أنعشت التساقطات المطرية والثلجية التي شهدتها المملكة خلال الأيام الأخيرة آمال الفلاحين والساكنة القروية في إنقاذ بداية الموسم الفلاحي، بعد سنوات متتالية من الجفاف وندرة المياه، حيث إن هذه الأمطار، التي همّت مناطق واسعة من البلاد، أعادت الحيوية للأراضي الزراعية، وساهمت في تحسين رطوبة التربة، وتخفيف الضغط على الأعلاف، وخلق أجواء إيجابية داخل الأوساط المهنية التي علَّقت كثيرًا من الآمال على موسم قد يعيد التوازن للإنتاج النباتي والحيواني، ولو جزئيا.
ويطرح هذا التحسن المناخي الظرفي في عمقه، أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرته على تعويض العجز المطري المتراكم، وحول ما إذا كانت هذه التساقطات كافية لإحداث تحول حقيقي في وضعية الموارد المائية والفرشة الجوفية، كما يفتح النقاش حول حدود التعويل على الأمطار الموسمية في ظل تصاعد مؤشرات التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وتكرار سنوات الجفاف، بما يستدعي التفكير فيما إذا كان الأمر يتعلق بانفراج مؤقت أم بإشارات أولى لمسار مختلف ما يزال محاطا بكثير من الحذر.
❖ أثر أولي
يؤكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة خلقت لحظة ارتياح واسعة داخل العالم القروي والمهنيين الزراعيين، بعد مواسم متتالية من شح المياه وتراجع المخزون السطحي والجوفي.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، يرى بنرامل أن هذه الأمطار التي شملت مناطق واسعة من البلاد؛ أعادت جزءًا من الحيوية للمدارات الزراعية، وفتحت نافذة أمل لإطلاق الموسم الفلاحي بشروط أفضل مما كان متوقعا قبل بداية دجنبر الجاري.
وشدد على أن الفلاحين؛ خصوصًا في المناطق البورية، تلقوا هذه التساقطات باعتبارها متنفسًا ضروريًا لإنقاذ الحرث والبذر، وإعادة توازن التربة بعد سنوات من الجفاف الذي ترك أثرًا واضحًا على المردودية ودورة الإنتاج.
وأضاف أن الأثر الأولي لهذه التساقطات كان واضحًا على رطوبة التربة التي استعادت جزءًا من قدرتها على دعم الزراعات الخريفية، وهو ما سينعكس على مقومات الموسم من حيث الإنبات، ومقاومة الأمراض، واستقرار النمو النباتي.
ولفت الخبير البيئي إلى أن المراعي الطبيعية عرفت انتعاشًا نسبيًا، وهو ما سيخفف الضغط المالي على الفلاحين الذين عانوا ارتفاع أسعار الأعلاف بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة.
واعتبر أن هذا التحسن الأولي مهم، لكنه يظل مرتبطًا باستمرار التساقطات وانتظامها؛ خاصة خلال شهري دجنبر الخالي ويناير القادم اللذين يشكلان العمود الفقري للموسم الفلاحي بالمغرب.
وأبرز أن هذا الانفراج المناخي، وإن كان مرحبًا به، يجب أن يُقرأ في سياق أطول يمتد لخمسة مواسم عرفت خصاصًا مهولا في التساقطات، مما أدى إلى تراجع مياه السدود واستنزاف الفرشات الجوفية، مشيرًا إلى أن أي تقييم موضوعي لهذا التحسن يجب أن يوازن بين الارتياح الحالي وواقع البنيات المائية التي ما تزال تحت الضغط.
❖ عجز مستمر
يرى بنرامل أن العجز المطري المتراكم، والذي راكمته سنوات الجفاف المتتالية، لا يمكن تعويضه بتساقطات ظرفية، مهما كانت غزارتها.
وأردف أن المغرب يعيش منذ سنوات على وقع تراجع كبير في مؤشرات الأمن المائي؛ سواءً عبر مخزون السدود الذي انخفض إلى مستويات حرجة في عدة مناطق، أو عبر المؤشرات المرتبطة بالفرشة الجوفية التي تعرضت لاستنزاف كبير بسبب الري والاستهلاك المنزلي والصناعي.
وأكد أن التساقطات الأخيرة حسَّنت بشكل أولي رطوبة التربة والمراعي، لكنها لم تحقق تحولاً حقيقيًا في الوضع المائي العام، لأن جزءًا كبيرًا منها يذهب نحو الترطيب السطحي بدل التسرب الباطني، بحكم جفاف التربة وتحجرها.
ولفت الخبير البيئي إلى أن الفرشة المائية تحتاج بطبيعتها، إلى أمطار متتالية وبمستويات منتظمة لكي تستعيد حيويتها، وهو ما لم يتحقق بعد بشكل كافٍ.
وأبرز أن السدود سجلت بعض الارتفاع الطفيف في الواردات المائية، لكنه يظل محدودًا وغير ذي أثر جوهري ما لم تستمر المنخفضات الرطبة لفترات طويلة خلال الأسابيع المقبلة.
واعتبر أن الحديث عن تحسن مؤكد في الوضع الهيدرولوجي سابق لأوانه، لأن أي تأثير بنيوي يتطلب سلسلة من التساقطات المتتابعة التي تغطي العجز العام، وليس فقط أمطارًا ظرفية مهما كان وقعها إيجابيًا.
❖ موارد هشة
يؤكد بنرامل أن المغرب بحكم موقعه الجغرافي، يوجد في منطقة تعرف ندرة مائية بنيوية تتفاقم بفعل التغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع التساقطات المنتظمة.
ويرى الخبير البيئي أن الساكنة القروية تعاني بشكل مضاعف من هذا الوضع الهش، لأن موردها الأساس المتمثلة في الماء؛ يعرف تراجعًا واضحًا منذ سنوات، وهو ما ينعكس مباشرة على نمط عيشها، وقدرتها على زراعة أراضيها وتربية ماشيتها.
ولفت إلى أن العديد من المناطق عاشت خلال السنتين الماضيتين على وقع نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، واضطرت إلى الاعتماد على الصهاريج المتنقلة، في حين عانت مناطق أخرى جفافًا للعيون والآبار، مما أضعف النسيج القروي اجتماعيًا واقتصاديًا.
أخنوش يبرئ مخطط المغرب الأخضر من تهمة “ندرة المياه”.. فأين الحقيقة؟
واستطرد أنه من هذا المنظور، فإن أي تساقطات وإن كانت مهمة نسبيًا؛ تمنح فقط فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعني خروجًا فعليًا من دائرة الخطر.
واعتبر أن الهشاشة المائية بالمغرب مرشحة للتفاقم إذا لم تُعتمد سياسات جديدة تتجاوز منطق الانتظارية المرتبط بالأمطار، وتنتقل نحو مقاربة استباقية لمصادر مائية بديلة.
وأبرز أن التساقطات الأخيرة تساعد مؤقتًا في تخفيف العبء، لكنها لا تؤسس لتحول جذري من دون إصلاحات عميقة تشمل التخطيط المائي، وتوزيع الموارد، وترشيد الاستعمال الزراعي.
❖ بدائل ضرورية
يشدد مصطفى بنرامل على أن التعويل على الأمطار أصبح خيارًا غير واقعي؛ بالنظر إلى التحولات المناخية التي يعيشها المغرب منذ سنوات، والتي جعلت الأمطار غير منتظمة وقليلة، ومركزة في فترات قصيرة لا تكفي لتغذية الموارد المائية.
واعتبر أن اعتماد نموذج فلاحي ومائي يقوم أساسًا على التساقطات أصبح غير ملائم للظروف الحالية، ولا يسمح بتأمين الحاجيات المتزايدة للسكان والأنشطة الاقتصادية.
التساقطات المطرية الأخيرة.. ما تأثيرها على الموسم الفلاحي وكيف تساهم في إنتعاش الزراعات الخريفية ؟
وأضاف أن المغرب مطالب اليوم بتنويع مصادر الماء بشكل عاجل، من خلال تطوير محطات التحلية، وإعادة استغلال المياه العادمة، وتكثيف حصاد مياه الأمطار، وإعادة النظر في الزراعات المستهلكة للماء.
ونبه إلى أن هذه الخيارات لم تعد ترفًا أو مجرد حلول ظرفية، بل أصبحت جزءًا من الأمن الاستراتيجي للمغرب؛ سواءً في المدن أو في العالم القروي.
وأكد على أن المستقبل يتطلب تركيزًا كبيرًا على إدارة الطلب، وليس فقط تعبئة الموارد، من خلال ترشيد الري، وتوجيه الدعم نحو الزراعات الأقل استهلاكًا للماء، وتثمين المياه المستعملة، وتعزيز البنيات المحلية لتخزين وتجميع الموارد السطحية.
وأوضح الخبير البيئي أن المغرب يمتلك الإمكانات التقنية والمؤسساتية لاعتماد هذه المقاربة الشمولية، لكن النجاح يظل رهينًا بالسرعة في تنفيذ الإصلاحات، واستدامة الاستثمار في البنيات المائية.
❖ رؤية مستقبلية
يعتبر مصطفى بنرامل أن التساقطات الأخيرة، رغم أهميتها، يجب أن تقرأ بعين الحذر، لأنها لا تقدم جوابًا نهائيًا عن مستقبل الموسم، ولا عن مصير الأزمة المائية بالمغرب.
ولفت إلى أن ما تحقق حتى الآن هو انفراج محدود، يمنح فرصة لتصحيح مسار الموسم الزراعي، لكنه لا يكفي لتغيير الصورة الكاملة التي تفرضها سنوات الجفاف المتتالية.
وأوضح أن المستقبل يتطلب تكاملاً بين الأمطار الطبيعية والحلول التقنية الحديثة، لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في انتظار المنخفضات الجوية، بل في بناء منظومة مائية قادرة على مواجهة الندرة، والتكيف مع الاحترار العالمي، وتلبية الطلب المتزايد على الماء.
وأكد على أن المغرب يمتلك الموارد والمؤهلات والقدرات للبقاء ضمن الدول التي تدير ندرتها بكفاءة؛ شرط تبني رؤية واضحة ومستدامة توازن بين الحاجيات المائية، والقدرات البيئية، والتوجهات الاستراتيجية للدولة.
وشدد على أن الأمطار الأخيرة أنعشت الآمال؛ لكنها لا تكفي وحدها لضمان الأمن المائي، وأن التحول المطلوب يتجاوز الفصول والمواسم ليطال السياسات والخيارات الكبرى التي ستحدد مستقبل الماء والفلاحة في المغرب خلال العقدين المقبلين.

