تقليدي لروسيا في شمال إفريقيا، إلا أن غيابها عن قائمة الدول المستفيدة ترك تساؤلات عديدة حول طبيعة المقاربة الجديدة التي تعتمدها موسكو تجاه المنطقة المغاربية.
ويرى معتضد أن هذا الاستبعاد مرتبط بتغير فلسفة روسيا في التعاون الإفريقي، حيث لم تعد موسكو تمنح الأفضلية للعلاقات التاريخية بقدر ما تبحث عن شراكات ذات قابلية أكبر للتنفيذ العملي، قائمة على الانفتاح الاقتصادي والاستقرار السياسي ووضوح الرؤية الاستراتيجية.
ونبه إلى أنه بينما تعتمد الجزائر خطابًا سياسيًا ذي طابع مؤدلج يرتكز على التحالفات التقليدية، تتحرك موسكو وفق براغماتية محسوبة تستحضر القدرة الفعلية لكل دولة على تعزيز الربط الإقليمي وإطلاق مشاريع ذات أثر ملموس.
واستطرد أنه من هذا المنظور، يبدو أن موسكو ترى في المغرب فاعلاً أكثر قدرة على فتح أبواب إفريقيا الغربية والساحل، مقارنة بالجزائر التي تواجه تحديات داخلية وإقليمية تجعلها أقل انخراطًا في الديناميات الاقتصادية الصاعدة بالقارة.
منتدى التعاون العربي الروسي بمراكش.. هل يستغل المغرب الحدث كبوابة لتعزيز علاقاته بروسيا؟
وأوضح أن المقاربة الروسية الجديدة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يجعل الشركاء الذين يمتلكون شبكة دبلوماسية مرنة وحضورًا اقتصاديًا قويًا أكثر انسجامًا مع التوجه الاستراتيجي لموسكو.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، على أن غياب الجزائر لا يعكس قطيعة بقدر ما يشير إلى مرحلة انتقالية تحتاج فيها الجزائر إلى إعادة تقييم خطابها ومقاربتها إذا أرادت الاندماج في التصور الروسي الجديد لإفريقيا.
❖ تحولات إفريقية
يبرز معتضد أن إفريقيا تسير اليوم نحو مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ الدولي، حيث تتراجع قوة بعض الشركاء التقليديين مثل فرنسا، مقابل صعود قوى أخرى مثل روسيا والصين وتركيا، لافتًا إلى أنه في هذا السياق، يقدم الإعفاء من التأشيرة أداة مرنة وفعالة تسمح لروسيا بترسيخ حضورها بشكل أقل كلفة وأكثر تأثيرًا؛ بعيدًا عن منطق التدخلات الأمنية المباشرة.
واعتبر أن هذه المبادرة تعكس وعيًا روسيًا متزايدًا بأن إفريقيا ليست فضاءً هامشيًا، بل مجالاً تتقاطع فيه مشاريع جيوسياسية عالمية؛ خاصة في مناطق الساحل والغرب الإفريقي التي تعرف منافسة قوية بين الفاعلين الدوليين.
الرباط تعزز محور الساحل الإفريقي.. استمرارية استراتيجية أم تحوّل إقليمي؟
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، أنه من هنا يصبح بناء شبكات تواصل بشرية أحد مفاتيح النفوذ الجديد، بما يحمله من قدرة على خلق تفاعلات دبلوماسية وثقافية طويلة المدى.
وشدد على أن هذا التحول يحدث في وقت تعمل فيه الدول الإفريقية نفسها على إعادة تقييم علاقاتها الدولية، والبحث عن شركاء يقدمون مشاريع تنموية لا ترتبط بالشروط السياسية الثقيلة.
وأشار إلى أن هذا الأمر يجعل المقاربة الروسية، القائمة على الشراكة المتوازنة وعدم التدخل؛ جذابة للعديد من الدول، بما فيها تلك التي تبحث عن بديل أو مكمل للعلاقات التقليدية مع الغرب.
❖ رهانات المغرب
يعتبر معتضد أن هذا التطور يمثل فرصة للمغرب لتعزيز تموقعه كجسر استراتيجي بين روسيا وإفريقيا؛ خصوصًا في ظل امتلاكه لمنظومة اقتصادية ودبلوماسية منفتحة، وقدرته على تقديم قيمة مضافة للمشاريع الروسية الموجهة للقارة.
وأضاف الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن الرباط تمتلك تجربة تمتد لسنوات في مجال التعاون جنوب-جنوب، ولها حضور قوي داخل المنظمات الإفريقية، وهو ما يجعلها شريكاً مثاليًا لروسيا في بناء مبادرات ذات بُعد قاري.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
وأوضح أن هذه الفرصة تحمل أيضًا تحديات دقيقة تتعلق بضرورة الحفاظ على توازن العلاقات المغربية مع القوى الدولية الأخرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وأبرز أن المغرب يعتمد سياسة خارجية تقوم على التنويع المدروس للشركاء، دون الانخراط في اصطفافات قد تثير حساسيات جيوسياسية غير مرغوبة، لافتًا إلى أنه من هنا تبدو الحاجة إلى إدارة دقيقة لمسارات التعاون مع روسيا بما يضمن التكامل دون التضارب.
وأشار إلى أن المغرب يمتلك القدرة على تحقيق هذا التوازن بفضل استقلالية قراره الدبلوماسي، وقدرته على قراءة التحولات الدولية بطريقة براغماتية، ما يسمح له بتوظيف أي انفتاح دولي لصالح اقتصاده ومصالحه الاستراتيجية، دون الدخول في محاور مغلقة أو تحالفات صدامية.
❖ هندسة جديدة للعلاقات
يوضح هشام معتضد أن القرار الروسي ليس مجرد مبادرة تقنية، بل هو جزء من هندسة جديدة للعلاقات مع إفريقيا تقوم على الاحترام المتبادل وتوسيع قنوات التواصل الإنساني وإطلاق تعاون مرن بعيدًا عن المقاربات الأمنية الضيقة.
وأردف أنه في هذه الهندسة، يظهر المغرب كفاعل قادر على استيعاب هذه الدينامية واستثمارها، بينما تجد دول أخرى نفسها أمام ضرورة مراجعة مقاربتها إذا أرادت الحفاظ على موقعها في التوازنات المقبلة.
ولفت إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد منافسة أكبر على الشراكات الإفريقية، ما يجعل المبادرات المرتبطة بالإعفاء من التأشيرة أو تسهيل الحركة مجرد مقدمة لتحولات أعمق ستطال مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة.
واعتبر الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن قراءة هذا القرار بمعزل عن السياق الدولي الأوسع ستكون قراءة ناقصة، بالنظر إلى الارتباط العضوي بين التحولات الإفريقية والتغيرات الجيوسياسية على المستوى العالمي.
وشدد على أن المغرب يمتلك موقعًا متميزًا للاستفادة من هذا التحول؛ شريطة الاستثمار الذكي في العلاقات الروسية-الإفريقية، وتعزيز موقعه كقوة استقرار ذات رؤية واضحة ومؤسسات قوية قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة، التي ستكون حتمًا مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ داخل القارة.

