تعود أزمة الأسواق المهدمة بمقاطعة الحي الحسني إلى الواجهة من جديد، بعد أن ازدادت حدّة الاحتقان الاجتماعي في صفوف مئات من الباعة والتجار الذين وجدوا أنفسهم بدون مصدر رزق، عقب قرارات الهدم التي طالت أسواقًا شعبية كانت تشكل نسيجًا اقتصاديا هشا لكنه أساسياً لعدد كبير من الأسر، وبموازاة عمليات الهدم التي تمت في غياب بدائل جاهزة، بدأت أصوات المتضررين ترتفع، محملة المسؤولية للسلطات المحلية وللمجالس المنتخبة، ومطالبة بتدارك اختلالات التدبير قبل انفجار الوضع.
وفي هذا السياق، تمكنت جريدة “شفاف” من التوصل بتصريحات لبعض التجار المتضررين، الذين أكدوا أن معاناتهم لم تعد تحتمل التأجيل، وأصبحت تهدد استقرار أسر بأكملها، كما قدم المستشار الجماعي بمقاطعة الحي الحسني وجماعة الدار البيضاء، مصطفى منضور، تصريحه الأكثر حدة حول هذا الملف، كاشفًا جوانب من سوء التدبير، ومنبهًا إلى مخاطر سياسية واجتماعية تنذر بتفاقم هذه الأزمة.
❖ احتقان يتصاعد
يشهد الحي الحسني حالة غير مسبوقة من التوتر بسبب تراكم الملفات العالقة، وعلى رأسها قضية الأسواق الشعبية التي تم هدمها دون تعويض فوري للمتضررين، ويتعلق الأمر بأسواق “صوصا” 1 و2 و3، وسيدي الخدير وشادية وبلوك المعلم عبد الله، إضافة إلى عدد كبير من الباعة الجائلين.
وفي هذا الجانب، تقول إحدى السيدات المتضررات في تصريح لـ”شفاف”: “هدموا السوق فجأة… قالوا لنا سنوفر بديلاً، لكن الأشهر تمر والوضع يزداد سوءًا، عندي ثلاثة أبناء، ولا أجد اليوم أي مورد رزق آخر”.
ويؤكد بائع آخر كان يشتغل بسوق “صورصا”: “لم نُخبر بموعد الهدم، وفقدنا رزقنا بين ليلة وضحاها، اليوم نبحث عن أي فرصة عمل، لكن الظروف صعبة جدًا”.
وهذه الشهادات تكرر المضمون نفسه، المتمثل في فقدان الدخل، وغياب المعلومات والأفق، وهي عناصر تُحوّل الأزمة من مجرد إشكال تدبيري إلى أزمة اجتماعية تمسّ فئات واسعة.
❖ “هدم بلا بديل”
يقدم المستشار الجماعي مصطفى منضور واحدًا من أكثر المواقف وضوحًا وصراحة بخصوص ملف الأسواق؛ فهو يعتبر أن ما وقع تجاوز خطير لمفهوم التدبير المرتكز على الحوار، وأن نتائج ذلك أصبحت ملموسة على الأرض.
ويقول منضور بصيغة لا تخلو من الغضب: “اليوم، هاد التجار والباعة الجائلين تحرموا من مصدر العيش… بما فيهم شباب حاملين لشواهد عليا، ما يمكنش نبقاو نعطيوهم وعود فارغة”.
وأشار إلى أن عملية الهدم لم يكن من المقبول أن تتم إلا بعد إيجاد بديل حقيقي، مبرزًا أن الذي وقع اليوم هو العكس تماماً، حيث إن المئات من الأسر أصبح مصيرها مجهول.
وحمَّل عضو مجلس مقاطعة الحي الحسني، المسؤولية لكل الجهات التي تعاملت مع الملف بمنطق إداري ضيق، دون استحضار البعد الاجتماعي لقرارات كبيرة مثل هذه.
❖ غياب لوائح المستفيدين
يشير منضور إلى مشروع المركب التجاري الذي يُرتقب بناؤه بمنطقة رياض الألفة، لكنه يعتبره مشروعًا غير منصف، لافتًا إلى أن عدد المحلات لا يتجاوز 200، ولا يوجد أي ضمان بأن أحدًا من المتضررين سيستفيد لأن العملية ستتم بالسمسرة العلنية.
ونبه إلى وجود بعد الوعود الكاذبة التي تصدرها بعض الجهات بين الفئات المتضررة، ما يفتح وفقه الباب أمام تأويلات سياسية، خاصة مع ترويج تلك الأطراف لمعلومات مضللة حول “أولوية الاستفادة”.
❖ اقتراحات بديلة
يقترح منصور إضافة طوابق للأسواق البلدية الموجودة لتعويض المئات من الأسر، مشيرًا إلى أنه طرح هذه الفكرة، لكنه لم يتلقى أي تجاوب، مشددًا على الحاجة للشجاعة السياسية من أجل مصارحة الناس بالحقيقة.
وتأتي شهادات الباعة المتضررين لتُثبت حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الأرض، ففي جولة ميدانية أجرتها “شفاف”، عبر عدد منهم عن استيائهم من غياب التواصل، وعن شعورهم بأن الملف يُدار من فوق دون مراعاة من يعيشون تداعياته.
وأحد الباعة السابقين في سوق سيدي الخدير يؤكد: “لم نعد قادرين على أداء تكاليف الحياة… كنا نعيش بكرامة رغم بساطة العمل، واليوم لا نملك حتى ثمن الخبز”.
وأضاف المتحدث ذاته: “كل مرة كيسمعونا غادي يكون الحل قريب… ولكن ولا شيء تغيّر لحدود الساعة”.
وتظهر هذه الشهادات أن الأزمة لا تتعلق فقط بهدم فضاءات تجارية، بل بتعطيل دورة اقتصادية كاملة كانت توفر الحد الأدنى من الاستقرار.
وتشير التقديرات إلى أن عدد المتضررين يتجاوز 2500 تاجر وحرفي على الأقل، موزعين على ثمانية أسواق هدمت خلال السنتين الأخيرتين، ولكن هذا الرقم قابل للارتفاع، مع وجود عدد كبير من الباعة الجائلين الذين لم يتم إحصاؤهم رسميًا.
ويشدد منضور على ضرورة إيجاد حلول ناجعة وسريعة، من خلال إضافة طوابق للأسواق البلدية القائمة، وإعادة تهيئة الفضاءات التجارية المتهالكة، وتنظيم الاستغلال بعقود واضحة، معتبرًا أنه هذه الخطوات قابلة للتنفيذ بتكاليف أقل من بناء أسواق جديدة.

