يعود ملف إصلاح منظومة التعليم العالي إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعد الاجتماع الذي ترأسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش بالرباط لتتبع تنزيل الأوراش المرتبطة بتطوير الجامعة المغربية، في سياق بناء منظومة جامعية قادرة على مواكبة التحولات التنموية وتعزيز جودة الرأسمال البشري، حيث يأتي هذا الاجتماع في ظل مؤشرات جديدة تتعلق بارتفاع عدد الطلبة وتوسيع العرض البيداغوجي وإطلاق مشاريع لتعزيز الإيواء الجامعي وتطوير التخصصات الرقمية والصحية.
وتطرح هذه الدينامية الإصلاحية في المقابل عددًا من الأسئلة المرتبطة بمدى قدرة هذه الإجراءات على إحداث تحول نوعي داخل الجامعة المغربية، سواءً على مستوى جودة التكوين أو ملاءمته مع متطلبات سوق الشغل، وحول إن كانت تعكس هذه المؤشرات بداية تحول حقيقي في نموذج التعليم العالي بالمغرب، أم أن التحدي الأكبر سيظل مرتبطًا بمدى فعالية تنزيل هذه الإصلاحات على أرض الواقع وتحقيق التوازن بين الكم والجودة داخل المنظومة الجامعية.
الحكومة ترفع ميزانية التعليم العالي بـ 30% وتكشف عن مشاريع ضخمة للإيواء والعدالة المجالية
❖ مفارقة الإصلاح
يبرز رشيد جرموني، أستاذ التعليم العالي بجامعة جامعة مولاي إسماعيل – قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، والباحث في قضايا التربية والتعليم والتكوين، أن المغرب يعيش اليوم مفارقة واضحة في ملف التعليم العالي، إذ في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن طموحات كبيرة لإصلاح المنظومة الجامعية وجعلها قادرة على مواكبة الأوراش التنموية الكبرى، فإن النتائج المحققة على أرض الواقع ما تزال محدودة نسبيًا.
وأشار جرموني في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقاس فقط بزيادة الميزانيات أو توسيع البنيات التحتية، بل بمدى القدرة على إحداث تحول عميق في طريقة اشتغال الجامعة ووظيفتها داخل المجتمع.
وأضاف أن التعليم العالي في المغرب يشهد بالفعل توسعًا كميًا مهمًا، حيث تستقبل الجامعات المغربية اليوم أكثر من مليون طالب، وهو رقم يعكس الطلب المتزايد للمجتمع على التعليم الجامعي.
بين النقد والتبخيس.. هل تكشف تصريحات ميداوي عن أزمة ثقة في التعليم العمومي؟
وأردف الباحث في قضايا التربية والتعليم والتكوين، أن الجامعات موزعة عبر مختلف جهات المملكة، من شمالها إلى جنوبها، وهو ما يعكس جهودًا واضحة في تعميم العرض الجامعي وتوسيع الولوج إليه.
وغير أن هذا التوسع الكمي في نظره، لا يواكبه دائمًا تطور نوعي مماثل، خصوصًا على مستوى جودة التكوين والبحث العلمي، فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في زيادة عدد المؤسسات أو الطلبة، بل في ضمان جودة التكوين وتأهيل الجامعة لتكون فضاءً لإنتاج المعرفة والابتكار، وليس فقط مؤسسة لتخريج أعداد متزايدة من الطلبة.
❖ نموذج بيداغوجي
من بين الإشكالات الكبرى التي يطرحها جرموني مسألة النموذج البيداغوجي المعتمد داخل الجامعة المغربية، فبالرغم من اعتماد نظام الإجازة والماستر والدكتوراه؛ المعروف بنظام “LMD”، فإن هذا النظام لم يصاحبه إصلاح عميق في المضامين البيداغوجية أو في طرق التدريس والتقييم.
ولفت إلى أن عددًا من الآليات الأساسية التي يفترض أن تواكب هذا النموذج ما تزال غائبة أو غير مفعلة بالشكل المطلوب، مثل اللجنة الدائمة للبرامج أو الإطار الوطني للإشهاد أو آليات التكوين البيداغوجي للأساتذة الباحثين.
وأبرز الباحث في قضايا التربية والتعليم والتكوين، أن هذا القصور يجعل النموذج المعتمد أقرب إلى إصلاح شكلي منه إلى تحول حقيقي في فلسفة التعليم الجامعي.
ونبه إلى أن الجامعة المغربية لم تنخرط بعد بشكل كافٍ في التحولات التكنولوجية الكبرى التي يشهدها العالم، وعلى رأسها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن هذه التحولات تفرض إعادة التفكير في طرق التدريس وفي طبيعة المهارات التي يجب أن يكتسبها الطلبة، لكن الجامعة بحسبه ما تزال بعيدة نسبيًا عن مواكبة هذه التحولات.
وأضاف أن الفجوة الرقمية داخل الجامعات نفسها تشكل عائقًا إضافيًا، إذ توجد فروقات واضحة بين المؤسسات والجهات من حيث التجهيزات والولوج إلى الموارد الرقمية.
وذكر أن بعض الكليات ذات الاستقطاب المفتوح، ما يزال عدد من الطلبة يفتقرون حتى إلى الوسائل الأساسية مثل الحواسيب الشخصية، وهو ما يحد من قدرتهم على الاستفادة من الموارد التعليمية الرقمية.
❖ الموارد البشرية
يعتبر جرموني أن تأهيل الموارد البشرية يشكل أحد أهم مفاتيح إصلاح التعليم العالي، غير أن هذا الجانب ما يزال يواجه عددًا من التحديات، فالتوظيفات الجديدة في الجامعات غالبًا ما تهدف إلى تعويض الخصاص الناتج عن التقاعد أكثر من كونها جزءًا من استراتيجية لتطوير المنظومة.
ولفت إلى أنه تظهر هذه الإشكالية بشكل واضح في الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح، حيث تصل نسبة التأطير في بعض التخصصات إلى حوالي مائتي طالب لكل أستاذ، خاصة في كليات الحقوق والاقتصاد والآداب.
واعتبر الباحث في قضايا التربية والتعليم والتكوين، أن هذه النسبة المرتفعة تؤثر بشكل مباشر على جودة التكوين وعلى قدرة الأساتذة على مواكبة الطلبة وتأطيرهم بشكل فعّال.
حكومة أخنوش بين تحديات الواقع وتصعيد المعارضة والنقابات.. قراءة في حيثيات الأزمة السياسية
وطرح جرموني إشكالية أخرى تتعلق بنظام الترقي المهني للأساتذة الباحثين، الذي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الأقدمية بدل تقييم الأداء العلمي، ففي العديد من الحالات، يتم الترقي بشكل شبه تلقائي بمجرد بلوغ الأستاذ شروطًا زمنية معينة، دون ربط ذلك بشكل صارم بالإنتاج العلمي أو جودة البحث.
واستحضر في هذا السياق تجربته السابقة كأستاذ زائر في معهد الدوحة للدراسات العليا، حيث تعتمد المؤسسات الجامعية هناك على نظام تقييم صارم يعتمد على مراجعات علمية خارجية لملفات الأساتذة الباحثين قبل ترقيتهم، وهو ما يعكس أهمية ربط الترقية بمعايير الجودة والإنتاج العلمي.
❖ إشكالية الحكامة
من القضايا التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الوسط الجامعي مسألة الحكامة الجامعية، خصوصًا بعد اعتماد القانون الجديد المنظم للتعليم العالي، ويرى جرموني أن هذا القانون أثار توترًا بين وزارة التعليم العالي والنقابة الوطنية للتعليم العالي بسبب بعض المقتضيات المرتبطة بطريقة تدبير الجامعات.
وأبرز أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تتعلق بإحداث ما يسمى “مجلس الأمناء”، الذي سيعوض في جزء من اختصاصاته الهياكل القائمة على الانتخاب داخل الجامعات، فبدل أن يكون تمثيل الأساتذة داخل مجالس الجامعة قائمًا على الانتخاب من طرف زملائهم، قد يصبح مرتبطًا بالتعيين، وهو ما يثير مخاوف من تراجع استقلالية الجامعة.
وأكد أن استقلالية الجامعة تشكل شرطًا أساسيًا لتطوير البحث العلمي وتحسين جودة التكوين، لأن الجامعة التي تفتقر إلى هامش كافٍ من الاستقلالية يصعب عليها أن تؤدي دورها كاملاً في إنتاج المعرفة وتطوير الابتكار.
وأثار مسألة حضور ممثلي السلطات الترابية داخل بعض هياكل الحكامة الجامعية، معتبرًا أن ذلك قد يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجامعة والسلطة التنفيذية، ومدى تأثير ذلك على استقلالية القرار الأكاديمي.
❖ الجامعة والاقتصاد
يؤكد جرموني أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الجامعة المغربية يتعلق بعلاقتها بالمحيط الاقتصادي، فالتجارب الدولية الناجحة تظهر أن الجامعات القوية هي تلك التي ترتبط بشبكات واسعة من الشراكات مع المقاولات والمؤسسات الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، يشدد على أن العلاقة بين الجامعة والاقتصاد يجب ألا تكون علاقة تبعية أحادية الاتجاه، بل علاقة تكامل متبادل، فالجامعة لا ينبغي أن تكون مجرد مؤسسة لتلبية حاجيات سوق الشغل، بل أيضًا فضاءً لإنتاج المعرفة التي يمكن أن تساهم في تطوير الاقتصاد نفسه.
إحصاء 2024 يكشف ارتفاع معدل البطالة.. فما الأسباب وراء تنامي الظاهرة وأين تكمن الحلول؟
وأضاف أن تحقيق هذا التكامل يتطلب منح الجامعات استقلالية أكبر حتى تتمكن من تطوير شراكات استراتيجية مع الفاعلين الاقتصاديين داخل الجهات، بما يسمح بخلق أقطاب جامعية ومدن للابتكار تدعم التنمية الجهوية.
وأشار إلى أن غياب هذه الدينامية يساهم في تعميق مفارقة معروفة في المغرب، تتمثل في ارتفاع البطالة بين خريجي بعض التخصصات الجامعية، مقابل وجود طلب كبير من سوق الشغل على مهارات وتخصصات أخرى لا توفرها الجامعة بالشكل الكافي.
❖ تحدي الجودة
رغم الانتقادات التي يوجهها لمسار الإصلاح، يؤكد جرموني أن الجامعة المغربية حققت خلال السنوات الأخيرة عددًا من الإنجازات المهمة على المستوى الكمي، خصوصًا فيما يتعلق بتوسيع البنيات التحتية الجامعية وفتح مؤسسات جديدة في مختلف جهات المملكة.
ولفت إلى أن عدة مدن شهدت إحداث كليات جديدة، بما في ذلك كليات الطب والصيدلة، وهو ما يعكس توجهًا نحو تعميم التكوينات المتخصصة وتخفيف الضغط عن المؤسسات الجامعية الكبرى.
محاولات الهجرة الجماعية.. أحداث تسائل مصير التعهدات الحكومية بخلق مليون فرصة عمل للشباب
واعتبر أن التحدي الأساسي يظل مرتبطًا بجودة التكوين، إذ لا يكفي توسيع العرض الجامعي إذا لم يواكبه تطوير حقيقي في المضامين البيداغوجية وفي طرق التدريس والتقييم.
ولفت إلى إشكالية أخرى تتعلق بتنامي التعليم العالي الخاص، الذي أصبح شريكًا مهمًا في منظومة التعليم العالي، فبينما يوفر هذا القطاع في كثير من الأحيان ظروفًا أفضل للتكوين، فإن تكلفته المرتفعة تجعله متاحًا فقط لفئات محدودة من المجتمع.
وحذر من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية داخل التعليم العالي، بحيث يصبح الولوج إلى تكوينات ذات جودة عالية مرتبطًا بالقدرة المادية، وهو ما قد يمس بمبادئ تكافؤ الفرص والعدالة التربوية.
وشدد على أن إصلاح التعليم العالي في المغرب يتطلب فتح نقاش وطني واسع يشارك فيه مختلف الفاعلين، من جامعيين وباحثين وطلبة وصناع قرار، بهدف إعادة التفكير في مستقبل الجامعة المغربية ودورها في التنمية.
ويرى الباحث في قضايا التربية والتعليم والتكوين، أن الالتزام بروح الإصلاحات الكبرى التي نص عليها القانون الإطار للتعليم قد يشكل مدخلاً أساسيًا لتجاوز الاختلالات الحالية وبناء جامعة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

