يشهد قطاع الصيدلة بالمملكة حراكا واسعا حول مستقبل تنظيمه المهني والإصلاحات المرتقبة، في ظل نقاشات متزايدة حول ملكية الصيدليات، وضبط أوقات العمل، واعتماد نظام السلاسل.
ويتركز النقاش على كيفية تحقيق توازن بين تطوير القطاع وإدماج آليات تمويلية مبتكرة، من جهة، والحفاظ على البعد الصحي والاجتماعي للمهنة واستقلالية الصيدلي، من جهة أخرى.
ويواجه القطاع تحديات متعددة تتعلق بتمكين الصيادلة الشباب من تأسيس صيدليات جديدة، وضمان استقرار الأسعار، مع مراعاة خصوصيات الجغرافيا والصحة العمومية، ما يجعل إصلاح منظومة الصيدلة قضية حساسة ترتبط مباشرة بمصلحة المواطن واستمرارية الخدمات الصحية.
ويؤكد الخبراء والمراقبون على أهمية أن تكون أي إصلاحات شاملة تشاركية، تجمع مختلف الأطراف المعنية، بما يضمن استدامة القطاع، وحماية دور الصيدلية كمرفق صحي أساسي، وحفاظا على جودة الخدمات المقدمة داخل كل المناطق، الحضرية والقروية على حد سواء.
♦وحدة الموقف المهني الوطني
وعلاقة بالموضوع، يشدد محمد لحبابي هو رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب،على أن موقف صيادلة المملكة من القضايا المرتبطة بإصلاح القطاع يظل موحدا وثابتا وغير قابل للمقايضة، في مقدمتها الرفض القاطع لتحرير رؤوس أموال الصيدليات، وتحرير التوقيت، وإقرار نظام السلاسل، مع التأكيد على أن أي إصلاح يجب أن ينطلق من الحفاظ على البعد الصحي والإنساني للمهنة، وضمان أمن الدواء وحماية المصلحة العامة.
ويؤكد الدكتور لحبابي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الصيادلة عبر مختلف جهات المملكة يتقاسمون رؤية موحدة تجاه مستقبل مهنتهم، تقوم على الدفاع عن استقلالية الصيدلي وصيانة الدور الصحي للصيدلية باعتبارها مرفقا أساسيا في المنظومة الصحية الوطنية، وليس مجرد مشروع تجاري يخضع لمنطق العرض والطلب.
ويبرز المتحدث أن هذا التوافق المهني يعكس وعيا جماعيا بحجم التحديات التي يعرفها القطاع، سواء المرتبطة بتزايد الضغوط الاقتصادية أو بتنامي بعض المقترحات التشريعية التي يرى الصيادلة أنها تمس جوهر المهنة وتهدد توازنها.
ويعتبر أن وحدة الصف المهني تشكل عنصر قوة أساسي في مواجهة أي توجهات قد تؤدي إلى تفريغ الصيدلية من بعدها الصحي والاجتماعي، موضحا أن الصيدلي ظل، عبر التاريخ، فاعلا أساسيا في ضمان الولوج الآمن والمنصف للدواء، وفي مواكبة المرضى وتقديم الإرشاد والتوجيه.
ويضيف أن الحديث عن تحرير رؤوس أموال الصيدليات لا يمكن فصله عن مخاطر تحويل هذا المرفق الصحي إلى مجال مفتوح للاستثمار الرأسمالي الخالص، الأمر الذي قد يفضي إلى هيمنة فاعلين ماليين على القطاع، وإلى تراجع دور الصيدلي المهني لصالح منطق الربح السريع.
ويذكر على أن الصيادلة لا يعارضون التحديث أو التطوير، بل يطالبون بإصلاحات مدروسة تراعي خصوصية المهنة، وتستند إلى مقاربة تشاركية تجمع مختلف المتدخلين، وعلى رأسهم المهنيون أنفسهم، بدل فرض تصورات جاهزة لا تنبع من واقع الممارسة اليومية.
ويرى أن الدفاع عن المهنة اليوم هو في جوهره دفاع عن صحة المواطن، لأن أي اختلال في بنية الصيدلية سينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة، وعلى سلامة مسار العلاج، وعلى ثقة المواطنين في المنظومة الصحية ككل.
♦مخاطر تحرير القطاع الصحي
يحذر الدكتور لحبابي من أن تحرير رؤوس أموال الصيدليات، إلى جانب تحرير التوقيت وإقرار نظام السلاسل، يحمل في طياته مجموعة من المخاطر البنيوية التي قد تغير بشكل جذري طبيعة المهنة ووظيفتها داخل المجتمع.
ويظهر أن فتح المجال أمام الرساميل الكبرى للاستثمار في الصيدليات سيؤدي، على الأرجح، إلى تركيز السوق في يد فاعلين محدودين، ما سيقضي على الطابع القريب والإنساني للصيدلية، ويحولها إلى نقطة بيع تخضع لمنطق المنافسة التجارية القاسية.
ويشير إلى أن هذا التحول قد يضعف استقلالية الصيدلي في اتخاذ قراراته المهنية، خصوصا فيما يتعلق باختيار الأدوية، وتقديم النصيحة العلاجية، واحترام أخلاقيات المهنة، لأن الأولوية ستصبح في كثير من الأحيان مرتبطة بالأهداف الربحية للمستثمرين.
ويبين أن تحرير التوقيت، في غياب ضمانات واضحة، قد يخلق فوضى تنظيمية داخل القطاع، ويزيد من حدة المنافسة غير المتكافئة بين الصيدليات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للخريطة الصيدلانية بالمملكة.
ويلفت إلى أن نظام السلاسل، كما هو مطروح في بعض التجارب الدولية، لا ينسجم بالضرورة مع خصوصيات السياق المغربي، حيث تلعب الصيدلية دورا اجتماعيا يتجاوز البيع، ليشمل المصاحبة الصحية والتوعية والوقاية.
ويذهب إلى أن استنساخ نماذج أجنبية دون تكييفها مع الواقع الوطني قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويعمق الفوارق المجالية، ويضعف حضور الصيدلية في المناطق الهشة والقروية التي تعاني أصلًا من خصاص في الخدمات الصحية.
ويؤكد أن حماية التوازن داخل القطاع ليست مطلبًا فئويًا، بل ضرورة لضمان استمرارية خدمة عمومية ذات جودة، تحترم كرامة المهني وتحفظ حق المواطن في دواء آمن ومتاح.
♦إصلاح مسؤول يحمي المهنة
يدعو الدكتور لحبابي إلى فتح نقاش وطني جاد ومسؤول حول مستقبل الصيدلة في المغرب، يقوم على تشخيص دقيق للاختلالات القائمة، وعلى بلورة حلول واقعية تستحضر البعد الصحي والاجتماعي والاقتصادي للمهنة.
ويقترح أن يرتكز أي إصلاح على تعزيز دور الصيدلي داخل المنظومة الصحية، من خلال توسيع مهامه في مجالات الوقاية والتتبع العلاجي والتوعية، وتمكينه من أدوات قانونية ومؤسساتية تضمن ممارسة مهنية مستقلة ومسؤولة.
ويشدد على أهمية تحسين الظروف الاقتصادية للصيدليات بطرق تحافظ على طابعها الصحي، مثل مراجعة بعض هوامش الربح، ومحاربة التوزيع غير القانوني للأدوية، وتعزيز مراقبة السوق لضمان تكافؤ الفرص بين المهنيين.
ويذهب إلى أن تطوير التكوين الأساسي والمستمر للصيادلة يشكل رافعة أساسية لرفع جودة الخدمات، ولمواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية التي يعرفها مجال الدواء.
ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بمدى انفتاح القطاع على الرساميل، بل بمدى قدرته على الاستجابة لحاجيات المواطنين الصحية، وعلى ترسيخ الثقة بين المريض والمهني والمؤسسات.
وأفاد محمد لحبابي أن الصيادلة سيظلون منفتحين على كل مبادرة إصلاحية جادة تحترم هوية المهنة ورسالتها، وفي المقابل سيواصلون الدفاع، بكل الوسائل المشروعة، عن استقلاليتهم وعن الدور الحيوي للصيدلية كمرفق صحي في خدمة المجتمع.

