أعاد موقف وزير الرياضة بجنوب إفريقيا، المشيد بالتنظيم المغربي المحكم لكأس الأمم الإفريقية 2025 وبجاهزية المملكة لاحتضان كأس العالم 2030؛ تسليط الضوء على المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل المشهد الرياضي الإفريقي والدولي، حيث إن هذه الإشادة، التي تجاوزت الجوانب التقنية إلى إبراز جودة البنيات التحتية وحسن التدبير واحترافية التنظيم، عكست صورة بلد استطاع توظيف الرياضة كرافعة استراتيجية لترسيخ حضوره القاري وتعزيز موقعه كنموذج إفريقي ناجح في تنظيم التظاهرات الكبرى.
ويكتسب هذا الخطاب الإيجابي دلالات أعمق بالنظر إلى تزامنه مع مواقف سياسية لافتة صادرة عن شخصيات وازنة في جنوب إفريقيا دعمت مبادرة الحكم الذاتي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بقضية الصحراء المغربية؛ وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الدبلوماسية الرياضية تشكل مدخلاً لإعادة صياغة العلاقات بين الرباط وبريتوريا، وحول مدى تحول هذا التقارب الرمزي إلى مراجعة حقيقية داخل دوائر القرار الجنوب إفريقية، ثم عن قدرة المغرب على استثمار هذا المناخ الجديد لإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل الاتحاد الإفريقي وتقليص هوامش الدعم للأطروحات الانفصالية.
❖ لغة السياسة
يبرز أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية، أن الفصل بين التصريحات العرضية والمواقف السياسية الرسمية في العلاقات الدولية يظل أمرًا إشكاليًا، لأن السياسة لا تدار فقط عبر البيانات الصريحة، بل أيضًا من خلال الإشارات والرموز والإيماءات التي تحمل رسائل مباشرة أو مبطنة.
وأكد نور الدين في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن أي تصريح صادر في سياق رسمي؛ خصوصًا حين يكون مكتوبًا وموجهًا إلى مسؤول حكومي في دولة أخرى، لا يمكن اعتباره مجرد مجاملة عابرة أو خطاب بروتوكولي فارغ من الدلالات.
وشدد الخبير في العلاقات الدولية على أن الحالة التي نحن بصددها لا تتعلق بتعليق شفهي عابر أو انطباع شخصي، بل برسالة رسمية صادرة عن عضو في الحكومة الجنوب إفريقية، وهو ما يمنحها وزنًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
وأردف أن مثل هذه الرسائل، حتى وإن صدرت في سياق رياضي، تندرج ضمن أدوات التواصل الدبلوماسي غير المباشر، وتسهم في تهيئة الأجواء لإعادة بناء الثقة بين الدول.
تحوّل موقف جنوب إفريقيا تجاه قضية الصحراء المغربية.. انفتاح ظرفي أم مراجعة جيوسياسية عميقة؟
ومن هذا المنطلق، يعتبر نور الدين أن استبعاد فرضية وجود تقارب محتمل بين جنوب إفريقيا والمغرب سيكون قراءة ناقصة؛ خاصة إذا ما تم ربط هذا التصريح بجملة من المعطيات الأخرى، من بينها مواقف صدرت عن الرئيس الحالي سيريل رامافوزا، والرئيس السابق جاكوب زوما.
وفي السياق ذاته، أشار أيضًا إلى الحضور المتنامي لشخصيات جنوب إفريقية مؤثرة باتت تنظر إلى المغرب كشريك استراتيجي داخل القارة.
❖ القوة الناعمة
في معرض حديثه عن دور الدبلوماسية الرياضية، يؤكد أحمد نور الدين على أن الرياضة، وبالأخص كرة القدم، لم تعد مجالاً ترفيهيًا معزولاً عن الحسابات السياسية، بل أصبحت تُدرَّس اليوم ضمن أدوات التأثير الجيوسياسي والقوة الناعمة.
ولفت الخبير في العلاقات الدولية إلى أن هذا التحول البارز الآن ليس وليد اللحظة، بل له جذور تاريخية عميقة في مسار العلاقات الدولية.
واستحضر مثال “دبلوماسية كرة الطاولة” في سبعينيات القرن الماضي، حين شكلت الرياضة مدخلاً غير متوقع للتقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، في سياق الحرب الباردة.
وأردف أن ذلك التقارب الرياضي فتح الباب أمام تحولات استراتيجية كبرى، من بينها استعادة بكين مقعدها داخل مجلس الأمن، وولوجها مرحلة جديدة من الاستثمارات الأمريكية ثم الأوروبية، وهي الدينامية التي مهدت لصعود الصين كقوة عالمية وازنة.
وانطلاقًا من هذا المثال، يرى نور الدين أنه لا ينبغي التقليل من أثر الرياضة كوسيلة لإعادة تشكيل العلاقات السياسية، خاصة في القارة الإفريقية حيث تحظى كرة القدم بمكانة رمزية وشعبية استثنائية.
وشدد على أنه حين ينجح بلد مثل المغرب في تقديم نموذج تنظيمي عالمي، فإنه لا يعزز صورته الرياضية فقط، بل يبعث برسائل سياسية حول قدرته على القيادة والاستقرار وحسن التدبير؛ وهي عناصر أساسية في بناء النفوذ الإقليمي.
❖ مؤشرات التقارب
يذهب أحمد نور الدين إلى أن قطار التقارب بين الرباط وبريتوريا قد انطلق فعليًا، ولم يعد مجرد احتمال نظري، مستدلاً على ذلك بزيارة الرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما إلى المغرب، والتي أعلن خلالها دعمه الصريح للمقترح المغربي للحكم الذاتي، واعتبر أن نزاع الصحراء هو في جوهره صناعة استعمارية أوروبية.
واعتبر أن هذا الموقف يمثل تطورًا بالغ الأهمية، لأنه صدر عن شخصية قادت لسنوات الحزب الحاكم في جنوب إفريقيا، ومن دولة ظلت تعد من آخر الحلفاء التقليديين للجزائر داخل القارة الإفريقية.
واستطرد الخبير في العلاقات الدولية، أن هذا التحول يعكس بداية مراجعة عميقة للمواقف السياسية المعادية للمغرب داخل جزء من النخبة السياسية الجنوب إفريقية.
وأشار إلى أن هذا المسار لا يمكن فصله عن التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية في أعقاب القرار الأخير لمجلس الأمن، والذي أكد بشكل صريح أن الحل المتفاوض عليه يجب أن يكون في إطار السيادة المغربية.
جنوب إفريقيا تطرق أبواب المغرب عبر قضية الصحراء.. هل يفتح زوما باب التقارب بين بريتوريا والرباط؟
وأوضح أن هذا المعطى، إلى جانب الاعتراف الأمريكي والدعم الفرنسي، ومراجعة الموقف الإسباني، يضعف منطق الاستمرار في دعم أطروحات انفصالية لم تعد تجد سندًا دوليًا وازنًا.
❖ حدود التحول
رغم أهمية القرار الأممي والمواقف الداعمة للمغرب، يؤكد أحمد نور الدين أنها تبقى أوراقًا ضرورية لكنها غير كافية لوحدها لإحداث تحول نهائي داخل مواقف بعض الدول الإفريقية، وفي مقدمتها جنوب إفريقيا.
ونبه إلى أن الدبلوماسية لا تبنى على القرارات فقط، بل تحتاج إلى عمل تراكمي ومنهجي يستهدف تفكيك السرديات القديمة التي ما تزال راسخة داخل بعض الأوساط السياسية.
مستقبل عضوية “البوليساريو”.. هل تعيد قمة أديس أبابا رسم موازين القُوة داخل الاتحاد الإفريقي؟
وشدد على أن الدبلوماسية المغربية مطالبة اليوم بتنظيم حملات منسقة ومتواصلة تجاه جنوب إفريقيا، بهدف هدم ما تبقى من “قلاع وأوهام الانفصال”، وكشف حقيقة المخطط الاستعماري الذي سعى إلى تقسيم المغرب، والذي جرى تقديمه زيفًا على أنه قضية تحرر.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية على أن لدى المغرب من الحجج التاريخية والقانونية والوثائق ما يكفي لإقناع ليس فقط بريتوريا، بل الرأي العام الدولي بعدالة قضيته.
❖ أوراق إضافية
يلفت أحمد نور الدين إلى أن المغرب يتوفر أيضًا على أوراق رمزية قوية يمكن توظيفها لدعم التقارب مع جنوب إفريقيا، وفي مقدمتها شهادة الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، الذي أكد أن المغرب كان أول بلد قدم الدعم بالسلاح والمال لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي في نضاله ضد نظام الفصل العنصري.
ويرى أن استحضار هذا البعد التاريخي والإنساني يشكل مدخلاً مهمًا لإعادة بناء الثقة، لأنه يضع العلاقات المغربية–الجنوب إفريقية في سياقها الحقيقي؛ بعيدًا عن القراءات الأيديولوجية الضيقة التي حكمت مواقف بريتوريا لعقود.
وأكد على أن الكرة اليوم في ملعب وزارة الشؤون الخارجية المغربية، معربًا عن اعتقاده بأن قنوات الاتصال مع الجهات المعنية في جنوب إفريقيا قد فُتحت بالفعل منذ مدة.
وأبرز أن التحدي هو تحويل هذا التقارب الرمزي إلى مسار دبلوماسي مستدام؛ قادر على إعادة رسم موازين القوى داخل الاتحاد الإفريقي، وترسيخ واقع سياسي جديد يعكس التحولات العميقة التي تعرفها القارة.

