يعرف المشهد المقاولاتي دينامية لافتة خلال مستهل سنة 2025، حيث أفاد المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية بأنه تم إحداث ما مجموعه 19.565 مقاولة جديدة عند متم شهر فبراير، ووفقًا للمعطيات الصادرة ضمن لوحة القيادة العامة لبارومتر إحداث المقاولات، فإن هذه المقاولات تتوزع بين 13.998 مقاولة معنوية (أشخاص اعتباريون) و5.567 مقاولة فردية (أشخاص ذاتيون)، في مؤشّر يعكس جزئيًا الحيوية المتنامية لقطاع ريادة الأعمال بالمغرب، وتزايد الانخراط في المشاريع الاقتصادية الذاتية في مختلف جهات المملكة.
وتُطرح مع هذه الأرقام أسئلة ضمنية حول مدى قدرة النسيج المقاولاتي الجديد على إنتاج قيمة مضافة حقيقية، والمساهمة الفعلية في التشغيل وتقليص الفوارق المجالية، خاصة في ظل استمرار هيمنة قطاعات التجارة والبناء والخدمات، كما يفتح هذا المعطى الباب للتساؤل بشأن بيئة الاستثمار وظروف احتضان المقاولات الناشئة، ومدى توفر الآليات المواكِبة لهذا الزخم، سواء من حيث التكوين والتمويل أو من خلال التحفيزات الجبائية والتشريعية الكفيلة بتحويل هذه الدينامية الكمية إلى تحول نوعي في بنية الاقتصاد الوطني.
♦ بنية جاذبة للاستثمار
يرى إدريس العيساوي، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن الرقم المسجَّل في بداية سنة 2025، والمتمثل في إحداث 19.565 مقاولة جديدة، لا يمكن اعتباره مجرد رقم عابر، بل هو مؤشر قوي على فعالية الآليات التي بات المغرب يتوفر عليها لتشجيع خلق المقاولات.
وشدد العيساوي في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن المملكة استطاعت خلال السنوات الأخيرة، أن تهيكل بيئة استثمارية تتسم بالجاذبية والسرعة في الإجراءات، مع تنويع الإمكانات التقنية والمادية الموضوعة رهن إشارة المقاولين، خاصة الشباب منهم.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وأكد أن إنشاء مقاولة في السياق المغربي لم يعد بالمهمة الصعبة كما كان في السابق، بل أصبح اليوم متاحًا بشكل سلس نسبيًا بفضل الرقمنة وتبسيط المساطر، مشيرًا إلى أن ذلك مكّن عددًا كبيرًا من الشباب من تجاوز إكراهات الانطلاق، على غرار غياب التمويل أو صعوبة الحصول على مقرات ملائمة.
وأردف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن استيعاب هذا الزخم الكمي يتطلب إدراك أن المقاولات المحدثة تنشط في مجالات مختلفة، خصوصًا في قطاع التجارة والصناعة الخفيفة، مما يعكس تعددية في توجهات الاستثمار المحلي.
♦ تحسن مناخ الأعمال
انطلاقًا من هذه الدينامية، يعتبر العيساوي أن تحسّن مناخ الأعمال في المغرب لم يعد محل شك، مشيرًا إلى أن الإطار القانوني المنظِّم للمقاولة بات يتميز بالمرونة والتيسير، وهو ما منح المقاولين قدرة على العمل في وضوح تام وبثقة متزايدة.
وأبرز أن هذا الإطار لا يقتصر فقط على القوانين، بل يشمل أيضًا مستوى التعاملات الإدارية، التي أصبحت أكثر فاعلية، خاصة على مستوى التسجيل والتوثيق والجباية.
ولفت إلى أن هذا التحول انعكس على تموقع المغرب في المؤشرات الدولية ذات الصلة بمناخ الأعمال، كما ساعد على تعزيز الثقة في الاستثمار الداخلي والخارجي على السواء.
وأكد أن التراكم الكمي في خلق المقاولات هو انعكاس مباشر لتطور الإطار المؤسسي، لكنه يظل في حاجة إلى تعزيز نوعي مستدام، لا سيما في مجال التكوين والتأطير.
♦ التمركز الجهوي والتفاوتات
رغم الإيجابية العامة في المؤشرات، يلفت إدريس العيساوي إلى أن التوزيع الجغرافي للمقاولات يبرز استمرار تمركز النشاط المقاولاتي في أقطاب اقتصادية بعينها؛ على رأسها جهة الدار البيضاء سطات التي استأثرت بـ6381 مقاولة، متبوعة بطنجة تطوان الحسيمة (2528)، ثم الرباط سلا القنيطرة (2405)، ومراكش آسفي (2198)، وجهة فاس مكناس (1387).
ويعتبر أن هذا التمركز يعكس واقع البنية التحتية والفرص الاقتصادية المتفاوتة بين الجهات، حيث ما تزال المناطق ذات الوزن الاقتصادي الثقيل تستأثر بالنصيب الأوفر من الاستثمارات.
الأسر المغربية في مرمى الضغوط الاقتصادية.. قراءة في مؤشرات تهاوي الادخار والتوقعات السوداوية للأسعار
وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن الأرقام المتعلقة بالجهات الأخرى، وإن كانت متواضعة، فإنها تشير إلى بدايات تحول واعدة نحو توازن مجالي أكبر، خاصة مع تطور البنيات التكنولوجية واللوجستيكية في عدد من الجهات الداخلية.
وتابع أن خلق المقاولات في مناطق غير مركزية هو بمثابة استثمار في المستقبل، لأنه يفتح أفقًا جديدًا أمام التنمية المحلية، ويحد من النزوح نحو المدن الكبرى، إذا ما تم دعمه بالتحفيزات الملائمة والولوج السهل إلى التمويل والتكوين.
♦ هيمنة القطاعات التقليدية
يرى العيساوي أن القطاعات التي تستقطب أغلب المقاولات المحدثة تظل متمركزة حول التجارة والبناء والخدمات، وهي قطاعات تعتبر سهلة الولوج نسبيًا بالنسبة للمقاولين الجدد.
وذكر أن هذه القطاعات تظل ضرورية لجر الاقتصاد الوطني بحكم ارتباطها الوثيق بالحياة اليومية للمواطنين، لكنها لا تتيح بالضرورة تراكمًا نوعيًا في القيمة المضافة أو نقلًا تكنولوجيًا متقدما.
وفي المقابل، يقر بأن القطاعات الاستراتيجية مثل الصناعة والتكنولوجيا ما تزال حكرًا على فئات ضيقة من المستثمرين، ممن يمتلكون خبرات متقدمة ورؤوس أموال أكبر.
ولفت إلى أن الاستثمار في هذه القطاعات يتطلب بيئة مؤهلة من حيث البحث والتطوير، وحوافز ضريبية قوية، وتأطير متخصص، وهو ما يستدعي مقاربة استباقية لتوسيع قاعدة الاستثمار في الاقتصاد المبتكر.
♦ ضمان الاستدامة التنموية
في معرض تقييمه لاستدامة الزخم المقاولاتي الحالي، يشدد العيساوي على أن الحفاظ على هذه الدينامية يتطلب أولًا تعزيز الشفافية في العلاقة بين المقاول والإدارة، وتيسير سبل التواصل المباشر.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي، أن وضوح القواعد الضريبية وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الامتثال الجبائي يشكلان مفتاحًا أساسيًا في تقوية الثقة لدى المستثمرين.
ونبه إلى أن النظام الجبائي المغربي يجب أن يكون محفزًا وليس مثبطًا، داعيًا إلى مراجعة نسب الضرائب، خاصة في المراحل الأولى من عمر المقاولة.
واعتبر أن دعم هذا المسار يتطلب كذلك تشجيع مبادرات التكوين والمواكبة، وتوزيع الجهد الوطني بشكل عادل بين الجهات، حتى لا يبقى النمو رهينًا بمحاور اقتصادية تقليدية فقط.
وأوضح أن الرهان في المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في الكمّ، بل في الانتقال إلى مقاولات منتجة ومهيكلة ومندمجة في النسيج الاقتصادي الوطني، قادرة على التصدير، وخلق فرص الشغل، واحتضان الابتكار.

