تستعد الحكومة لإطلاق جولة جديدة من الحوار الاجتماعي منتصف شتنبر الجاري مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، لبحث سيناريوهات إصلاح أنظمة التقاعد التي تعيش وضعية مالية حرجة، وفي مقدمتها الصندوق المغربي للتقاعد المهدد بالعجز، حيث إن هذا اللقاء الذي ستحتضنه وزارة الاقتصاد والمالية، يأتي في سياق اجتماعي وسياسي حساس، إذ يسود توجس واسع من أن تؤول مخرجاته إلى خيارات تقليدية مثيرة للجدل؛ مثل رفع سن التقاعد وزيادة نسبة الاقتطاعات، وهي إجراءات تعتبرها النقابات مجرد “ترقيع” يعاقب الشغيلة ويضعف القدرة الشرائية لأكثر من مليون ونصف موظف وأجير.
ولا تطرح هذه الجولة فقط أسئلة تقنية مرتبطة بتوازنات الصناديق، بل تفتح أيضا نقاشًا أوسع حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الكلفة بين الدولة وأرباب العمل والأجراء، وتبرز فرضيات حول إن كانت الحكومة ستظل متمسكة بما يسميه النقابيون “الحلول السهلة والأكثر قسوة”، أم ستتبنى مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار إدماج القطاع غير المهيكل وتحسين الحد الأدنى للمعاش، وما يرافق ذلك من إمكانية أن يشكل هذا الملف ورقة انتخابية حاسمة قبيل استحقاقات 2026، في ظل اشتداد التوتر الاجتماعي وتراجع الثقة بين الفرقاء.
❖ سياق متجدد
يرى الحسين اليماني، عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن ملف التقاعد ليس جديدا على أجندة الحوار الاجتماعي، بل ظل مطروحا منذ سنوات طويلة دون أن يجد طريقه إلى حل جذري.
وأبرز اليماني في تصريح لجريدة “شفاف”، أن كل الحكومات المتعاقبة تعاملت مع هذا الورش بمنطق محاسباتي ضيق، فيما تم تسويقه إعلاميا كـ”إصلاح”، بينما في الحقيقة لم يكن سوى “ترقيعا” يزيد من معاناة الموظفين والأجراء.
واستحضر الفاعل النقابي في هذا السياق تجربة حكومة عبد الإله بنكيران، التي مررت سنة 2016 إصلاحا وصفه بـ”التعسفي”، حيث تم رفع سن التقاعد والزيادة في الاقتطاعات، دون أن يؤدي ذلك إلى إنقاذ الصناديق أو تحسين وضعية المتقاعدين.
مفارقات أرقام سوق الشغل المغربي في 2025.. تراجع في البطالة أم تمدد للشغل الناقص؟
وأضاف أن الحكومة الحالية تسعى إلى استغلال هذا الملف لتسجيل ما تعتبره “منجزات”، خاصة وهي تعيش سنتها الأخيرة من الولاية، غير أن ذلك يتم على حساب حقوق الموظفين والأجراء، وهو ما ترفضه الكونفدرالية بشكل قاطع.
وشدد عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على أن أي إصلاح لا يمكن أن يمر إلا عبر نقاش واسع؛ مبني على حلول جذرية تضمن استدامة صناديق التقاعد وتحمي كرامة المتقاعدين.
واعتبر المتحدث ذاته، أن هذا الملف ليس تقنيًا أو محاسباتيًا فحسب، بل هو ركن أساسي من أركان الدولة الاجتماعية التي ترفعها الحكومة كشعار.
ومن غير المعقول، يقول اليماني، أن يتم الترويج لمشروع تعميم الحماية الاجتماعية في وقت يتم فيه الإصرار على تقليص معاشات المتقاعدين وضرب القدرة الشرائية للشغيلة.
❖ خيارات حكومية
يعتبر اليماني أن الحكومة لم تأتِ بجديد، وأنها تكرر نفس المقاربة التي اعتمدتها حكومة بنكيران، موضحًا أن السيناريوهات المطروحة تتلخص في رفع سن التقاعد تدريجيا نحو 65 أو حتى 67 سنة، والزيادة في نسب الاقتطاعات، وتقليص المعاشات.
ويرى أن هذه الإجراءات لا تعدو أن تكون حلولا سهلة وقاسية في الوقت نفسه، لأنها تعاقب الموظف الذي قضى أربعين سنة في خدمة الإدارة أو المدرسة أو المستشفى، وتطلب منه أن يواصل العمل إلى ما بعد الستين.
وأكد أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل رفضت هذه المقاربة في الماضي، وستظل ترفضها في الحاضر، لأنها تمس بشكل مباشر الحقوق المكتسبة للطبقة العاملة.
وشدد عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على أن هذه السياسات لن تساهم إلا في توسيع دائرة الاحتقان الاجتماعي؛ خاصة مع تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
ولفت إلى أن الحكومة تراهن على الأغلبية البرلمانية لتمرير أي إصلاح، لكنها لا تفكر في الكلفة السياسية لذلك، مبرزًا أن الملف مرتبط بالسياق الانتخابي المقبل، ومعارضة النقابات والشارع لهذه الإجراءات قد تترجم إلى خسائر انتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية.
❖ الموارد المالية
يبرز اليماني أن أي إصلاح جاد للتقاعد ينبغي أن ينطلق من توسيع قاعدة الموارد المالية، بدل الاكتفاء بإثقال كاهل الموظفين، مقترحًا في هذا الإطار توسيع الوعاء عبر خلق فرص شغل جديدة في القطاعين العام والخاص؛ ما من شأنه زيادة عدد المشتركين في الصناديق.
وشدد عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على ضرورة محاربة الاقتصاد غير المهيكل الذي يضم ملايين العمال غير المصرح بهم، والذين يحرمون الصناديق من مداخيل هامة.
وأشار إلى أن الدولة نفسها لم تكن في مراحل معينة، تؤدي حصتها من الاشتراكات الخاصة بموظفيها؛ وهو ما شكل سابقة سلبية شجعت القطاع الخاص على التملص من التزاماته.
وأبرز الفاعل النقابي أن الدولة مطالبة بأن تكون قدوة في الانضباط بأداء واجباتها تجاه صناديق التقاعد، وأن تعمل على إدماج كل الفئات العاملة في المنظومة.
ولفت إلى أن الاشتراكات التي يتم تجميعها لا تخصص فقط لصرف المعاشات الشهرية، بل يتم توظيفها ماليا ورأسمالها للاستثمار؛ غير أن تدبير هذه الأموال ظل دون المستوى المطلوب، ما يفرض مراجعة سياسات التوظيف المالي وتحسين مردوديتها بما يساهم في تعزيز موارد الصناديق.
❖ الحكامة
إلى جانب الموارد، يركز اليماني على مسألة الحكامة باعتبارها المدخل الثاني لإصلاح أنظمة التقاعد، موضحًا أن إشراك ممثلي الأجراء في تدبير شؤون الصناديق ضرورة ملحة لضمان الشفافية والرقابة، بدل ترك القرارات بيد جهات حكومية أو إدارية فقط.
ونبه عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلى أن المتقاعدين والموظفين والأجراء هم أصحاب المصلحة الحقيقيون، ومن حقهم المشاركة في القرارات التي تهم أموالهم ومستقبلهم.
وشدد أيضا على ضرورة القطع مع كل أشكال التبذير والفساد التي عرفتها بعض الصناديق في الماضي، والتي أهدرت مدخرات المتقاعدين دون محاسبة حقيقية، مبرزًا أن الحكامة الجيدة ليست خيارًا تقنيًا بل شرطا لضمان الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
واعتبر أن تحسين التسيير المالي والاستثماري لاحتياطات الصناديق يمكن أن يشكل رافعة مهمة لتقويتها؛ شريطة أن يتم ذلك في إطار شفاف ومسؤول، وبمشاركة جميع الأطراف المعنية.
❖ الواقع المُعاش
ينبه اليماني إلى أن وضعية المتقاعدين في المغرب تكشف حجم الاختلالات؛ فهناك أعداد كبيرة لا يتجاوز معاشها 1000 أو 1500 درهم، فيما الحد الأقصى في القطاع الخاص لا يتعدى 4200 درهم، مبرزًا أنها مبالغ لا تكفي لتغطية تكاليف المعيشة، خاصة في ظل موجة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
ويرى أن أي إصلاح لا يضمن رفع المعاشات إلى مستوى يحفظ كرامة المواطن سيظل إصلاحًا ناقصًا، موضحًا أن المتقاعدين ليسوا مجرد أرقام في جداول محاسباتية، بل هم مواطنين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة الوطن، ومن غير المقبول أن يواجهوا الشيخوخة والفقر بمعاشات هزيلة.
وانتقد الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “حوار جدي وتوافقي”، معتبرًا أنه خطاب بلا ثقة ولا أساس واقعي، لأن الحكومة تكرر نفس العبارات حول إصلاح التقاعد أو قانون الإضراب، بينما في الممارسة تلجأ إلى تمرير قراراتها بالأغلبية العددية في البرلمان، وذلك دون أي مراعاة للواقع المعاش
❖ توازنات نقابية
يؤكد اليماني أن الحديث عن “موقف موحد” للنقابات مبالغ فيه، لأن ثلاث نقابات فقط هي التي تمثل العمال قانونيا على طاولة الحوار مع الحكومة، بسبب اعتماد الأخيرة على معيار الأكثر تمثيلية في هذا الجانب.
وأشار عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلى أن بعض النقابات انحازت بشكل واضح للحكومة، إما عبر تحالف مباشر مع رئيسها أو عبر مواقف مترددة لم تدافع عن حقوق الأجراء بوضوح.
بين التزامات الحوار الاجتماعي واستدامة الإصلاحات.. هل يحافظ المغرب على صلابة توازناته الاقتصادية؟
وأضاف أن “إحدى النقابات الثلاثة الأكثر تمثيلية تابعة في الأصل لأحد أحزاب الأغلبية، والثانية التي تعتبر نفسها مستقلة؛ سهلت على الحكومة في وقت سابق مهمة دمج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS) في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
وشدد على أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تظل الصوت الأكثر استقلالية في مواجهة هذه السياسات، وأنها ستواصل الدفاع عن القدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين بكل الوسائل المتاحة.
وأبرز أن عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الإصلاح لا يمكن أن يكون على حساب الفئات الضعيفة، بل يجب أن ينبني على تنمية اقتصادية حقيقية وحكامة رشيدة.
وأكد على أن المدخلين الأساسيين لأي إصلاح ناجح هما تنمية الموارد وتوسيع الوعاء من جهة، وإرساء حكامة شفافة تشرك النقابات وتقطع مع الفساد من جهة أخرى، أما غير ذلك، فلن يكون سوى إعادة إنتاج نفس “الترقيع” الذي أثبت فشله في الماضي.

